; علاقات على شفير الهاوية | مجلة المجتمع

العنوان علاقات على شفير الهاوية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002

مشاهدات 50

نشر في العدد 1483

نشر في الصفحة 26

السبت 05-يناير-2002

صحف واشنطن تصف مصر بأنها «كوم زبالة»!

على الرغم من أن مصر أمدت أمريكا بمعلومات وافرة أفادتها كثيرًا في حربها ضد ما تسميه الإرهاب، وهو ما اعترف به وزير الداخلية المصري حبيب العادلي في الحوار الذي أجرته معه مجلة «المصور» الحكومية المصرية «28 ديسمبر»، إلا أن هذا لم يمنع وسائل الإعلام الأمريكية والمسؤولين في الكونجرس من الهجوم على مصر إلى حد وصفت فيه صحيفة «نيويورك تايمز» مصر بأنها «كوم زبالة.. ومنافقة.. ترفض التعاون مع أمريكا في حرب الإرهاب»، ولم يمنع أيضًا نوابًا في الكونجرس من الاعتراض على من مصر بصفقة صواريخ حديثة.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن وسائل الإعلام الأمريكية زادت درجة تحيزها وتبعيتها للإدارة الأمريكية منذ أحداث 11 سبتمبر في أعقاب الاجتماع الذي عقدته مستشارة الأمن القومي مع مسؤوليها - إذ أظهرت لهم فيه «العين الحمراء» وطرد بعد ذلك صحفيون من وظائفهم لمعارضتهم الإدارة الأمريكية - فإنه يمكن القول إن ما أصبحت تقوله وسائل الإعلام الأمريكية أصبح ينظر إليه في مصر على أنه أشبه بتصريحات رسمية.

الأزمة في العلاقات المصرية الأمريكية قديمة، يرجع تاريخها إلى فترة التسعينيات تحديدًا، بسبب اختلاف الرؤى والمواقف في العديد من القضايا؛ ورفض مصر تقديم تسهيلات عسكرية صريحة على أراضيها لأمريكا، مما دفع الإدارات الأمريكية السابقة، للاتفاق مع مصر على نوع من التنسيق سمي بـ «الحوار الاستراتيجي» بهدف تقريب وجهات النظر وعدم تعمق الخلافات بشكل يهدم التعاون القائم منذ توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد وإبرام معاهدة تسوية مع الكيان الصهيوني.

ولكن بعد ثلاث جولات من تلك الاتصالات بين القاهرة وواشنطن توقف الحوار بسبب تصاعد الخلافات إثر أحداث الكشح المتعلقة بالأقباط في صعيد مصر، إلى جانب عدم رضا واشنطن عن مواقف مصرية عارضت توجهات أمريكية حيال السودان والعراق والانحياز إلى جانب الصهاينة.

وفي يونيو عام 2000 م بدأ الاستعداد لعقد الجولة الرابعة المعلقة من الحوار الاستراتيجي منذ إنشاء هذه الآلية عام 1997 م، خصوصًا أن جولة عام 1999 م لم تعقد، إلا أن تطورات الأحداث واشتعال الانتفاضة وسحب السفير المصري من تل أبيب مع تصاعد الضغوط الشعبية على القيادة المصرية جمد هذا الحوار حتى الآن، وجاءت أحداث 11 سبتمبر وتخيير واشنطن دول العالم بين التعاون كليًا معها أو اعتبارها مناصرة للإرهاب ليثير الشكوك؛ لا حول متى تتواصل جولات ذلك الحوار ولكن حول مصير ذلك التحالف من أساسه.

الخطوط الحمر.. هل تُزال؟

وكشفت حملات الصحف الأمريكية ونواب الكونجرس ضد مصر عن عناصر أخرى خفية للخلافات تمس خطوطًا حمرًا تريد واشنطن من دول عربية على رأسها مصر أن تتخطاها في تعاملاتها مع قضايا عربية وإسلامية شائكة أخطرها أمران:

الأول: ما يسمى تجفيف منابع الإرهاب الذي يتضمن مطالب محددة للتضييق على الحركات والجمعيات والمنظمات الإسلامية وتغييرات في مناهج الدراسة خصوصًا الدينية، وفي هذا الصدد أثيرت تساؤلات حول أسباب الحملة على الإخوان وتقديمهم مع غيرهم لمحاكم عسكرية، والشروط العشرة التي أصدرتها الحكومة لمنع بناء المساجد «المجتمع عدد 1482»، وعزل أساتذة معارضين من الأزهر.

والثاني: الضغط على الرئيس الفلسطيني عرفات من أجل القضاء على حركات المقاومة الفلسطينية باعتباره الحل الوحيد لتعامل الأمريكيين والصهاينة معه وتنصيبه رئيسًا للدولة «أي دولة.. ولو على حدود 42 % من الضفة الغربية وغزة وفق مشروع بيريز الأخير»، وفي هذا الصدد جرت تساؤلات في الأوساط السياسية المصرية عن: هل قدمت مصر تنازلات فيما يتعلق بعرفات والضغط عليه وكذلك بشأن الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب بعدما لمست مظاهر أمريكية عدائية، ولغة تحذير بالتخلي عنها؟! وهل يعني النقد الذي يوجهه بعض المسؤولين الفلسطينيين على استحياء للعرب حالة من الاحتجاج على الضغوط العربية؟!

لقد كشف الرئيس المصري في حوار مع جريدة «الجمهورية» المصرية منتصف ديسمبر المنصرم عن أنه أرسل تسعة خطابات لإدارة الرئيس بوش فيما يتعلق بالحملة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب ووقف الانحياز الأمريكي للصهاينة ودعوة واشنطن للتدخل لوقف العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، ولم يتوقف أحد أمام هذا الرقم الكبير من الخطابات «غير الاتصالات الهاتفية المستمرة» ليسأل: ألا يعني ذلك وجود نوع من «التغافل» الأمريكي وتعمد عدم الرد حتى يفرغ شارون من مهامه القذرة ويكون الأمر رسالة أيضًا للعرب وعلى رأسها مصر؟!

ثم ما معنى أن يقول الأمريكيون مثلًا إن ثلاث دول عربية أبلغت واشنطن موافقتها على ضرب العراق في المرحلة الثانية من الحملة العسكرية الأمريكية، أو أن يلمح المسؤولون المصريون إلى أن عرفات أخطأ «فيما يتعلق بتعامله مع حركات المقاومة الإسلامية»؟!

والأهم ما معنى أن تتدخل دول تقيم علاقات مع تل أبيب لمنع صدور بنود معينة ضد أمريكا لانحيازها للصهاينة في بيان وزراء الخارجية العرب الصادر عن اجتماعهم الأخير بالقاهرة بل وحذف كلمة «انتفاضة» تمامًا من البيان وتحويل فقرة مقاطعة الصهاينة وبضائعهم إلى عبارة إنشائية لا تعرف لغة التحذير أو الأمر بالتنفيذ؟!

المعتقلون المصريون في السجون الأمريكية

ويكفي لغز المعتقلين المصريين في السجون الأمريكية على ذمة أحداث 11 سبتمبر؛ والذين تقدر مصادر الخارجية المصرية عددهم ما بين 50 إلى 200 معتقل، ليكشف عمق الخلافات، فلم يكتف المسؤولون الأمريكيون برفض عشرات الطلبات المصرية المتتالية للكشف عن أعداد المصريين المعتقلين أو حتى السماح بالاتصال بهم، لكنهم رفضوا بوضوح مطالب وزير خارجية مصر في زيارته الأخيرة لواشنطن لمعرفة عددهم، لما اضطر الوزير المصري لعقد مؤتمر صحفي بمقر سفارة بلده قال فيه إنه لا يشعر بالرضا وقال: «لن أشعر بالاطمئنان طالما لم نطلع على أسمائهم ولا التهم المنسوبة إليهم».

وليس هذا فقط، فقد تحدث القنصل المصري في واشنطن عن «تجاوزات» ضد المعتقلين الأبرياء، فسرتها بعد ذلك الصحف الأمريكية عندما تحدثت عن تعذيب معتقلين لانتزاع الاعترافات.

لغة كراسي الحكم

ولم يكن أحد يتصور أن تشهد العلاقات مع أكبر دولة في العالم العربي مثل هذا الأسلوب الذي اعتمدته وسائل الأعلام الأمريكية «دون نفي أو رد رسمي ينفيه» والذي وصل إلى حد الحديث بلغة كراسي الحكم، وتهديد مصر بأن مصيرها معلق بالأمريكيين «عبر المساعدات العسكرية والاقتصادية».

لقد اتسم الموقف الرسمي المصري بالهدوء نسبيًا، والاستشهاد بأحاديث الرئيس الأمريكي ومعاونيه كشهادة حسن سير وسلوك، لكن «الصديق الأمريكي» لم يعد يحترم هذا الهدوء، إذ تنطلق سهام الحقد والغضب، ولم تكن صدفة أن تكتب «موريين دور» في عدد يوم 14/10 في صحيفة نيويورك تايمز لتتهم مصر بالنفاق، ولا أن تتكرر الإشارة بالمن والأذى إلى ملياري دولار من المعونة الأمريكية السنوية لمصر، مع الحرص على تبرير المعونة بوصفها «مكافأة لمصر على إنهاء حربها وإقامة تسوية مع الكيان الصهيوني».

ووصل الأمر إلى حد الوقاحة بالقول: عجبًا لهؤلاء المصريين أعطيناهم حتى الآن «منذ التسوية» أكثر من 40 بليون دولار ومع ذلك فهم يلتزمون الصمت ولم يقدموا دعمًا يعتد به للتحالف الذي يحارب ضد الإرهاب.

في هذا الإطار صدر الملحق الخامس الذي تنشره يوميًّا «نيويورك تايمز» منذ أحداث

سبتمبر الفاجعة بعنوان «أمة تواجه التحدي» (14/10) وقد تصدرته صورة بانورامية ملونة لإحدى المناطق العشوائية بالقاهرة، هي مساكن أقرب إلى المقابر، أو هي كذلك فعلًا، مقلب زبالة.. تلال من التراب وتعليق على الصورة يقول: «مصر.. كوم زبالة» والغرض هو الإسقاط الواضح على الموقف المصري.

وقد مس هذا التقرير الذي كتبته سوزان ساخس من القاهرة الجانب المهم من العلاقات الذي سبق الحديث عنه.

ولا يتورع الغربيون عن زرع هذا المعنى وكأنهم يحمون كراسي الحكم حتى إن مجلة «الإيكونوميست» البريطانية كتبت تقول في ذروة الحملة الأمريكية في أفغانستان إن أمريكا ستوقف هجماتها.. إذا هدد «الشارع» نظام مبارك!.

ونقلت المجلة على لسان دبلوماسي أمريكي قوله: «إذا ما شعرت واشنطن أن هذه الأنظمة مهددة ومعرضة للخطر تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية فسيكون هناك احتمال كبير لإعادة النظر في الحملة الأمريكية ضد الإرهاب».

ولكن ما حدث أن رصد أمريكا لحالة الاسترخاء في الشارع العربي والإسلامي «ظاهريًّا» دفعها لمزيد من الضغط لوقف الانتفاضة الفلسطينية وقمع المعارضة الداخلية، وربما أدى تصاعد هذه الضغوط الأمريكية إلى نوع من الترضية المصرية لواشنطن عبر الإعلان المتكرر عن تأييد التحالف الأمريكي ضد الإرهاب رغم الحرص على التقلب بين تلك التصريحات، وأخرى تدغدغ مشاعر الجماهير بتصريحات، خصوصًا مع تكشف الآثار الباهظة اقتصاديًّا على مصر بسبب تلك الحملة التي كلفت مصر 3 مليارات دولار.

وربما لهذا أيضًا وعدت الولايات المتحدة بمساعدة مصر على تجاوز الصعوبات الاقتصادية الجدية الناجمة عن هجمات سبتمبر، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر بأن «الإدارة ستدرس باهتمام سبل مساعدة مصر على مواجهة التحديات الناجمة عن الاضطرابات الاقتصادية من جراء الإرهاب»، كما سعت إلى طمأنة مصر لاستمرار التحالف - على الأقل عسكريًا - عبر صفقة الصواريخ «50 صاروخًا مضادًا للسفن من نوع بلوك 2» التي أثارت جدلًا في الكونجرس، وهو ما عبر عنه مسؤول أمريكي لصحيفة واشنطن بوست بقوله: «إن مصر تعد شريكًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة» إلا أنه لم ينس في ذات التصريح أن يقول: «ما كان لواشنطن أن تبيع معدات عسكرية تعتقد أنها قد تقوض أمن إسرائيل»!

ولا يعني هذا أن العلاقة بين مصر وأمريكا تنهار بسبب تزايد الخلافات في الرؤى والمواقف، ولكنها في طريقها لذلك إذا استمرت المنغصات، وظل التحفظ المصري إزاء العديد من المطالب الأمريكية، وهنا يبرز السؤال الذي طرحته الصحفية الأمريكية في مقال نيويورك السابق الإشارة إليه حيث قالت: إن على مصر أن تختار الآن بين العولمة والانخراط في المنظومة الأمريكية، وتتخلى عن العروبة والأفكار البالية الأخرى، أو تواجه مصيرها!.

الرابط المختصر :