; عقيدة أهل السنة في الميزان (٢) | مجلة المجتمع

العنوان عقيدة أهل السنة في الميزان (٢)

الكاتب محمد علي الصابوني

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يوليو-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 628

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-يوليو-1983

درج بعض شباب هذا العصر على فهم خاطئ لمفهوم معنى «أهل السنة والجماعة» في الإسلام، وترتب على هذا الفهم الخاطئ حكم جائر ظالم، أدى لتفكك أواصر «الأخوة» وتصدع بنيان الإسلام.. وعمل الأعداء عملهم في توسيع «الشقة» و«الخلاف» بين المسلمين.. ليخلو لهم الجو في تمزيق «أمة الإسلام» وتحطيمها.. ونفخ الشيطان في أتباعه وأنصاره.. ليؤججوا نار الفتنة والعداوة بين المسلمين بتكفير بعضهم البعض بعد أن كانوا أخوة في الله متحابين.. وذلك هو هدف «إبليس» وتلامذة إبليس اللعين، لتوهين وتحطيم تلك الصخرة العاتية «صخرة الإسلام» التي أقلقت مضاجع العتاة والطغاة من أعداء الله.

شتات.. وانقسام

وبعد أن كان المسلمون صفًا واحدًا.. أصبحوا فرقًا وأحزابًا، كل جماعة تكفر وتضلل الجماعة الأخرى، هذا سلفي.. وهذا أشعري.. وهذا صوفي.. وذاك ماتريدي.. وكل يحارب الآخر، وتركنا الأعداء يصولون ويجولون في الميدان على الأشلاء للإجهاز على البقية الباقية من شباب المسلمين.

أضحت أوصاف المنافقين واليهود ظاهرة فينا تمامًا -بسبب ركوب الأهواء والإعجاب بالرأي- نشتد على المؤمنين ونتعاطف مع الكافرين ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: 14). وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطون والفروج، والغفلة بعد المعرفة»[1].

واحسرتا على المسلمين.. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي عدوهم.. فإلى متى ستبقى هذه الغفلة؟ فنتناحر ونتخاصم، والعدو يذبح فينا، ويضحك علينا!

اللهم أزح عن عيوننا الغشاوة.. وعن قلوبنا الضلالة.. حتى نبصر نور الحق وضياءه، يا رب العالمين.

توضيح وبيان لمذهب أهل السنة

وسأوضح في هذا المقال -إن شاء الله- التعريف الكامل لأهل السنة والجماعة فأقول ومن الله أستمد العون: أهل السنة والجماعة هم كل من آمن بالقرآن، واتبع هدى الرحمن.. وصدق بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام.

سموا «أهل السنة» لأنهم آمنوا بالكتاب المبين، والسنة النبوية المطهرة.. ولم يزيغوا عنهما، ولم يكذبوا بما ورد فيهما، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة رسوله» (أخرجه مالك في الموطأ) وسموا «بالجماعة» لأنهم اجتمعوا على الحق والهدى، ولم يشذوا عن جماعة المسلمين، حيث عرفوا مغبة هذا التفرق في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (النساء:115). وتمسكوا بإرشاد النبوة: «إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدًا، وإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار» (أخرجه أبو نعيم والحاكم، وروى بعضه الترمذي).

من أجل هذا التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة، سموا «أهل السنة والجماعة»، وأهل السنة اشتهروا بمذهبين اثنينهما:

الأول: مذهب السلف.

والثاني: مذهب الخلف.

وكل منهما لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة.. وسنوضح -إن شاء الله- طريقة كل من المذهبين بإيجاز.

ما هو مذهب السلف؟

أما مذهب السلف الصالح، فهو الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله، مما وصف به تعالى نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، والتصديق به على مراد الله عز وجل.. دون تشبيه، أو تعطيل، أو تجسيم، أو تمثيل بمعنى أنهم يؤمنون بذات الله تبارك وتعالى وبصفاته دون أن يشبهوه بشيء من مخلوقاته، ومن غير أن يؤَوّلوا تلك الصفات تأويلات تحتملها اللغة، أو لا تحتملها..

فيصدقون بالوجه، واليد، والعين، وبالاستواء، والنزول... وغير ذلك من جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة، في ضمن هذا الإطار الدقيق، الذي رسمه لهم القرآن الكريم في قوله تعالى:

1-   ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).

2-   وقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:3-4).

 أي ليس له تعالى شبيه، ولا نظير، ولا مثيل، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، أحد من خلقه، لا ذاته تشبهها الذوات، ولا حكت صفاته الصفات.. على هذا المبدأ المحدد بدقة في القرآن، وضمن هذا الإطار الذي فيه تنزيه الله جل وعلا عن مشابهته للخلق، أو مشابهة الخلق له.. يؤمن «السلف الصالح» بجميع ما ورد من آيات الصفات وأحاديث الصفات.. ويفوضون علم ذلك إلى الله تعالى، لأن الله تعالى أعلم بذاته وبصفاته من خلقه وعباده.. فما أخبر عنه فهو حق، يجب الإيمان به والتصديق بمقتضاه دون تشبيه، أو تجسيم، أو تعطيل، أو تأويل.. وقد اشتهر هذا المذهب بأنه مذهب أهل التفويض ومذهب «السلف الصالح».

وإمام هذه الجماعة ورئيسها هو إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله، ومن قبله الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون وكذلك الأئمة المجتهدون.. فقد كانوا جميعا على هذه العقيدة الناصعة المتينة..

ولنفسح المجال للإمام أحمد رحمه الله ليحدثنا عن هذا المذهب إذ يقول: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف؟ ولمَ؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد.. نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، وندع الكيفية في الصفات إلى علم الله تعالى.

وحين سئل الإمام مالك رحمه الله عن معنى قوله تعالى ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه:5) أجاب السائل بقوله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

رأي الحافظ ابن كثير

وقال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله -وهو من أئمة علماء السلف- عند تفسيره ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:54)، قال: «نسلك في هذا المقام، مذهب السلف الصالح، وهو إمرارها كما جاءت، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:11)، بل الأمر كما قال شيخ البخاري نعيم بن حماد: «من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه.. فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله النقائص، فقد سلك سبيل الهدى».

رأي صاحب أضواء البيان (مختصر ابن كثير 2/25):

ويذكر فضيلة الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره «أضواء البيان» عند آية الاستواء فيقول: «وهذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات.. أشكلت على كثير من الناس، إشكالا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة.. فصار قوم إلى التعطيل وقوم إلى التشبيه -سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا- والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح.. ولم يترك فيه أي لبس أو إشكال، وحاصل تحرير ذلك أن الحق في آيات الصفات متركب على أمرين:

أحدهما: تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث في صفاتهم.

والثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، لأنه لا يصف الله تعالى أحد أعلم بالله من الله ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (البقرة: 140) ولا يصف الله تعالى بعد الله أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمن نفى عن الله تعالى وصفا أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق به سبحانه، ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال.

ومن أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل». (أضواء البيان 2/273).

وضوح وجلاء

وبهذه النقول يتضح لنا بجلاء مذهب السلف الصالح.. إيمان بلا تشبيه، وإثبات بلا تعطيل.. مع تفويض الأمر إلى من لا تخفى عليه خافية.. فنحن نؤمن بأن لله وجها كما أخبر في كتابه ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27) ولكننا نعتقد بأن ربنا ليس بجسم مثلنا، حتى نتصور جلاله وعظمته بوجه كوجه الإنسان.. ونحن نؤمن بأن الله يسمع ويبصر ويتكلم، كما أخبر تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) وكما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان: 28) وكما قال ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) ولكننا نعتقد بتنزيه الله عن الجوارح.. فلا يسمع تعالى بصماخ الأذن، ولا يرى بحدقة العين، ولا يتكلم بلسان من قطعة لحم، وحنجرة يخرج منها الصوت، كما هو حال الخلق والعباد.. بل كل هذه الأمور مستبعدة عن الله جل وعلا، منزه عنها ذو العظمة والجلال. إذ كل ما خطر ببالك، فالله منزه عن ذلك.. فلا تتصور مشابهة أبدا بين «الخالق» و«المخلوق» والرب والعبد، فإنه تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا يماثله شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11).

هذه هي خلاصة مذهب السلف: التسليم والتفويض، إيمان بلا تشبيه، وإثبات بلا تعطيل.. مع نفي المماثلة والمشابهة في الذات والصفات والأفعال.

كلام الإمام البيهقي

يقول الإمام الكبير أبوبكر البيهقي في كتابه الرائع القيم، الذي وزعته رئاسة شؤون الحرمين والمسمى «الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة»: فلله -عز اسمه- أسماء وصفات، أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ (الحشر:22).

وصفاته على قسمين: أحدهما صفات ذات، والآخر صفات فعل.

وصفات ذاته أحدهما عقلي، والآخر سمعي.. فالعقلي ما كان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به كوصف الواصف له بأنه تعالى (شيء، ذات موجود، قديم، إله، ملك، قدوس).

وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط، كالوجه، واليدين، والعين، وهذه صفات قائمة بذاته، لا يجوز تكييفها.

فالوجه له صفة، وليست بصورة.

واليدان له صفتان وليستا بالجارحتين.

والعين له صفة، وليست بحدقة.

وطريق إثباتها له تعالى ورود خبر الصادق به.

وأما صفات فعله فهي تسميات مشتقة من أفعاله، ورد السمع بها فيما لا يزال دون الأزل.. كوصف الواصف له بأنه خالق، رازق، محيي، مميت منعم متفضل... إلى آخره.

وهذه الصفات من كمال أوصاف الإلهية، فوجب إثبات كل مدح له، ونفي كل نقص عنه.

ثم قال: وهناك آيات وأخبار، وردت في صفات زائدات على الذات، يجب الإيمان بها كقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ﴾ (البقرة: 255) فهو حي وله حياة يباين بها صفة من ليس بحي، كما قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: 58)، وله قدرة يباين بها صفة من ليس بقادر كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ (الأنعام: 65)، وله علم يباين به صفة من ليس بعالم كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (فاطر:11)، وله إرادة يباين بها صفة من كان ساهيا أو مكرها، كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (البروج:16) وكما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (القصص: 68) والإرادة والمشيئة عبارتان عن معنى واحد، فهو تعالى مريد وليس بمكره.

وله سمع وبصر يدرك بأحدهما جميع المسموعات، وبالآخر جميع المبصرات، فهو سميع بصير كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1)، ولله كلام يباين به صفة الأخرس والساكت، كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (الشورى:51). ثم استطرد في ذكر بقية الفصول.

أقول: رحم الله الإمام البيهقي، فلقد كان بارعًا في كل ما كتب، دقيقًا في التعبير بصيرًا بما يقول ففي كل صفة يذكرها من القدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.. كان يقول: «يباين بها» أي يخالف بها صفات المخلوقين، حتى يقتلع من أفكارنا وأذهاننا كل صفات «المماثلة» و«المشابهة» للمخلوق.. وكل صفات التشبيه والتجسيم فهو يثبت الصفة «له قدرة» وينفي المشابهة والتجسيم «يباين بها» أي يخالف بها صفة المخلوق.. وهكذا في جميع الصفات من السمع والبصر والكلام، والنزول، والاستواء، والمجيء، والقرب، والمحبة، والبغض... إلخ.

 أما ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليوم.. الذين يصورون الله بصورة غريبة عجيبة، ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس، له وجه، ویدان، وعينان، وله ساق وأصابع، وهو يمشي، وينزل، ويهرول.. ويقولون في تقرير هذه الصفات إن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير، وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج -يريد بزعمه أن يقرر مذهب السلف الصالح للتلاميذ ويثبت لهم حقيقة معنى الاستواء والنزول، وأنه جلوس حسي، ونزول حسي، لا كما يتأوله المؤولون- فهذا -والعياذ بالله- عين الضلال، لأنه شبه وجسم، وهو كمن فر من حفرة صغيرة، ليقع في هوة عميقة، يتحطم فيها ويهوي فيها إلى مكان سحيق.

إن السلف الصالح رضوان الله عليهم، لم يكن يخطر على بالهم- عندما أثبتوا الصفات- شيء من هذا أصلًا.. بل لم يكن يتلفظ الواحد منهم بمعنى «الاستواء» حتى لا يتوهم السامع التشبيه، كما فعل الإمام مالك رحمه الله حين قال للسائل: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.

 وقد كان بإمكانه أن يقول له: الاستواء هو الجلوس، ألا تعرف الجلوس؟ ولكنه -رضي الله عنه- خشية من «التشبيه والتجسيم» الذي يمكن أن يلحق بالسائل، ولو من وراء حجاب، أجابه باقتضاب: «الاستواء معلوم» ثم قرعه ووبخه على سؤاله فقال: والسؤال عنه بدعة.

نعم إنه بدعة لأنه سؤال يستدعي معرفة صفات الله، وإحاطة علم «المخلوق» بالخالق، وأنى للعبد العاجز الحقير أن يحيط علمًا بعظمة الله الكبير الجليل؟!

كيف يمكنك يا أيها الإنسان الجاهل العاجز، أن تحيط بصفات ربك وأنت بعد لم تعرف نفسك على حقيقتها، ولا تعرف الصفات التي ركبت فيك؟ وما أجمل رد أهل السنة على المعتزلة، في موضوع الاستواء على العرش، وحقيقة معنى الاستواء، وهي أبيات روائع كنت حفظتها من صغري، وأنا أسجلها الآن من ذاكرتي، وفيها يقول ذلك الأديب الشاعر:

قل لمن يفهم عني ما أقول

قصّر القول فذا شرح يطول

ثم سر غامض من دونه

قصرت والله أعناق الفحول

أنت لا تعرف إياك ولا

تدري من أنت ولا كيف النزول

لا ولا تدري صفات ركبت

فيك حارت من خفاياها العقول

أنت أكل الخبز لا تعرفه

كيف يجري منك أم كيف تبول؟

 كيف تدري من على العرش استوى

لا تقل كيف استوى كيف النزول؟

فمذهب السلف الصالح بريء من هذه «التخليطة» و«التشكيلة» التي يصورها بعض الجهلة اليوم في أذهانهم، وأذهان طلابهم، مما هو أقرب إلى التشبيه والتجسيم.. فقد فروا من «التأويل» إلى التجسيم، وكل منهما خطأ وضلال، كمن فر من المطر ووقف تحت الميزاب، وهذا هو العجب العجاب!

ولقد تقدم معنا قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله:

«آيات الصفات وأخبار الصفات، تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف؟ ولمَ؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد -أي بلا تحديد للكيفية والصورة- ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونترك الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل».

فحذار حذار أن نشبه الله ونجسمه ونضرب له الأمثال بجلوسنا ونزولنا وبحركاتنا وسكناتنا، ثم نقول إن هذا هو مذهب السلف الصالح!

وصدق الله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:74).

البقية في المقال القادم إن شاء الله.

___________

[1] حديث موضوع.

الرابط المختصر :