; عقدة الجزائر تلاحق فرنسا | مجلة المجتمع

العنوان عقدة الجزائر تلاحق فرنسا

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993

مشاهدات 86

نشر في العدد 1076

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 23-نوفمبر-1993


 

ينبغي تخلي فرنسا عن نظريتها الاستعمارية في المسألة الجزائرية

 

شنت الشرطة والمخابرات الفرنسية حملة اعتقالات واسعة في صفوف جمعية «الصداقة الجزائرية في فرنسا» وعدد من مناصري «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر وعناصر إسلامية أخرى تنتسب إلى جنسيات مختلفة.

 

وتزامنت هذه الاعتقالات مع توتر الوضع في الجزائر تحت ضغط قرب انتهاء المرحلة الانتقالية التي ضبطها المجلس الأعلى للدولة الحاكم هناك لنفسه بالإضافة إلى تداعيات عملية الاختطاف التي استهدفت موظفين فرنسيين يعملون بالجزائر في نهاية الشهر الماضي. فما ملابسات حملة الاعتقالات في فرنسا؟ وخلفياتها وأبعادها؟

 

سيناريو توريط:

بعد النهاية «السعيدة» لعملية اختطاف الفرنسيين الثلاثة العاملين بالقنصلية الفرنسية بالجزائر والتي مازالت تدور حولها العديد من الشكوك ويكتنفها الغموض، تعددت التصريحات الرسمية الفرنسية التي تتوعد كل من تسول له نفسه تهديد المصالح الفرنسية على التراب الفرنسي أو خارجه.

 

وقد برر وزير الداخلية الفرنسي (شارل باسكوا) ومن ورائه الحكومة الفرنسية هذا الإنذار الشديد اللهجة بحجة... توقع تهديد حقيقي بقيام بعض الأطراف الإسلامية المقيمة بفرنسا بعمليات «إرهابية» أو التحريض عليها اعتمادًا على رسالة - مشكوك في مصداقيتها - يقال: إنها سلمت لآخر رهينة فرنسية عند الإفراج عنها وتتضمن إنذارًا لكل الأجانب بمغادرة التراب الجزائري في ظرف شهر وإلا فإن عقوبات تنتظرهم، وقد صرح وزير الخارجية الفرنسي (آلان جوبيه) أمام البرلمان بأن «الحكومة تأخذ مأخذ الجد هذا التهديد»، وأنها اتخذت كل الاحتياطات الأمنية الضرورية لحماية جاليتها المقيمة في الجزائر.

 

وبعد أيام شنت الشرطة والمخابرات الفرنسية حملة اعتقالات واسعة على كامل التراب الفرنسي أوقفت على إثرها 88 من الإسلاميين الذين تعتبرهم الهيكل الهرمي لقيادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في فرنسا. وبعد التحقيق معهم، احتفظت بثلاثة في الإيقاف في حين وضعت رئيس جمعية «الصداقة الجزائرية في فرنسا» في الإقامة الجبرية في قلعة بيناك «جنوب غربي فرنسا».

 

والجدير بالملاحظة أن السلطات الفرنسية - بعد أن هيأت الرأي العام الفرنسي لحملة الاعتقالات في صفوف الإسلاميين - أعدت سيناريو لإقناع الرأي العام الفرنسي والجالية المسلمة المقيمة في فرنسا بتوريط الهيئة المديرة لجمعية الصداقة الجزائرية في فرنسا في عملية اختطاف الفرنسيين في الجزائر بزعمها الحصول على الوثائق المحجوزة لدى (موسى كراوش) أحد أعضاء الهيئة على نسخة من رسالة التهديد التي سلمت إلى الرهينة الفرنسية.

 

وخلال التحقيق صرح (كراوش) بأنه تلقى عبر الفاكس نسخة من هذه الرسالة أرسلها إليه أحد الصحفيين، كما أنه اتهم أحد المعتقلين بالإعداد لعمليات «إرهابية» والعثور في حوزته على مواد للتفجير. بيد أن محامي «جمعية الصداقة الجزائرية» المشهور (جاك فرجاس) فند هذه الاتهامات بالقول بأن هذه الاعتقالات ذات صبغة سياسية بحتة، ذلك أن أعضاء الهيئة المديرة للجمعية مراقبون من طرف السلطات الفرنسية منذ فترة طويلة وهم على علم تام بذلك فلا يعقل أن يفكر مراقب في التحريض أو تنفيذ عمليات إرهابية وبخصوص الوثيقة المتعلقة برسالة التهديد يرى المحامي (فرجس) بأنها مجرد وثائق معلومة لدى الأوساط الإعلامية، فليس هناك سرية خطيرة كما جاء في الاتهامات.

 

لو لم أكن إسلاميًا لما كنت هنا

من ناحيته، صرح (جعفر الهواري) رئيس الجمعية خلال ندوة صحفية عقدها في مقر إقامته الجبرية بأن جبهة الإنقاذ لم تختطف ثلاثة موظفين قنصليين فرنسيين في الجزائر الشهر الماضي وقال: «لا علاقة لجبهة الإنقاذ باختطاف الفرنسيين» وأضاف «ليس من صالح الجبهة» التي ستصل قريبًا إلى السلطة - والتاريخ سيشهد على ذلك - أن تستهدف الأجانب وهي لن تربح شيئًا من وراء ذلك.

 

وردًا على سؤال حول اعتقاله لأفكاره السياسية صرح بقوله: «لو لم أكن إسلاميًا لما كنت هنا، نحن نعرف أن الغرب لا يحب الإسلاميين لكن نتمنى ألا يتحول هذا الشعور إلى كراهية وحقد ضدهم» وحض المهاجرين المسلمين بقوله: «أدعو الجالية الإسلامية في فرنسا إلى احترام البلد المضيف» وقال: إنه يثق في العدالة الفرنسية وأضاف «بأن هدف جماعتنا الوحيد هو الإعلام وهي تندد بأي انتهاك للكرامة الإنسانية، إنها تنبذ العنف» ولم يستبعد احتمال أن بعض الجهات تحاول تسميم الموقف من أجل دفع العسكريين «للاستيلاء على السلطة» وأكد أن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» لم تحاول البتة «تصدير» مشاكلها وأن السلطات الجزائرية لم تطلب من باريس أن تقوم بحملة لاعتقال إسلاميين مشتبه فيهم.

 

ومن بين الأشخاص الذين تم اعتقالهم في هذه الحملة المحامي (سي مزراق) الذي يعتبر من المقربين لقيادة الجبهة في الداخل، ويرأس (سي مزراق) جمعية «مركز أبعاد إسلامية للبحوث والدراسات» وهو عضو في «اللجنة الدولية لمكافحة القمع» «جمعية فرنسية لحقوق الإنسان»، وصرح لصحيفة «الحياة» من مقر إقامته الجبرية في جنوب فرنسا بقوله: «وصلتنا معلومات من الداخل «الجزائر» تؤكد وجود رجال شرطة فرنسيين يقدمون الخبرة والنصح إلى أجهزة الأمن» «وهذه المعلومات تتردد من فرنسا أيضًا»، وتنظر المحاكم الفرنسية في طلب قدمته النيابة العامة لإبعاد هذا المحامي عن فرنسا.

 

ومن خلال هذه التصريحات، يتبين بأن السلطات الفرنسية وبالتحديد وزارة الداخلية وأجهزة المخابرات التابعة لها هي التي بادرت بحملة الاعتقالات في صفوف الإسلاميين وذلك للخلفيات السياسية والأيديولوجية والاستراتيجية التالية:

 

إعادة الثقة للحكومة اليمينية:

أولًا: هذه الحملة تحكمها خلفية سياسية داخلية تتمثل في إعادة الثقة إلى الحكومة اليمينية بعد أن ظهرت بعض المؤشرات لبداية اهتزاز ثقة الرأي العام الفرنسي بحكومته الحالية لعوامل شتى منها ما يتعلق بالوضع الاجتماعي، فالإجراءات الجديدة التي اتخذتها حكومة بالادور بتخفيض الأجور عن طريق الزيادة في نسبة مساهمة العمال والموظفين في دعم الضمانات الاجتماعية لم تلق تأييدًا شعبيًا، وقد كان لإضراب عمال شركة الخطوط الجوية الفرنسية أثره البالغ على صورة فرنسا في الخارج وعلى الاقتصاد الفرنسي وعلى الجو النفسي العام، كما أن المظاهرات الطلابية الضخمة في الأيام الأخيرة تعكس قلق جانب كبير من النخبة المثقفة من سياسة الحكومة في المجال التعليمي بالإضافة إلى ردود الفعل المحتجة على مشروع قانون حول الحكم المؤيد على مرتكبي جرائم اغتصاب وقتل ضد الأطفال وغيرها من الجرائم الكبرى.

 

كل هذه القضايا وغيرها مثل: العجز عن حل مشكلة البطالة وعدم رضا الفلاحين بمفاوضات «الغات»... دفعت بعض المحللين إلى الحديث عن أزمة ثقة بين الرأي العام والحكومة، فكانت عملية الاعتقالات ضد الإسلاميين بمثابة الأوكسجين للحكومة حتى تسترجع هذه الثقة والمصداقية خاصة وأن وزير الداخلية فيها معروف بمواقفه «الحازمة» ثم إن الرأي العام لا يجد حرجًا، بل على العكس يصفق لأي إجراء من هذا النوع نظرًا للصورة المشوهة التي يحملها عن الإسلام والمسلمين نتيجة تراكمات عديدة.

 

هاجس تسيس الجالية الإسلامية:

ثانيًا: تندرج الحملة الأخيرة ضمن خلفية أيديولوجية تقوم على شعور تخوف مستمر من انفلات سيطرة السلطات الفرنسية على الجالية الإسلامية المقيمة في فرنسا تحت تأثير جمعيات ومنظمات ثقافية قانونيًا، ولكنها تعتمد نهج الإسلام النضالي الملتزم في تحركاتها. وهذا الهاجس من تبني الجالية التدريجي لفكرة الإسلامية ليس حديث عهد، ولكنه أصبح حاضرًا بشكل بارز في سياسة الحكومة اليمينية وتعاملها مع القضايا الإسلامية.

 

وباعتبار أن الغالبية العظمى للجالية من أصل مغاربي وجزائري بالدرجة الأولى؛ فإن كل دعوة للإسلام الحركي بأي شكل غير عنيف كان يؤول على أساس كونه تحريضًا للجالية على التمرد على القوانين الجمهورية وحساسية الحكومة الجديدة الشديدة تجاه الالتزام والتدين والإسلام السياسي جعلها تتحمس في إشهار سيف العلمانية والدعوة إلى إسلام على الطريقة الفرنسية كسبيل وحيدة للتعامل مع الكيان الإسلامي الذي يضم أكثر من 4 ملايين مسلم ومسلمة.

 

ومما زاد في تخوف السلطات الفرنسية الإقبال المتزايد لدى أبناء الجالية الإسلامية على مظاهر التدين «الحجاب» والوعي المتنامي بقضايا وهموم الأمة الإسلامية «البوسنة - الجزائر - فلسطين»، وتكفي الإشارة إلى تهافت المصلين بعد أداء صلاة الجمعة على النشرات التي كانت توزعها جمعية الصداقة الجزائرية في فرنسا علمًا بأن هذه النشرات تم منعها، وكل نشرة يتم إيقافها يتم استبدالها بنشرة أخرى تحت عنوان جديد، وأمام هذا الإصرار عمدت الشرطة الفرنسية إلى إنزال فرق أمنية مكثفة حول المساجد خلال يوم الجمعة 12 / 11 الذي جاء عقب حملة الاعتقالات ومنع توزيع أي منشور كما حدث في مسجد الدعوة بالدائرة 19 بباريس.

 

ويفسر هذا السلوك مدى الحرج الذي تشعر به السلطات الفرنسية إزاء تنامي ظاهرة الإعلام السياسي على ترابها، لذلك فإن منطق الدولة هو الذي يسود في النهاية على حساب المبادئ والشعارات الكبرى مثل: احترام حقوق الإنسان وعدم اتهامه على نياته وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته، ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن منطق الدولة السائد مرتبط بمسألة المصالح الاستراتيجية كما نرى في النقطة التالية.

 

المجال الحيوي:

ثالثًا: تتنزل حملة الاعتقالات في صفوف الإسلاميين الجزائريين في إطار خلفية استراتيجية تعتبر المنطقة المغاربية مجالًا حيويًا للطرف الفرنسي بناء على خلفية تاريخية استعمارية والاهتمام الفرنسي الخاص بما يحدث في الجزائر وعلى المستوى الإقليمي المغاربي عمومًا يعكس هذا التوجه خاصة إذا دخل في الاعتبار التنافس الفرنسي - الأمريكي من أجل السيطرة على زمام الأمور وعلى المسار السياسي في كل بلد من بلدان المنطقة.

 

وقد أوردت مجلة «جون أفريك» «إفريقيا الفتاة» الصادرة بباريس بأن خلية خاصة بمقر وزارة الداخلية الفرنسية تتابع الأحداث في الجزائر والأزمة الحالية وانعكاساتها على الجالية الإسلامية في فرنسا وأن هذه الخلية تكونت بقرار من وزير الداخلية الحالي (شارل باسكوا) عندما كان في السلطة من 1986 إلى 1988 وخليفته (بيارجوكس) الذي قرر إلحاق فريق مختص بالشؤون العربية والإسلامية بالمخابرات الفرنسية.

 

بالإضافة إلى هذا الاهتمام الرسمي بواقع الجزائر؛ فإن الحضور الفرنسي في هذا البلد يعد أكبر نسبة من الرعايا الأجانب «25 ألف فرنسي على مجموع 70 ألفًا أي أكثر من الثلث»، وهذا التواجد الضخم وفي مواقع استراتيجية اقتصادية وعسكرية يترجم الأهمية الاستراتيجية للجزائر في نظر الفرنسيين ومعلوم أن السلطات الفرنسية سرعان ما تراجعت عن الموقف الذي صرح به الرئيس الفرنسي في أعقاب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى للانتخابات التشريعية في كانون الأول «ديسمبر» 1991 حيث دعا إلى احترام سيادة الشعب واختياره.. وفسرت الإدارة الفرنسية تراجعها ووقوفها وراء تعليق المسار الديمقراطي بـ «الخشية» من وصول تيار أصولي إلى الحكم يقضي على الحريات ويتنكر إلى الديمقراطية مما يدفع النخبة العلمانية التقدمية إلى الهجرة ووصول أفواج من اللاجئين إلى فرنسا!!!

 

وتتردد في الجزائر وحتى في أوساط الجالية الإسلامية في فرنسا بأن ما تطلق عليهم السلطات الفرنسية وصف أنصار الديمقراطية والقوى التقدمية هم في الحقيقة طابور خامس لفرنسا ويصفهم الشعب الجزائري بـ «حزب فرنسا»، وسيتذكر الشعب المظاهرة الكبرى التي دعت إليها «جبهة القوى الاشتراكية» «ذات أغلبية بربرية» يوم 27 كانون الأول «ديسمبر» 1990 احتجاجا على تصويت مجلس الشعب «البرلمان» الجزائري على قانون «تعميم استعمال اللغة العربية» في التعليم والمصالح الإدارية.

 

واليوم يقف التيار اليساري بقوة إلى جانب النظام في الجزائر ويتحالف معه لتصفية التيار الإسلامي الذي اعتمد العمل المسلح وذلك بمباركة فرنسية، وتعددت التصريحات الفرنسية الرسمية التي تؤكد وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب المجلس الأعلى للدولة في تصديه لما تسميه بـ «الإرهاب» وهي تدعو إلى الحوار لكن مع استثناء القوى التي تعتمد العنف، وهذا يعني إما أن تكون مصالحة بدون «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أو الحكم العسكري المباشر.

 

حكم عسكري مباشر:

وقد أثبتت تطورات الأحداث أن لجنة الحوار الوطني توصلت إلى شبه استحالة نجاح الحوار في ظل الأوضاع الراهنة وكان الناطق الرسمي باسم اللجنة عبد القادر بن صالح قد صرح في لقاء صحفي بضرورة أن تتخذ الدولة جملة من الإجراءات لتهدئة الأوضاع واستعادة الثقة وأوضح أن وثيقة الإجماع الوطني التي طرحها المجلس الأعلى للدولة بهدف الاستفتاء الشعبي لا يمكن إجراء استفتاء حولها حاليًا كما لا يمكن إجراء استفتاء حول الدستور في المرحلة الراهنة.. ومن بين الإجراءات التي تدعو إليها اللجنة: «الإفراج عن المساجين السياسيين وتأكيد مبدأ تداول السلطة» وكانت بعض الأحزاب تقدمت بمطلب الإفراج عن شيوخ الإنقاذ كمخرج قانوني لمشاركة الجبهة الإسلامية في الحوار.

 

ويبدو أن طبخة في الكواليس بين حكومة رضا مالك والسلطات الفرنسية كانت تعد في الوقت الذي كان لجنة الحوار الوطني تواصل عمليات مشاوراتها مع مختلف الأطراف السياسية وتحدثت بعض الصحف الفرنسية «لو كانار انشينيه وليبراسيون» عن زيارتين سريتين لوزير الداخلية الجزائري (سليم سعدي) إلى باريس في الأيام الأولى لاحتجاز الرهائن الفرنسيين وعشية حملة الاعتقالات في صفوف الإسلاميين الجزائريين المقيمين بفرنسا وتروج أخبار أخرى عن زيارة سرية قام بها رئيس الحكومة رضا مالك يوم الأحد 4 / 11 إلى باريس وتدل العديد من المؤشرات على احتمال تسلم الجيش للسلطة بشكل مباشر بالاتفاق مع الحكومة القائمة الآن في ظل أوضاع أمنية متدهورة وخلافات داخل السلطة إلى حد رواج أخبار عن وضع «علي كافي» رئيس المجلس الأعلى للدولة في الإقامة الجبرية وإمعان الحكومة في الحل الأمني.

 

وتكفي الإشارة إلى تصريحات مسؤولين عن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الداخل والخارج لفهم مدى الدور الذي تلعبه فرنسا في توجيه الأحداث في الجزائر بما يخدم مصلحتها في المنطقة علمًا بأن السلطات الفرنسية تقف بكل ثقلها أيضًا إلى جانب النظام التونسي وتؤيده في سياسة الحل الأمني تجاه الإسلاميين من حركة النهضة التي يوجد أحد قيادييها الشيخ صالح كركر في الإقامة الجبرية حاليًا بفرنسا.

 

رابعًا: تندرج حملة الاعتقالات أيضًا في إطار أوسع يتعلق بموقف النظام الدولي الحالي المعادي للظاهرة الإسلامية.. وفرنسا تخضع لمتطلبات هذا النظام وتلتزم بمبادئه. وما يحدث في البوسنة والصومال يؤكد هذا التوجه.

 

ويتضح من خلال هذه المقاربة بأن عقدة الجزائر ما تزال تلاحق فرنسا وما زالت تمثل هاجسًا قويًا وتهديدًا قائمًا في نظر عدة مسؤولين وجانب كبير من الرأي العام وإن التعامل مع المسألة الجزائرية بهذه الخلفية لا يخدم على المدى القريب وحتى البعيد علاقة التعايش السلمي بين شعوب ضفتي البحر المتوسط كما ينادي بها العقلاء من الغربيين والإسلاميين كما أن الإصرار على المضي في «فلسفة» وزير الداخلية الفرنسي الحالي ضرورة إرهاب الإرهابيين لا تسمح بالتعمق في جوهر المشاكل التي تعرقل عملية التقارب الحضاري وتهيئ في المقابل أجواء التوتر والمواجهة فقد آن الأوان أن تتخلى فرنسا عن نظرتها الاستعمارية في معالجة المسألة الجزائرية وقضايا الإسلام عمومًا.

 

ردود الأفعال:

حملة الاعتقالات غير المجدية ضد الإسلاميين:

ما فائدة العملية التي قام بها شارل باسكوا في أوساط الإسلاميين في المقاطعات الـ 24 في فرنسا؟ هل قدمت قرائن أخرى حول انتماء هؤلاء المشبوه فيهم إلى حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أكثر مما تمتلكه الشرطة؟ الشيء الأكيد أن هذه العملية غير مجدية وقبل أوانها في الوقت نفسه.

 

فهذه العملية تعقد المشاكل أكثر مما تحلها.. فإيجاد مناخ متعفن من الشكوك حول المسلمين من الفرنسيين والأجانب الذين ليس لهم أية علاقة مع النضال الديني يدفع الجناح المعتدل للجبهة المنحلة في الجزائر إلى وضع أكثر تجذرًا ويجعل فرنسا محط تمركز الأحقاد والكراهية من طرف الذين دخلوا في صراع بدون هوادة ضد النظام القائم، نتمنى أن الإسلاميين بكل اتجاهاتهم لا يقترفون جرائم ضد مواطنين فرنسيين مقيمين في الجزائر باسم الإسلام الذي يقول عنه إنه «عادل».

 

كيف يجب أن تساعد فرنسا الجزائر؟

إن العملية الأكثر جدوى لفرنسا والجزائر كان من الأولى أن تتمثل بالنسبة للأولى في استعمال تأثيرها والمهارة السياسية لرجالها لإيصال الطرفين المتقاتلين.. النظام والإسلاميين إلى التفاوض حول وفاق.. ألا نعلم بأنه يتواجد في الحكومة الإسرائيلية متطرفون أشد من الإسلاميين الجزائريين وأن الديمقراطية قد جعلت منهم أناسًا متأدبين ومحترمين للقانون؟ أليس بإمكان فرنسا أن تسهم في تقديم الفرصة إلى المسؤولين الجزائريين ليكونوا ديمقراطيين قليلًا بالانفتاح حقيقة على الحوار مع المجموعات الأخرى التي تمثل تركيبة المجتمع الجزائري؟

 

ويكمن الخطأ السياسي لفرنسا في تبنيها التحاليل الرسمية في الجزائر والتي تتلخص كالتالي: «أصبح مناضلو الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة الذين دخلوا في السرية - معزولين عن الشعب الذي يندد بعملهم الإرهابي وقريبًا سيتم مسح جيوب المقاومة الإسلامية من هنا وهناك والجبهة سيتم تصفيتها نهائيًا وسيقام النظام الجمهوري والديمقراطي في أطره القانونية.

 

إنه من باب النسيان أو التظاهر بالنسيان الاعتقاد بأنه لا يقف وراء الجبهة المنحلة ملايين الجزائريين فقط الذين يرفضون النظام القائم ويساندون بواقع الثأر الإسلاميين، ولكن أيضًا قوى سياسية أخرى تتجاوز الإطار الإسلامي وتعمل لفائدة الإسلاميين، نسيان أو جهل هذا الجانب؟ فتعطل الدولة المتفككة من هنا فصاعدًا إلى أجهزة متعددة متصارعة صراعًا دمويًا أحيانا يساعد كثيرًا على إعادة بناء الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولكن أيضًا تحالفات بين أطراف متناقضة لصالحها.

 

وتتشبث السلطة بكل ما تمتلك من قوة بمقاليد الدولة الممزقة هذه السلطة التي تقلصت في حوالي 200 جنرال على رأس بعض الآلاف من الجنود البسطاء الفاقدين في أغلبيتهم للمعنويات بسبب الحرب بين الإخوة كما لم يبق لهذه السلطة من سند لتجاوز الأزمة سوى بعض أصوات «المثقفين الديمقراطيين» المؤيدين لسياسة «التصفية»، وتتم عملية الاستقطاب الثنائي المرغوب فيه في الصراع بين السلطة والجبهة الإسلامية للإنقاذ على حساب الأحزاب العلمانية مثل: حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يريد النظام تحويله دون جدوى إلى وسيلة لتحقيق أغراضه.

 

هذا الوضع المأساوي يجب التأمل فيه فالجزائر لم تبرز بعد كل العنف الغريب القادرة عليه، فهل على فرنسا أن تشارك في تصفية الإسلاميين إلى جانب النظام الجزائري أم أنه عليها أن تبقى أمينة لسياستها كدولة ديمقراطية؟ وستخسر فرنسا مصداقيتها وتأثيرها لدى الجزائريين إذا لم تلعب سياسة «الوسطية» والاعتدال والتهدئة وإذا لم تتدخل لكي تعدل من حمية أو عدوانية أطراف الساحة السياسية الجزائرية.

 

ترجمة محمد الغمقي – باريس

عن صحيفة ليبراسيون 17 / 11.

 

 

الرابط المختصر :