العنوان عصر المندوب السامي الأمريكي.. دلالات القانون الأمريكي لمكافحة الاضطهاد الديني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1297
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 28-أبريل-1998
حقق مشروع قانون مثير للجدل يتعلق بإنشاء مكتب في البيت الأبيض «لمراقبة الاضطهاد الديني» خطوة أخرى إلى الأمام في اتجاه إقراره عندما قررت لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس النواب الأمريكي بغالبية 31 صوتًا ضد خمسة أصوات طرحه للمناقشة في المجلس والتصويت عليه خلال الأسابيع المقبلة.
ويتضمن مشروع القرار المسمى «قانون التحرر من الاضطهاد الديني» تكليف مدير المكتب الجديد مراقبة معاملة الأقليات الدينية في بلدان بينها السودان والصين، وتبعًا لذلك فرضت الحكومة الأمريكية مستويات من العقوبات، اقتصادية أو غيرها.
وعندما قدم فرانك وولف النائب الجمهوري من فيرجينيا مشروع القرار للمرة الأولى في سبتمبر الماضي عبرت إدارة الرئيس بيل كلينتون عن معارضتها القوية للمشروع انطلاقًا من أن الولايات المتحدة تتعامل بالفعل مع الحرية الدينية كقضية مهمة تتابعها عن كثب بالفعل.
وقد أقرت لجنة الشؤون الخارجية خلال اجتماعها يوم 25\3\1998م عددًا من التعديلات الهادفة إلى تلبية جزء من متطلبات الإدارة، وبين أهم التعديلات:
- السماح بنقل مهمة المراقبة والإشراف إلى مسؤول مستقل يعمل مع وزير الخارجية.
- استثنت اللجنة من العقوبات استيراد مادة الصمغ العربي من السودان الذي ينتج 80 – 90% من الإنتاج العالمي لهذه المادة المستعملة في الكثير من الصناعات مثل مستحضرات التجميل والمرطبات، كما صوتت اللجنة لصالح فرض حظر تجاري واستثماري شامل على السودان، يستثني مادة الصمغ من دون إعطاء الرئيس الأمريكي حق تعطيل الحظر.
ردود الأفعال
وعلى رغم التعديلات اعترض وزير التجارة ستيوارت إيزنستات على مشروع القانون، مشيرًا إلى ما يمكن أن يسببه وضع بلد ما على قائمة الملاحقة لاعتبارات دينية من ضرر على مصالح الولايات المتحدة وبرر اعتراضه في ضوء:
1- أن من شأن القانون أن يفاقم تأزم الأوضاع في دول تمر بمرحلة التحول إلى الديمقراطية.
2- كما أن إعطاء طالبي اللجوء على أساس الاضطهاد الديني الأولوية سيدخل تعقيدات كبيرة على أنظمة اللجوء المعتمدة في أمريكا.
3- أن واشنطن تفرض على السودان ومن خلال «أمر تنفيذي» ما يكفي من العقوبات وأن المشروع في حال تحوله إلى قانون يحرم البيت الأبيض من المرونة اللازمة في السياسة الخارجية.
وقال السفير جون شاتوك -مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل- إن القانون سيترك تأثيرًا سلبيًّا على المصالح الأمريكية في العالم، وعلى رغم ذلك يحظى مشروع القانون بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي إذ يرعاه ما لا يقل عن 110 من أعضاء الكونجرس حتى قبل أن يطرح على التصويت على الأعضاء الـ 435 في المجلس، ويعني ذلك أن إدارة كلينتون ستضطر إلى التعامل مع القضية على رغم أن مشروع القانون مثل معظم التشريعات التي تتعلق بقضايا السياسة الخارجية وتكون للرئيس إزاءها صلاحية تجنب فرض عقوبات إذا اعتبر أنها لا تخدم المصالح الأمريكية.
ويضيف شاتوك أن القانون «أداة فجة يتوقع أن تلحق الأذى بضحايا الاضطهاد الديني أكثر من أن تساعدهم، مما يهدد بإلحاق الأذى بعلاقات حيوية مع حلفاء أساسيين وقوى إقليمية».
وبالنسبة إلى السودان، البلد الوحيد الذي يقترح مشروع القانون فرض عقوبات واسعة عليه في الوقت الحاضر بسبب «اضطهاده» لأقليات دينية اعتبر شاتوك أن مشروع القانون غير مفيد.
وتركز لائحة القانون على «القمع» في أنحاء العالم الذي يتعرض له النصارى في جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط والبهائيون في إيران والبوذيون في منطقة التبت في الصين، ولا تتضمن اللائحة سوى إشارة واحدة إلى اضطهاد المسلمين وهي في السودان أيضًا على رغم الحالات الموثقة في عدد من البلدان مثل صربيا والصين وكشمير في الهند وإريتريا، وحتى في بلدان أوروبية مثل فرنسا.
وقد آثار مشروع القانون ردود فعل واسعة في مصر بشأن الأقباط.
وخطورة هذا القانون تقف وراءه عناصر متعصبة دينيًّا، وتستغلها قوى يمينية متطرفة موالية لإسرائيل في الكونجرس، أنه يجعل من أمريكا حكمًا وناطقًا بلسان الأقليات، ويعطي لها الحق في مراقبة الأوضاع الدينية وفرض العقوبات على من تشاء، ولذلك فإن إعطاء أمريكا أو أي دولة في العالم حق التدخل، وفرض العقوبات، والقيام بدور الشرطي والقاضي، مع التهديد بقطع المساعدات الاقتصادية، لا يعني في النهاية سوى العودة إلى نظام المندوب السامي في عهود الاستعمار، عندما كان إنجليزيًّا وهو الآن أمريكي، الأمر الذي يؤكد اتجاه السياسة الأمريكية إلى فرض هيمنتها على مصائر الدول والشعوب، ويعرض وحدة الأوطان إلى حروب أهلية وصراعات طائفية.
وقد علق بعض الكتاب العرب بالقول إن حجم الاضطهاد الديني والعنصري في أمريكا نفسها يمتد إلى المناصب الرئيسة وإلى القضاء والشرطة وأجهزة الدولة، بما لا يضع أمريكا فوق مستوى الشبهات، ولا يعطيها الحق في إصدار الأحكام، كما أن اللجوء إلى إصدار تشريعات أمريكية يمتد نطاق تطبيقها إلى التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، بات يحتاج إلى موقف دولي موحد، وقد اتخذت دول الاتحاد الأوروبي مثل هذا الموقف حين أصدر الكونجرس تشريعًا يحرم التعامل تجاريًّا مع إيران وكوبا وغيرها.