العنوان عقائد المفكرين في القرن العشرين للأستاذ العقاد
الكاتب محمد بن سليمان العبده
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1974
مشاهدات 73
نشر في العدد 227
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-نوفمبر-1974
عقائد المفكرين في القرن العشرين للأستاذ العقاد
الشيء الذي يلفت النظر في هذا الكتاب هو هذا الحشد الكبير من العلماء المشهورين بالتحقيق في اختصاصهم.
وهم يبحثون في موضوع العقيدة ويأتون بالأدلة على الإيمان بالله. والملاحظة الثانية هي التي ركّز عليها المؤلف نفسه حين يقرر أن السمة التي كانت غالبة على المفكرين في أوربا في القرن التاسع عشر هي الإنكار والتعطيل (طبعًا يقصد إنكار وجود الله). هذه السمة قد تغيرت تمامًا في القرن العشرين فأصبحت هي الشك في الإنكار، بل الذي اعتبروه من حجج الإنكار أصبح الآن من حجج الإثبات.
وبغض النظر عن رأي المؤلف نفسه في هؤلاء المفكرين أو طريقة فهمهم للعقيدة، فإني لست من يحب التمثيل دائمًا بآراء الغربيين على قاعدة (والفضل ما شهدت به الأعداء). بغض النظر عن ذلك فإني أردت من تقديم الكتاب أن أبين للمغرورين من أنصاف المثقفين عندنا كيف أن كبار العلماء والمفكرين يتجهون إلى الإيمان بالله وإن كانوا يضلون الطريق أحيانًا.
وكلمة أخرى أقولها قبل تقديم الكتاب، وهي أن نشکر الله سبحانه على نعمة الإسلام والاطمئنان إلى العقيدة السليمة وذلك عند ما نرى هذه المحاولات الشائكة وهذه الخطى المتعثرة التي يحاولها هؤلاء العلماء عندما يحاولون الوصول إلى الحقيقة، ولنبدأ الآن بعرض الكتاب:
يأتي المؤلف بمقدمة شيقة يعرض لنا فيها موضوع العقيدة الدينية كيف يتصورها هؤلاء المفكرون. ويأتي بنماذج لأقوالهم. ونختار نموذجًا في الصفحة (28) يقول الشاعر الناقد اللورد (فانسترت): «إن فقدان الثقة بما فوق الطبيعة على صلة بفقدان الثقة بأنفسنا»، ثم يشير إلى أن فقدان العقيدة في فرنسا قد ساقها إلى المسالمة قبل الأوان (في الحرب الثانية)، وفي الفصل الذي يليه يتكلم المؤلف عن السمة الغالبة في القرن التاسع عشر في أوربا وهي سمة الشك والإنكار متمثلة في أقوال لابلاس العالم المشهور.
ثم يبين أن هذه الأسباب نفسها انتقلت إلى ترجيح الاعتقاد ومن هذه الأسباب:
1 - ظهور القوانين المادية، ومذهب النشوء والارتقاء.
2- موضوع مقارنة الأديان؛ فالقوانين المادية التي ظن السطحيون أنها قوانين آلية تسير بنفسها وتسير العالم.
هي الآن غير ثابتة. لقد تغير كل شيء في القرن العشرين.
يقول المؤلف: «عرفوا الكهرب التي تحسب ذرة الهيدروجية جبلًا ضخمًا بالقياس إليه ثم تقدموا في معرفة الكهرب والذرة حتى أفلتت المادة كلها من بين أيديهم ولم يبق منها غير حسية رياضية».
«فاللون من الشعاع. والشعاع هزات في الأثير. والوزن جاذبية. والجاذبية فرض من الفروض، القانون الوحيد الذي وجده العلماء التجريبيون هو قانون الخطأ والاحتمال».
يقول (شرودنجر): «فلا يصح أن يقال إن هذه الذرة الصغيرة من المادة هي نفسها التي رصدناها قبل لحظة وترصدها بعد لحظة تالية»، وفي فصل مقارنة الأديان أظهر المؤلف أن كثرة العقائد والنحل في جميع الكرة الأرضية والتي كانت تتخذ حجة الإنكار أصبحت الآن بالعكس دليلًا على اتجاه الإنسان بطبيعته إلى الله وإن لم يهتد الهداية الكاملة وضل الطريق.
وأما موضوع وجود الشر وهو طبعًا يتصل بموضوع القضاء والقدر فيأتي المؤلف بأقوال بعض المفكرين تقرب كثيرًا من الحقيقة. يقول (مالكولم جرانت) «ومن الخطأ أن نعلق كل قيمة الوجود على مقدار المتعة فيه فإن إنسانًا لا أخلاق له قد يجد من المتعة ما لا يجده (نيوتن) أو (فنيلون)».
ويقول (أيونج): «وإنها لحقيقة أن ثمة خيرات لا تأتي إلا إذا كان هناك العكس. فكيف تتسنى الفضيلة بغير المغريات والعوائق. وكيف توجد شجاعة بغير ألم.. وحلًا لهذه المشكلة الشر لا يمكن أن يقبل أقل قبول ما لم يكن للإنسان بقاء بعد موته».
وفي فصول متلاحقة يتكلم المؤلف عن عقائد العلماء ثم الأدباء والفلاسفة وعلماء الأخلاق.
والمثال الأول بين العلماء هو الدكتور ألكسيس كاريل الطبيب المشهور المتخصص في بحوث الخلية وصاحب جائزة نوبل 1912م، وكتابه «الإنسان ذلك المجهول» هو أجرأ کتاب کتبه عالم باسم الطب والعلم في مسائل العقيدة والروح؛ لأنه أعلن فيه أن النظر إلى الإنسان كأنه آلة جسدية هو خطأ طبي، ويشبه الدكتور كاريل في اطمئنانه إلى عقيدته الطبيب (ليكونت دي نوي). وأما الأدباء ففي طليعتهم (برنارد شو) الذي لخص مذهبه بأنه لا يؤمن بالمادية المطلقة، ثم يأتي المؤلف بآراء الأدباء فورستر الإنجليزي و(رجول رومان) الفرنسي الذي يقول: «لا أحسب العقل قادرًا على استطلاع الحقيقة المطلقة».
وفي فصل (آراء الفلاسفة) نذكر على سبيل المثال الفيلسوف (كولنجورد) يقول: »إن المادية لم تزل منذ ظهرت في القرن السابع عشر لم تصل إلى محصل وأنها بمثابة من يكتب صكوكًا ضخامًا على رصيد غير موجود، وأن زعمها أن الفكر إفراز من الدماغ کإفراز الصفراء من المرارة هو في نظر العلم تمويه وتهويش» .
ثم يسرد المؤلف آراء كثير من الفلاسفة في أقطار شتى.
وملخص أقوال علماء الأخلاق إن الإنسان الذي تتولد فيه حاسة أخلاقية لأنه جزء من نوع من الأجدر أن تتولد فيه حاسة أقوى من هذه لأنه جزء أصل الوجود كله. فطبيعة الأخلاق لا تغني عن طبيعة الاعتقاد.
ينقل المؤلف رأيًّا للعالم شارل دارون -وهو طبعًا غير شارل دارون صاحب نظرية التطور- بل هو حفيده. يقول هذا العالم إن الإنسان سيحتفظ بالعقيدة الدينية في المليون سنة المقبلة (طبعًا هذا رقم تخيله هو). ثم يقول: «إن العقائد لها خاصية أخرى وهي أنها تكفل الدوام للخطط الاجتماعية زمنًا أطول من الزمن الذي تتكفل به أية فكرة عقلية»، ثم يقول: «في التاريخ حالات عديدة يتصدى فيها نخبة من المصلحين لوضع سياسة يتوخون بها المصلحة العامة ولكن ما أن ينقضي جيلهم حتى تنقضي كل آثارهم. أما الإصلاح الذي يقترن بالعقيدة فقوة بقائه أكثر بكثير».
ويقول العقاد في كلمة أخيرة له: «إن علاقة الإنسان بالكون أعرق وأوثق وأعمق من كل علاقة باقليمه أو بعشيرته أو بنوعه».
وهكذا يتجه الإنسان الذي يستعمل فكره إلى الله سبحانه وتعالى ولكنه يضل الطريق إذا لم يهتد بهدي خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله على نعمة الإسلام.
الرابط المختصر :