; عقار الإجهاض الجديد «٤٨٦ RU» يؤرق الضمائر الحية | مجلة المجتمع

العنوان عقار الإجهاض الجديد «٤٨٦ RU» يؤرق الضمائر الحية

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 902

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 31-يناير-1989

*أصابع السياسة الإجرامية ستجد في عقار الإجهاض الجديد ما يساعدها على تحقيق أهدافها بتحديد النسل

إذا كنا جميعًا منبهرين بدرجات مختلفة بالإنجازات العلمية الغربية، معتبرين أن كل ما يصدر من معامل الغرب ومصانعه ومخابره هو الأمثل وهو الأفضل، وبالتالي نسارع إلى الحصول عليه أو الاستفادة منه، فعلينا اليوم أن نراجع أنفسنا ونعيد النظر في هذه الأفكار، التي عششت في أذهاننا، وأن نكون حذرين كل الحذر ليس فقط من الأفكار والمفاهيم الغربية، بل كذلك من المنتجات الصناعية الاستهلاكية الغربية، التي بدأت تظهر مساوئها وأخطارها بعد مرور فترة من استعمالها، ولا أدل على ذلك من الأمراض الخبيثة، التي ولدتها الحضارة الغربية كالسرطان ومرض نقص المناعة والذبحة الصدرية والسكتة المخية وغيرها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يجب ألا ننسي أن الحقائق والاكتشافات العلمية شيء، وأن استعمالها وتطبيقها وتوظيفها شيء آخر، وعندما ينتفي الوازع الأخلاقي عند العلماء الغربيين، ويضعف الاعتقاد الديني، ويغيب الضمير في إطار الثقافة والحضارة المادية، فإننا لا نستغرب أن يقدموا للإنسانية ما يضرها، وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعًا، هذا ما تؤكده الضجة في هذه الأيام في فرنسا، وفي كل الدول الغربية، وفي العالم أجمع حول عقار «رو ٤٨٦ »؛ للتخلص من الحمل، فما قصة هذا العقار؟ ولماذا هذه الضجة حوله؟

العقار «رو ٤٨٦» هو عبارة عن حبوب للإجهاض تصنعها شركة «روسيل أوكلاف» الفرنسية المتخصصة بصناعة الأدوية، وقد حصل على موافقة المسؤولين في وزارة الصحة الفرنسية في سبتمبر الماضي إلا أنه لا يزال قيد التجربة، ولا يوجد إلا في المستشفيات ولدى الأطباء، ولم يسوق بعد تجاريًّا، ولكن ليس من المستبعد أن يباع عما قريب في كل الصيدليات، ويمكن أن يحصل عليه أي شخص مثلما يحصل على حبوب الأسبرين.

إذا أخذت الحامل ثلاث حبات من هذا العقار خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحمل، فإنه يؤدي إلى الإجهاض، وعندما يضاف إلى هذا العقار حقنة بروستا غلاندين، فإن فاعليته في الإجهاض ومنع استمرار الحمل تصل إلى ٩٥٪، وقد حقق هذا العقار شهرة بسرعة؛ حيث استعملته حتى آخر عام ۱۹۸۸ حسب تقارير فرنسية خمسة آلاف امرأة في فرنسا، وعشرة آلاف امرأة في العالم، وتزايد الطلب عليه إلى حد أن كل ما تصنعه الشركة منه لم يغط الطلب داخل المستشفيات والعيادات الخاصة، غير أن الشركة الفرنسية توقفت عن إنتاجه حاليًا؛ بسبب ضغوط الشركة الألمانية «هاشت»، التي تملك معظم أسهم شركة «روسال أوكلاف» للأدوية الفرنسية، وعندما يسأل البروفيسور «بوليو» مدير الشركة ومخترع تركيبة العقار عن سبب انقطاع الإنتاج حاليًا يجيب بأن الشركة الألمانية خائفة من تشويه سمعتها، وأن الدوافع الأخلاقية هي التي جعلتها تضغط علينا، ولكنه يضيف بأن هذا الاختراع لا يمكن أن يوقف، ومن المرجح أن الصينيين مثلًا يقلدون عقارنا، وسيطرحونه للبيع دون موافقتنا، ولا نستطيع أن نفعل شيئًا لمنعهم من ذلك.

فالضجة حول هذا العقار إذن تعكس فيما تعكسه أزمة ضمير، وهي قائمة بسبب الحرب الكلامية بين المعارضين لهذا العقار، وهم غالبًا أعضاء جمعيات «حق الحياة» والمدافعين عن هذا العقار والمنادين باستئناف صنعه وترويجه تجاريًّا كأية حبوب أخرى.

عقار له سمة الحضارة المادية:

لا شك أن هذا العقار يتنزل في إطار تحديد النسل، وتخفيض عدد المواليد بالنسبة للأسرة والقضاء على ثمار علاقات الفسق والفجور، وبالتالي رفع كل الحواجز والمعوقات أمام هذه العلاقات، وهذا على صلة وثيقة بالعقلية المادية التي غرست في الفرد الغربية الأنانية، وحب الذات، فصار هم هذا الفرد البحث عن لذته فقط، وعن إسعاد نفسه فقط، ولو كان على حساب غيره، ولو كان هذا الغير زوجة أو ابن أو ابنة من صلبه، فتحديد النسل أو الاكتفاء بطفل أو طفلين ناتج عن تحول الكماليات إلى ضروريات، وعن شعور الإنسان الغربي - وحتى غير الغربي - بأنه أصبح من العسير تحقيق مطالبه وحاجاته ذاته، فضلا عن تحقيق مطالب زوجته وأولاده وحاجاتهم، وفي غياب الاعتقاد والإيمان بأن الله هو الرازق، وأن الإنسان لن يكسب إلا ما كتبه الله له، فإنه يعمل تلقائيًّا ودون دافع خارجي إلى الإقلال من الإنجاب، ولكن الأخطر من هذا هو أن العقار الجديد ليس مانعًا للحمل كموانع الحمل المعروفة من حبوب وغيرها بقدر ما هو أداة الجريمة في حق الأجنة، فهو وإن كان مكملًا لمجموعة موانع الحمل، باعتبار أن النطفة إذا فلتت من مانع الحمل فإن هذا العقار يتلقاها للقضاء عليها، ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن أن تعاش تجربة تناول هذه الحبوب كتناول أي حبوب أو دواء آخر؛ لأنها حقًّا اتخاذ لقرار وموقف مسؤول، ويا للخجل فإن هذا القرار هو جريمة مهما حاول أنصار هذا العقار تبرئة مستعمليه، فالإجهاض هو قرار قتل متعمد لكائن بشري في طور التخليق، ولا يمكن للأطباء الذين يقدرون مسؤولياتهم أن يلجأوا إليه إلا عند الضرورة الصحية، أي عندما يكون في الحمل خطر أكيد على صحة المرأة الحامل وحياتها.

تأنيب الضمير:

ليس من الغريب أن يلقى هذا العقار معارضة حتى في أوروبا والدول العلمانية؛ لأنه بات يؤرق بعض الضمائر الحية، ويقول الذين يقفون بحزم ضده: إنه إذا طرح هذا العقار في الأسواق، فإنه سيجعل مسألة الإجهاض شائعة ومقبولة، ويلجأ آخرون إلى حجة طبية؛ حيث يقول أحدهم وهو الدكتور جون ويلك - رئيس جمعية حق الحياة الأمريكية -: «إن العقار يمكن أن يؤدي إلى حدوث تشويهات لدى الجنين إذا لم تنجح عملية الإجهاض»، ويقول كذلك: «إن هذا العقار أشبه بالقنبلة الموقوتة وهو يعيد إلى الأذهان ما جرى عندما طرح «التاليدومايد» في الأسواق في الستينات؛ حيث أدى إلى ولادة أطفال مشوهين».

ولا يظنن أحد أن تأنيب الضمير هذا قاصر على المعارضين للإجهاض عمومًا، بل هو أظهر ما يكون عند النساء اللاتي تناولن حبوب «رو ٤٨٦»، وهذا يؤكد بوضوح أن تناول هذا العقار مناف للطبيعة والفطرة الإنسانية، ولا يمكن أن يوضع إلا في خانة الجريمة.

 تقول شتال بيرمان، وهي قابلة فرنسية أشرفت على عمليات إجهاض بعقار «رو ٤٨٦»، إن إحدى النساء اللاتي أجهضن أجهشت بالبكاء بعد ساعات، وإن أخريات كن يتساءلن قائلات: «في أي وقت بالضبط قتل «صغارهن؟»، مما يوحي بأنهن قتلن خلقًا آدمیًّا.

وفي مقابلة مع امرأة جربت الإجهاض بالطريقة الميكانيكية التقليدية والطريقة الجديدة بعقار رو ٤٨٦ نجدها تقول: «عند اللجوء إلى الطريقة القديمة أشعر أنني سلبية، وإن أيادي أجنبية هي التي ستقتل الجنين وأنا نائمة ولكن مع «رو ٤٨٦» أنا التي أقوم بالحركة المشؤومة بقذف الحبوب في فمي، فليس هنالك وسيط يجعلني أتخلص من المسؤولية إلا يمكن أن تغالط ضمائرنا؟».

ومن المظاهر الأخرى الدالة على تأريق الضمير رسائل التجريم والشتم المنهالة على الدكتور بوليا مخترع العقار بعضها يهدده، وبعضها يصفه بالشيطان.

أثر هذا العقار

إذا قدر لهذا العقار أن ينتشر، وأن يطرح في الأسواق، وهذا ما سيقع على الأغلب، فإن الآثار التي ستترتب على ذلك ستكون جسيمة وخطيرة ليس في العالم الغربي وحده، بل في العالم أجمع، وأول هذه الآثار توسيع أبواب الفساد، وتمكين الجميع من تغطية جرائمهم الأخلاقية والجنسية بجريمة أفظع ألا وهي الإجهاض، ولنا أن نتصور هذه الخطورة بالمقارنة مع آثار انتشار حبوب منع الحمل، والتي تظهر الآن في كثير من دول العالم، ولا ننس في خضم هذه القضية الأخلاقية أصابع السياسة الإجرامية، التي ستجد في عقار الإجهاض الجديد ما يساعدها على تحقيق أهدافها بتحديد النسل في الدول، التي تظهر نموًّا ديمغرافيا كبيرًا، وهي دول العالم الثالث، ومن المؤكد أن الدوائر الإمبريالية التي نظرت لقضية تحديد النسل، وروجت لها، ومولت الحملات من أجلها، أنها ستجد في عقار الإجهاض الجديد ضالتها، وستعمل جهدها لإقناع المستهدفين باستعماله بعد إضعاف الوازع الأخلاقي والديني في نفوسهم

ومما يؤسف له أن بعض الدول الإسلامية تستجيب لدعوات تحديد النسل الهدامة، وتقع في مصيدة الدوائر الإمبريالية، وقد رأينا في السنوات الماضية كيف حصلت دول إسلامية على جوائز؛ لتفوقها في تطبيق سياسة تحديد النسل، فهل ستكشف هذه السياسة بظهور عقار الإجهاض؟، ذلك حقا ما نخشاه، بالإضافة إلى ما سيترتب على انتشار هذا العقار من انتشار للفساد والرذيلة وهتك لكل القيم الإنسانية، ونحن إذ نعتقد أن المسلمين هم أول المستهدفين لا يسعنا إلا أن ندق ناقوس الخطر من الآن؛ ليأخذ كل مسلم حذره؛ لأنه حتى لو منعت السلطات المحلية تسويق هذا العقار وبيعه في بلداننا، فما أسهل أن يحصل الإنسان على ما يريد اليوم والطائرات تجوب العالم، وتقرب كل بعيد، فهل سنرى مستقبلًا مفتشي الجمارك في مطاراتنا يفتشون الركاب؛ لمنع تسريب حبوب «رو ٤٨٦» مثلما يمنعون اليوم تسريب الكحول والمخدرات؟ ذلك ما نخشاه حقًّا

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 46

121

الثلاثاء 02-فبراير-1971

الأسرة (46)

نشر في العدد 45

94

الثلاثاء 26-يناير-1971

الأسرة  الحياة البسيطة

نشر في العدد 65

130

الثلاثاء 22-يونيو-1971

خاطرة  الأسرة  أولاد بالجملة!