; علاقات السوق الأوروبية مع مجلس التعاون الخليجي على المحك | مجلة المجتمع

العنوان علاقات السوق الأوروبية مع مجلس التعاون الخليجي على المحك

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 788

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

  • لا موقف تفاوضيًا قويًا وموحدًا دون قاعدة اقتصادية متينة وموحدة.
  • دول مجلس التعاون الخليجي سلكت الطريق الصحيح عندما بدأت بالتنسيق والتكامل الاقتصادي.
  • الغاية: اطراد النمو الاقتصادي دون خوف من نضوب النفط أو هبوط حاد في أسعاره أو قيمته.
  • صناعة النفط والبتروكيماويات رهان دول مجلس التعاون الخليجي على المستقبل.

في نطاق الحوار بين المجموعات والكتل السياسية والاقتصادية الذي أخذ يبرز أكثر فأكثر في السنين الأخيرة إلى جانب الحوار الثنائي بين الدول.. عقد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ونظراؤهم في دول السوق الأوروبية المشتركة اجتماعًا في نيويورك على هامش دورة الأمم المتحدة لهذه السنة وكان الخليجيون والأوروبيون يتطلعون إلى هذا اللقاء الأول من نوعه عسى أن يكون فاتحة عهد جديد في مجال بحث القضايا المهمة بالنسبة للطرفين على مستوى إقليمي لا قطري ومن أجل تعاون أكبر لإيجاد حلول لتلك القضايا؛ بحيث ترضي جميع الأطراف وتعود بالخير على الجميع، ومما لا شك فيه أن القضايا الأمنية والاقتصادية الملحة قد نالت الجانب الأوفر من محادثات الجانبين فأوروبا تعيش هاجس الإرهاب الدولي ودول مجلس التعاون الخليجي طال انتظارها لوقف الحرب بين الجارتين المسلمتين إيران والعراق.. فهل أعطى هذا الاجتماع الأولي بين الأوروبيين والخليجيين مؤشرات تبعث على الأمل؟ وهل يمكن القول إن التكامل والتنسيق بين دول مجلس التعاون الست بدأ يعطي أكله على الصعيد العالمي؟

قبل أن نتطرق إلى ما تدارسه وزراء خارجية المجموعتين الأوروبية والخليجية ومدى النجاح الذي حققه اجتماعهم الأول يجدر بنا أن نذكر بالمراحل والأشواط التي قطعتها دول مجلس التعاون في ميدان التكامل والتنسيق الاقتصادي سواء فيما يخص الزراعة أو التجارة أو بناء القاعدة الصناعية بغية وحدة اقتصادية كاملة تصل في النهاية إلى الوحدة السياسية.

لقد سلكت دول مجلس التعاون الخليجي الطريق الصحيح عندما بدأت بالزراعة والصناعة والتجارة وعندما أخذت على عاتقها تنفيذ برنامج اقتصادي متكامل حددت ملامحه الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي وقعها الملوك والأمراء لدول مجلس التعاون في الثاني من نوفمبر ۱۹۸۲ وذلك نابع من قناعتها بأنه لا موقف سياسي موحد ولا موقف تفاوضي قوي وموحد دون قاعدة اقتصادية موحدة ولا ضرورة هنا للتذكير بأن عشرات الاجتماعات وعلى كافة المستويات قد عقدت خلال السنوات الأخيرة بهدف تحديد المشاريع الصناعية والتنسيق فيما بينها  وتوزيع المشترك منها فيما بين الدول الست وعلى سبيل المثال نذكر اجتماع وزراء الصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي في «الخبر» بالسعودية أيام ٢١ و٢٢ سبتمبر ١٩٨٥ والذي بحثوا فيه مسألة الحماية للمنتجات الوطنية الأساسية مثل الأسمنت والحديد والصلب والألمنيوم، كما بحثوا فيه مشروع  التشريع الصناعي الموحد وموضوع الحوافز التشجيعية للقطاع الخاص للنهوض بالصناعة وموضوع تطوير القوى البشرية اللازمة للصناعة وموضوع توحيد أسعار الخدمات كالبريد والهاتف والكهرباء والماء وغيرها من المواضيع المتعلقة بالتكامل في مجال الصناعة والغاية من كل الجهود التي تبذل في هذا الإطار هو توسيع مفهوم المواطنة الاقتصادية وتكوين المجتمع الصناعي الذي يشعر بأهمية الصناعة والتصنيع في حياة الأمة وفي علاقة الأمة بغيرها من الأمم حتى يكتسب المهارات الفنية ويستوعب التقنيات الحديثة بشكل يسمح باضطراد النمو الاقتصادي دون خوف من نضوب النفط أو هبوط حاد في أسعاره أو قيمته لأنه لم يعد سوى عنصر من عناصر الاقتصاد المتنوعة.

والاتفاقية الاقتصادية الموقعة بين دول مجلس التعاون الخليجي ركزت كذلك في العديد من بنودها على التنسيق والتكامل الزراعي والتجاري، ويلاحظ أن الغاية التي ترمي إليها هذه الاتفاقية من الناحية الزراعية والتجارية هي إيجاد مخزون غذائي استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية وخاصة القمح والأرز والسكر والزيوت النباتية بالاعتماد من ناحية على التبادل التجاري المحلي ومن ناحية ثانية على سياسة توريد موحدة وفي هذا الإطار تم قطع عدة خطوات في سبيل رفع التبادل التجاري بين دول المنطقة إلى مستويات أعلى مما كانت عليه واتخذت عدة إجراءات من شأنها تسهيل تنقل وسائل النقل الحكومية والتي تعود إلى المواطنين في كافة دول مجلس التعاون وتسهيل عبور البضائع من دولة إلى أخرى ومنحت كذلك تسهيلات للبواخر والقوارب عند العبور والرسو بأي ميناء من موانئ الخليج العربي بحيث تعامل هذه البواخر والقوارب معاملة بواخر وقوارب الدولة صاحبة الميناء ومازالت هناك مساع حثيثة من أجل وحدة زراعية وتجارية كاملة تأخذ بعين الاعتبار معطيات كل دولة وميزاتها، وإذا كانت البيئة تتشابه في الدول الخليجية حيث إن الطقس حار وجاف مما لا يسمح بتوسيع القاعدة الزراعية إلا في حدود فيبدو المجال أرحب بالنسبة للصناعة التي أرسيت لها بنيات أساسية وصارت لها قلاع في كل دولة مثل منطقة «جبل» في الإمارات ومنطقة «جبيل» و«ينبع» الصناعيتين في السعودية ومنطقة «الشعيبة» في الكويت ولم يكن أمام دول مجلس التعاون من خيار سوى بناء قاعدة صناعية متينة بالاعتماد على مواردها الطبيعية الخاصة ونعني بها النفط والغاز وبما توافر لها من أموال لم يتوافر لغيرها من الدول الطامحة لبناء صناعات ثقيلة بالخصوص.

وإذا كانت دول مجلس التعاون تفتقر إلى بعض المعادن والمواد الأولية الأخرى فإن ذلك لا يشكل صعوبة متى توافرت الأموال لاستيراد ما تحتاجه من مواد خام بيد أن المشكل الذي تواجهه هذه الدول هو ضيق أسواقها بالنسبة لصناعات تعتمد في جدواها على الإنتاج الكبير مثل صناعة البتروكيماويات، ومن هنا كان المشكل القائم حاليًا بين دول مجلس التعاون الخليجي والسوق الأوروبية المشتركة ويتلخص هذا المشكل في وضع حواجز جمركية أمام الصادرات الخليجية من البتروكيماويات إلى أوروبا وقد فرضت السوق الأوروبية 13,5% رسومًا جمركية على البولي ايتيلان والميثانول القادمين من السعودية وثمة حديث عن أن هذه السوق تعمل على دفع الولايات المتحدة لأخذ نفس الإجراء إزاء صادرات الخليج باعتبار أن هذه الصادرات- وهذا محض افتراء- تهدد الصناعات الأوروبية وتعمل على خلق البطالة وانتشار الكساد وهنا نعود إلى اللقاء الذي جمع بين وزراء خارجية السوق الأوروبية المشتركة ووزراء خارجية مجلس التعاون الذي تم في نيويورك والذي تناول فيما تناوله هذه القضية الاقتصادية لتتساءل هل تم إحراز تقدم بشأنها؟ إن التصريحات التي أدلى بها الطرفان عقب الاجتماع توحي بأن ذلك الاجتماع لم يكن إلا لتبادل الآراء حول القضايا المطروحة وبيان وجهات النظر وأنه تم فيه التركيز على المبادئ والأولويات فقط. فمن الجانب الأوروبي وقع التركيز على قضية الإرهاب ووجوب تعاون الجميع على القضاء على هذه المعضلة العالمية الجديدة أما من الجانب الخليجي فقد وقع التركيز على الحرب الإيرانية العراقية التي لابد للدول الأوروبية أن تقف منها موقفًا مسؤولًا وتعمل على إيقافها وأن تبذل مساعيها لدى حليفتها أميركا لتقف هي الأخرى موقفًا جادًا من شأنه أن يجعل هذه الحرب التي تهدد أمن المنطقة تضع أوزارها في أقرب وقت كما وقع التركيز على مشكلة الشرق الأوسط التي لم يعرف العالم مشكلة أكثر منها تعقيدًا ومأساوية والتي لا تزال تنشر ظلالها القاتمة على المنطقة كلها وإن عدم وجود حل عادل ودائم لهذه القضية سيكون له نتائج سلبية على استقرار وأمن أوروبا التي لا تبعد كثيرًا عن المنطقة كما قال السيد يوسف بن علوي بن عبدالله رئيس المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي.

ومهما تكن القضايا السياسية المطروحة على الجانبين فإنه يصعب اتهام السوق الأوروبية بالتملص من مسؤولياتها تجاه المنطقة ولكن المحك الرئيسي للتعاون بين المجموعتين يبقى العلاقات الاقتصادية. وفي هذا الصدد لا يطلب الخليجيون من الأوروبيين سوى المعاملة بالمثل.

إن الكل يعرف أن الموارد الطبيعية الأساسية في منطقة الخليج هي النفط والغاز ومن الطبيعي أن توجد الصناعات النفطية والصناعات البتروكيماوية أقرب ما يكون من منابع النفط والغاز وبالتالي؛ فإن الصناعات التي قامت في الخليج والسعودية والتي اعتمدت على الموارد الطبيعية للمنطقة هي صناعات ضرورية وحتمية أملتها أبسط قواعد الاقتصاد ومبادئ الوطنية فلماذا تريد أوروبا أن ينقل الغاز والنفط العربي الخام الذي يمثل احتياطيه ٥٠% من احتياطي العالم إلى أوروبا ليصنع هناك؟ لماذا لا يترك للخليج تصنيع بتروكيماويات المرحلة الأولى التي لا تتطلب مهارات كبيرة ولا أعدادا كبيرة من العمالة؟ لتذهب هي إلى تصنيع بتروكيماويات المرحلة الثانية والثالثة التي تتطلب مهارات أكبر وهيكلة صناعية أكثر تعقدًا تتوفر لها ولا تتوفر لغيرها.

إن العرب يسمحون للصادرات الأوروبية بالدخول إلى بلدانهم ولا يضعون رسومًا جمركية عليها إلا بنسب ضئيلة تتراوح بين 1% و4% فلماذا لا يعاملون بالمثل والأوروبيون هم الذين رفعوا من قبل هذا الشعار ونادوا بحرية التجارة العالمية.

إن العلاقات الأوروبية الخليجية على المحك الآن والصناعات التي أقامتها دول الخليج هي رهانها على المستقبل ولا يمكن بأية حال أن تفرط فيها أو أن تقلص من دورها وإن إقامة نفس الصناعات في أوروبا حيث لا يوجد بترول ولا غاز إلا بنسب ضعيفة هو أمر مخالف للمنطق ومخالف لأبسط قواعد الاقتصاد، وإذا كان إعلان أوروبا وضع الحواجز الجمركية أمام صادرات الخليج من البتروكيماويات هو «بمثابة إعلان حرب اقتصادية على دول مجلس التعاون» كما وصفه رئيس مجلس إدارة شركة البتروكيماويات الكويتية فعلى دول مجلس التعاون الخليجي البرهنة الآن أكثر من أي وقت مضى أنها تقف صفًا واحدًا وأن ما بذلته من تكامل وتنسيق من أجل وحدة اقتصادية لن يذهب سدى.

لابد من موقف موحد وكلمة واحدة إزاء ما صرنا نسمعه من «الغزو الخليجي» ومن «إخراج البعض من السوق» وإن الموقف لا يدعو إلى التشنج والمواجهة بقدر ما يدعو إلى مزيد من العمل ومزيد من الإنجازات في سبيل وحدة اقتصادية وسياسية خليجية صماء تعطي الموقف التفاوضي الخليجي قوة وتزيده احترامًا وتجعل الجانب الآخر يقرأ له حسابًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

324

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 6

167

الثلاثاء 21-أبريل-1970

نهر الذهب الضائع

نشر في العدد 7

141

الثلاثاء 28-أبريل-1970

العمال - العدد 7