العنوان عقبات التحول إلى الجماهيرية ( 1من2)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1221
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
إذا كان العمل الجماهيري يعتبر أمرًا مطلوبًا للوصول إلى القرار عن طريق التصويت في النظم الديمقراطية، فإن العمل الجماهيري العام يعتبر في الإسلام من الأمور البدهية، بدءًا من الدعوة، مرورًا بالمجتمع ووصولًا إلى صنع القرار، فالخطاب القرآني موجه لكل الفئات، للناس أجمعين، قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ (الاعراف:158)
وهو خطاب يحث على الاتصال لتبليغ رسالة الله للناس كافة دون تفريق أو تمييز اجتماعي أو اقتصادي أو عرقي..
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ﴾ (المائدة:67)
وقوله جل شأنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:28)
وهذا الفهم الأصيل لشمولية العلاقة والاتصال مع كافة أبناء البشر، هو الذي تجسد واقعًا ميدانيًا مع انطلاقة الإسلام، فقد ظهرت الجماهيرية الواسعة، التي نبأت بمجتمع متسع يضم ويتعدى مشكلة القوميات والفروقات الطبقية والجنسية، من هنا نفهم طبيعة تركيبة المجتمع المسلم الأول الذي ضم كل من: «العربي كابي بكر، والحبشي كبلال، والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمار»(1)
ويرتبط أكثر ما يرتبط مفهوم الجماهيرية بالشان السياسي « الانتخابات ميزان الرأي العام، وتعتبر المؤثر المباشر في عمليات التحول في أي مجتمع، لذلك كان الحرص الدائم على جماهيرية التحرك من قبل الأحزاب، إلا أن الفترة الزمنية الراهنة تشهد انحسارًا على صعيد العمل والاتجاه الجماهيري لصالح العمل النخبوي أو جماعات الضغط المالية والإعلامية، وهذا الاختيار ينطلق من طبيعة الجمهور وضعفه امام المجموعات النخبوية، والتحول المنشود في كل المجتمعات إذا لم تشارك فيه جماهير فإنه سيقع عليها بكل الأحوال، فمن نجاح التغيير واستمراريته أن تشارك به هذه الجماهير عن وعي وقدرة عملًا بالدعوة العامة التي أطلقها رسول الله ص:« من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». «فالجماهيرية في المشروع الإسلامي تعني أن يتجاوز هذا المشروع حدود القاعدة الحزبية أو الفئوية إلى رحابة واتساع القاعدة الجماهيرية، بحيث يتعدى الخطاب الدعوي الشرائح التنظيمية المحدودة، إلى جماهير الأمة على اختلاف مواقعها وثقافاتها». (۲)
فأثر الجمهور شان بارز، إن كان بتحريك ذاتي أو مؤثرات خارجية، فهناك وحدة مصالح وإدراك ومواقف، وجاء في معجم المصطلحات السياسية والدولية أن الجمهور عدد من الأفراد يشتركون في الإدراك في وحدة المصالح، ولذلك يتولد لديهم شعور بالوحدة وتحقيق الذات، ويظهر أثر الجماهير فيما يقومون به من تصوبت او عدم التعاون أو نادية الضرائب»(۳)، لذلك فإن إغفال دور الجماهير يعتبر نقصًا في الفهم والتقدير لما يمكن صنعه من خلال تفعيل العمل الجماهيري، ويقع في شرك هذا الفهم الخاطئ العديد من العاملين في الحقل السياسي بحيث تهمل الجماهير، ويتم التركيز فقط على النخبة أو أصحاب الدرجات العلمية والمهنية الرفيعة المستوى وهذه الصورة استمرت طوال قرون، وتتجه لمزيد من التجذر والتفرد مع ضمور الحالة الجماهيرية العامة على المستوى العالمي، بعد ترهل الحركات العالمية والطلابية التي كانت فيما مضى تحدد قسمًا كبيرًا من مسار الحياة السياسية العامة للبلاد، وعلى صعيد الحركة الإسلامية يتم السؤال الآتي: هل يمكن لهذه الحركة، أو هل من مصلحتها أن تبتعد عن العمل الجماهيري وتنكفئ عنه؟ وهل هي كذلك ..
الهوامش
ا- عبد الكريم زيدان أصول الدعوة مكتبة المنار الإسلامية بغداد ۱۹۸۱ م ص ٣٥٨.
2-فتحي يكن المتغيرات الدولية والدور الإسلامي المطلوب مؤسسة الرسالة بيروت ط ۲ ۱۹۹۰ م ص ۱۱۸
3-أحمد زكي بدوي، معجم المصطلحات السياسية الدولية دار الكتاب المصري القاهرة ١٩٨٩م.