; عقبات في طريق الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان عقبات في طريق الدعاة

الكاتب أبو بصير

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1975

مشاهدات 76

نشر في العدد 245

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 15-أبريل-1975

الدعوة إلى الله منوطة بالأنبياء في الأصل، وإنما العلماء ورثة الأنبياء ولم يورثوا درهمًا ولا دينارًا وورثوا هذه الدعوة فالحمل ثقيل ناءت بحمله السماوات والأرض من قبل، فلا بد للدعاة من زاد يتزودونه في هذه الرحلة الشاقة، فما أكثر الدعاة وما أقل المخلصين منهم، وما أكثر الذين سقطوا في منتصف الطريق وقليل هم الذين ساروا على الدرب حتى النهاية، فكان من الضروري للداعية الناجح من عدة يصد بها وإلا فهو كالساعي إلى الهيجاء بغير سلاح. وإنني سأقتصر في هذا المقال على بعض نواحي الضعف التي تعتري بعض الدعاة فتقعدهم عن العمل وما أراه علاجًا وبالله أستعين.

 1 - الفتور فالكسل: وله أسباب عدة فقد ينشأ لدى رؤية الداعية انتفاش الباطل مع تفاهة أصحابه وانحسار الحق مع صدق دعاته، وقد ينتج عن الاستبطاء في قطف الثمرة لطول المدة بالقياس إلى أصحاب المباهج الأرضية الذين حققوا أهدافهم في فترة وجيزة مما قد يسبب ألمًا في النفس وخورًا في العزيمة وقد يؤدي إلى اليأس القاتل عند بعض الدعاة، ألم ييأس يونس عليه السلام من قومه وهو النبي! فترك قومه إلى غيرهم قائلا لن يضيق الله عليّ و﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: 53)، وهذا المرض ينتج في رأيي عن عدم وضوح الرؤيا ابتداء فإذا اتضحت الرؤية فلا مكان للفتور أو اليأس في النفس المسلمة؛ فغاية الداعية من دعوته قبل كل شيء هي إرضاء ربه، فما خلق الإنسان إلا للعبادة، والدعوة جزء منها، والمصاعب والعقابيل التي يواجهها الدعاة شيء من طبيعتها «وحقيقة الايمان لا تتم تمامها في قلب حتى تتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان؛ لأنه يجاهد نفسه كذلك في اثناء مجاهدة الناس وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن تتفتح له وهو قاعد ساكن» فالتراخـي والفتور في الدعوة إلى الله يضعف الإيمان كما أن مواصلة العمل الإسلامي دون كلل أو ملل ينقيه ويصعده، وقد يحقق الداعية بعض ما يهدف إليه في حياته وقد يتحقق من بعده في مماته فتقطف ثماره الأجيال القادمة، والمهم أن يلقى الله وهو عنه راض ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ ﴾ (التوبة: 105).

 وأما قياس الدعوة إلى الله على غيرها من المذاهب الأرضية، فهذا خطأ وأي خطأ، فأين هذه من تلك؛ فهدف الدعاة إلى الله تحكيم شريعة الله في الأرض ونقل البشر من عبودية بعضهم لبعض إلى عبودية رب العباد، وهدف أولئك مصالح دنيوية رخيصة وسهلة المنال والتحقيق؛ فمهمة الدعاة إلى الله ضخمة تحتاج إلى صنف من البشر على مستوى رفيع من قوة العزيمة والثبات على الحق، وعلى الداعية أن يتلقى خبر انتصارات الأحزاب والهيئات بشجاعة، فإنها ليست إلا من قبيل الانتصارات الوقتية غير المؤهلة للدوام، بل لعل حكمة الله في انتصار هذه الدعوات ليظهر عجزها عن صنع الواقع السعيد الذي وعدت الناس به ولم يبصروه! إنه طريق الدعاة صعب طويل بطيء وبروز الخصوم والأعداء هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتمًا مقضيًّا ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودًا فلا يكافح ويناضل إلا الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع وأعراض الحياة بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودًا وأشدهم إيمانًا، إنه طريق وعر يسبقنا فيه الأرضيون لوقت، يسقط فيه بعضنا وتفوتنا بعض المغانم ولكنه طريق مأمون ثابت زادنا ودرعنا فيه الصبر والصلاة ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45)، وها هو سيد الخلق وإمام الدعاة وقدوتهم محمد عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ويقول «أرحنا بها يا بلال» وفي الصلاة قرة عين المؤمن فيها يتصل الداعية بربه يستمد المدد منه فينسى همومه وأحزانه ويستعذب الصعب وتهون عليه الحياة.

فالداعية الحق لا يملك نفسه حتى يمنحها إجازة فيقعد عن الدعوة حينما يشاء وينشط لها حينًا آخر، إنه كما وصفه بعض الفضلاء وقف لله تعالى، فلا ينبغي أن يعطي دعوته فضول وقته وإنما يوصل الداعية إلى غايته شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه لها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله هذا هو السبيل وبدون ذلك فلا نصر ولا نجاح.

2- الافتقار إلى الروحانية والجنوح إلى الجدل: يشب بعض العاملين للدعوة منذ نعومة أظافرهم على حب الإسلام كنظام قادر على حل معضلات الحياة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وتستهويهم هذه الناحية كثيرًا بحيث تطغي على غيرها من النواحي الأخرى كالتربية الروحية والتمثل بالمنهاج الإلهي كاملاً قولاً وعملاً وتكون النتيجة الحتمية أن ينعكس ذلك على سلوكهم وأسلوبهم في الدعوة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فتراهـم ينهكون أنفسهم في إظهار مزايا النظام الإسلامي في جميع المجالات ويتتبعون فروع الشريعة بالتفصيل والتعليل وقد يدخلون في مناقشات حادة وجدل عنيف على طريقة أصحاب المذاهب السياسية المعاصرة ويكون حصادهم الفشل الذريع وإهدار الوقت الثمين.

وهم بذلك يخلطون بين منهج الله في إصلاح البشر وبين أصحاب المناهج الأرضية الذين برعوا في عرض مذاهبهم في نظريات براقة مع تبيان قدرتها على حل مشكلات الساعة بعصا سحرية، وقد ينجح هؤلاء في جذب سواد الأمة إليهم ولكن إلى حين ولا لوم على أصحاب هذه المذاهب في اتباع هذا الأسلوب النظري المخادع، فإنه ينبع من طبيعة مذاهبهم الأرضية، إذ كل ما يصبون إليه هو اتساع قاعدتهم الشعبية ولو على حساب النوعية.

إن المنهج الإلهي في إصلاح البشر واضح كل الوضوح، إنه يبدأ من العقيدة لا بد من تعريف الناس بإلههم الحق وبحقيقة وجودهم والمهمة المنوطة بهم إبان مرورهم في هذه الدار، وبعبارة أقصر يجب تعريف الناس بالشريعة في إطارها الكامل وإقرار جلال الله ورهبته وهيبته في أعماق قلب الإنسان، فإذا استقر ذلك في قلبه غدا إنسانًا آخر يتحرك بحركته القرآن، ويتكلم فيملك قلوب سامعيه من حرارة تقواه وصدق إيمانه. وليس صدفة أن يظل القرآن ثلاث عشرة سنة في مكة يركز على مسألة العقيدة لا يتعداها إلى سواها حتى التحمت النفوس بهذه العقيدة التحام الروح بالجسد فغدت تسري في دمائهم فكانت بمثابة المولد الذي يغذيها بالحياة فهانت النفوس في سبيلها، وآن لله أن يستخلف من علوها وأوفوا بشرطها حتى دانت الأرض وثلوا عرش کسری وقيصر على قلة عددهم وعدتهم.

وبدون هذه التربية الروحية لا يمكن أن يصلح أمر هذه الأمة فلا بد للدعاة من التركيز على بناء النفوس وصياغتها بالعقيدة أولا، نحن بحاجة إلى دعاة ربانيين ذكر الله ربيع قلوبهم، أخلاقهم قرآنهم، يستولون على قلوب الناس بسلوكهم السوي قبل أن يسيطروا على الناس بفصاحة ألسنتهم وهم يتحدثون عن مسائل فرعية من الشريعة، إن هذا أمر غير منطقي بل محاولة عابثة كمن يحاول استنبات البذور في الهواء. ولقد أكد لي بعض الإخوة عقم هذا الأسلوب وعدم جدواه في التأثير على النفوس وخاصة في الغرب الذين صرّحوا بأنهم في أمس الحاجة إلى مطالب الروح لا إلى مطالب الجسد، إنهم بحاجة إلى دعاة يتمثل فيهم الإسلام، تمثيلا كاملا.

إنهم يفتقرون إلى الإشعاع الروحي ليبدد ظلام المادة وظلام النفوس، ولا أغالي إذا قلت إن الداعية الناجح أصبح عملة صعبة هذه الأيام.

3- الافتقار إلى التركيز والتنظيم: درج بعض الدعاة على اتباع الأسلوب التقليدي في الدعوة أسلوب الوعظ والإرشاد في المساجد، أو إلقاء محاضرة في مؤسسة أو مدرسة أو حديث عابر في الإذاعة ثم يتجمد على هذا الأسلوب ولا يتعداه، ويظن أنه قد قام بواجبه نحو الدعوة أو الحركة خير قيام، ولكن كان هذا الأسلوب يجدي نفعًا في الماضي فإنه لم يعد له أثر ملموس في هذا العصر الذي لم يعد فيه للكلمة سحرها «۱» وتأثيرها لضعف الوازع الديني من جهة ولزعزعة الثقة فيمن يعظ أو يخاطب أو يحاضر على وجه العموم لأن الناس سئموا الخطب الرنانة ويطلبون أعمالا ملموسة. 

وفرق كبير بين من يبذر الحب في الأرض ثم يتركه فريسة للعوامل الجوية، تفعل بها كيف تشاء وبين من يبذر البذور ويتعهدها بالحرث والسقاية وتوفير مقومات الحياة لها، فلا يتركه إلا بعد أن يشتد عوده ويقوى غرسه.. إنه لفرق شاسع بين الداعية الذي يعتمد على الطريق الحركي- طريق الاتصال الشخصي المباشر في دعوته بين الناس فيؤثر فيهم عن طريق اللسان والموعظـة الحسنة والقدوة الطيبة ويتفاعل معهم على هذا الأساس ولا غنى للداعية عن الاتصال الشخصي وبذل الجهد المتواصل في تربية الشباب وتقويمه ومراقبته حتى تتكون النواة الأساسية للمجتمع الإسلامي المنظمة تنظيمًـا دقيقًا المميزة عن غيرها في تصوراتها وأخلاقها ومنهجها لتكون أقدر مواجهة على تحديات أعداء الحركـة الإسلامية. وربما فضل بعض الدعاة السبيل الأول سبيل الوعظ والخطب والمحاضرات على طريق الاتصـال الشخصي لأنه أسلم عاقبة وأقــل إحراجًا وجهدًا، ولقد رأيت بعض العاملين للدعوة من الأساتذة الجامعيين يتحرجون من الاتصال المباشر بطلبتهم خوفًا من الإحراج!! أو أنهم يجدون غضاضة في أنفسهم عند الاتصال بطلابهم الذين هم دونهم مستوى!!

وعلى العكس من ذلك فقد شاهدت بعض الطلبة الإسلاميين لا يقوون على مفاتحة أساتذتهم في شأن الدعوة، إنه ضعف الإيمان الذي يقعد هؤلاء وهؤلاء عن الدعوة، فالمسلم مكلف بنشر دعوته حيثما كان وبكل وسيلة ممكنة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة عندما كان يمضي وقته مع بلال وعمار رضوان الله عليهم لا يجد غضاضة في ذلك!! وأما أصحابه فقد ضربوا أروع الأمثلة في الجرأة في قول الحق لا يخشون في الله لومة لائم.

والداعية الناجح من يراوح بين الطريقتين- الطريقة التقليدية طريقة الوعظ والمحاضرات طريقة التثقيف العام بمختلف وسائل الإعلام بأسلوب عصري علمي جذاب لتطعيم الجو العام بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة ما سنحت الفرصة لذلك- وبين الطريقة الثانية الطريقة الحركية طريق الاتصال الشخصي والالتحام العضوي؛ فهما متلازمتان متكاملتان، على أن يركز الداعية على الطريقة الثانية باعتبارها الدعـــــــــامة الرئيسية لتكوين الجماعة المسلمة المنشودة وأنها الطريقة التي مارسها رسول الله عليه الصلاة والسلام في الطور المكي واعتمد عليها اعتمادًا أساسيًّا.

4- الركون إلى الدنيا: يبدأ بعض الدعاة حياته المدرسية في مجال الدعوة بداية جيدة فيبدو على أحسن ما يكون الدعاة قوة في العزيمة وصدقًا في القول يتأجج حماسًا واندفاعًا تأنس لكلامه إذا تكلم مكرسًا جل وقته في سبيل الدعوة هذا في حالة فقره وقلة ذات يده وتظن أنه لو أوتي مال قارون لأنفقه في سبيل الله، ويأبى الله إلا أن يمحص المؤمنين ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(الأحزاب: 62).

ويتخرج هذا الداعية، ويحصل على وظيفة في بلده أو في إحدى دول الخليج وتُقبل الدنيا عليه من كل جانب ويتغير وضعه فجأة وإذا بروحه تظلم بظلام المادة بعد أن كانت مشرقة إشراق الشمس، ويترهل جسمه من قلة الحركة والنشاط وإذا به إنســان آخر غيره بالأمس وإذا رأى إخوان العقيدة بالأمس انزوى عنهم خجلا!.

إنه مشغول بالتخطيط للمستقبـل مستقبل الأولاد في تأمين سكنهـم ومعاشهم!!.. ولم يعد يذكر واجبه نحو دعوته إلا لمامًا وإذا سألته عن هذا التغيير المفاجئ فالجواب جاهز إن الإسلام دنيا ودين هكذا! هذا الإسلام أصبح ملاذًا والكل عاجز!

وصدق الله العظيم ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35)، ولا أبالغ إذا قلت إن كثرة من الدعاة ـ إلا من عصم ربك- قد صرعتهم الدنيا بأقدامها بعد أن كانوا يشار إليهم بالبنان، ولا علاج لهذا المرض إلا التجافي عن دار الغرور والتعلق بالآخرة، فلا شيء أفسد للقلب من التعلق بالدنيا والركون إليها وإيثارها على الآخرة، وهيهات لقلب فاسد أن يقوى على مهام الدعوة، ولا خلاص من هذا الوباء إلا أن يضع الداعية نصب عينيه دائما زوال الدنيا ومفارقتها وتحقق لقاء الآخرة وبقائها ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (النساء: 77) وأن يضع في ذهنه هذا الذي تيقنه وأن يقطع التسويف وطول الأمل حتى يشف قلبه وروحه فيتصل بالله يستمد منه المدد وأنعم به مددًا.

عندئذ تصغر الدنيا في عين المسلم فينقطع عنها تعلقه ويتجه إلى دار البقاء يطلب ما عند الله بالتسابق في عمل الخيرات ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).

أبو بــصير

--------------------------------------------

«۱» في هذا الكلام غرابة! فنحن في عصر يُسمّى بعصر السحر الإعلامي. ومادة هذا السحر هي الكلمة ثبتت في أكثر من صورة.. التهوين من العمل الحركي خطأ. والتهوين من دور الكلمة خطأ كذلك «المجتمع».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 247

184

الثلاثاء 29-أبريل-1975

مهمة علماء الإسلام (247)

نشر في العدد 1252

77

الثلاثاء 03-يونيو-1997

المجتمع التربوي (1252)

نشر في العدد 1394

88

الثلاثاء 04-أبريل-2000

استراحة (1394)