; رثاء الشيخ عبدالعزيز بن باز | مجلة المجتمع

العنوان رثاء الشيخ عبدالعزيز بن باز

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1351

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 25-مايو-1999

علامة الجزيرة وفقيد الأمة.. الشيخ عبدالعزيز بن باز

بقلم: يوسف القرضاوي

ودعت الأمة الإسلامية عَلَمًا من أعلامها الأفذاذ، ونجمًا من نجومها الساطعة في سماء العلم، علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الذي كان جبلًا من جبال العلم وبحرًا من بحور الفقه، وإمامًا من أئمة الهدى، ولسانًا من ألسنة التوحيد، وعمادًا من أعمدة الدين، وركنًا من أركان الأمة، طالما، استفاد من علمه المسلمون في الجزيرة والخليج وفي شتى بقاع الأرض عن طريق اللقاء والمشافهة، أو الكتاب والمراسلة، أو الهواتف والإذاعة، أو الكتابة والصحافة، أو الرسائل والكتب أو الشريط المسموع.

عاش الشيخ عمره المبارك للعلم والدين، يعلم ويدرس ويجيب ويفتي وينصح ويدعو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مع حكمة بالغة ورفق وبصيرة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

كان أكبر هم الشيخ الدعوة إلى التوحيد الخالص، وتصفية العقيدة من الشرك أكبره وأصغره، جليِّه وخفيِّه، والوقوف في وجه القبوريين والخرافيين، واتِّباع ما جاء عن السلف في وصفه الله تعالى مما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وكان لا يدع فرصة ولا مناسبة إلا أكد فيها هذه المعاني، لا يمالئ ولا يجامل.

وكان الشيخ في الفقه حنبليًّا، ولكنه لم يكن مقلدًا يأخذ القول في مذهبه ولو كان ضعيف الحجة، بل كان رحمه الله يعتمد الدليل ويستند إلى الكتاب والسنة، ويعرض عن مذهبه إذا كان الحق مع غيره، لا يخشى لومة لائم، وقد كان فوق أن يلومه أحد، ولذا رأيناه يفتي بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق، وإن كان علماء المملكة لا يفتون بها، وإنما يأخذون بالمعتمد في المذهب.

كان الشيخ يرأس إدارة الفتوى والبحوث والدعوة، ويرأس هيئة كبار العلماء، ويرأس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ويرأس المجلس العالمي الأعلى للمساجد، ويرأس مجلس المجمع الفقهي للرابطة، وظل سنين رئيسًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فلم يضعه ذلك في برج عاجي أو في صومعة منعزلة، بل ظل بيته مفتوحًا ومكتبه مفتوحًا، وقلبه مفتوحًا لكل ذي حاجة من أبناء المسلمين مادية أو علمية، لا يغلق بابه في وجه أحد، ولا يضيق صدره بلقاء أحد، ولا يدخر جهده في مساعدة أحد.

لم يكن العلم الغزير وحده الذي ميز ابن باز بل میزه كذلك قوة إيمانه، وغيرته على دينه و اهتمامه بأمر أمته، وتحرقه على مآسي المسلمين وحسن خلقه في معاملة الناس، ورحمته بالصغير وتوقيره للكبير، وتعرفته بحق أهل العلم من إخوانه وإن اختلفوا معه.

اتصل حبل الود بيني وبين العلامة ابن باز في مناسبات كثيرة، في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي، وفي المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت عضوًا فيه، وكان الشيخ نائبًا لرئيسه إذ كان رئيسه هو ولي عهد المملكة الأمير فهد بن عبد العزيز حفظه الله في ذلك الوقت، وفي مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي الذي أتشرف بعضويته ويرأسه الشيخ، وفي المؤتمرات العلمية والدعوية العالمية التي أقيمت في المملكة مثل المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة والمؤتمر العالمي للدعوة والدعاة في المدينة المنورة، ومؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات والتدخين في المدينة المنورة أيضًا.

أبَى الشيخ على نفسه ألا يغادر المملكة، وكم دُعِيَ من أقطار وجهات شتى، ولكنه اعتذر، وعندما أقيم المؤتمر العالمي للسنة والسيرة في دولة قطر في افتتاح القرن الخامس عشر الهجري وجهنا إليه الدعوة وألححنا عليه، ولكنه قال: إنه كان يودُّ الاستجابة للدعوة، ولكن هذا سيفتح عليه أبوابًا لا يستطيع سدها، وأصر على موقفه ونهجه في الاعتذار.

لم أرَ مثل الشيخ ابن باز في ودِّه وحفاوته بإخوانه من أهل العلم، ولا في بره وإكرامه لأبنائه من طلبة العلم، ولا في لطفه ورفقه بطالبي الحاجات من أبناء وطنه، أو أبناء المسلمين عمومًا، فقد كان من أحاسن الناس أخلاقًا، الموطئين أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون.

ولقد رأيته في المجمع الفقهي يستمع وينصت إلى الآراء كلها ما يوافقه منها وما يخالفه ويتلقاها جميعًا باهتمام، ويعلق بأدب جم، ويعارض ما يعارض منها برفق وسماحة دون استعلاء ولا تطاول على أحد، شاديًا في العلم أو متناهيًا، متأدبًا بأدب النبوة، ومتخلقًا بأخلاق القرآن.

لا أعرف أحدًا يكره الشيخ ابن باز من أبناء الإسلام، إلا أن يكون مدخولًا في دينه أو مطعونًا في عقيدته، أو ملبوسًا عليه، فقد كان الرجل من الصادقين الذين يعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيصدقون أحسبه كذلك والله حسيبه، ولا أزكيه على الله تعالى.

ليس معنى ذلك أن الشيخ كان معصومًا من الخطأ، فما ادعى ذلك لنفسه، وما ادعاه له أحد من محبيه، ولكن خطأه مغمور في جنب صوابه، وهو مأجور إن شاء الله، لأن رأيه جاء بعد تحرٍّ واجتهاد منه، والمعصوم من عصمه الله.

ولقد اختلفت مع الشيخ العلامة في بعض المسائل، نتيجة لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل منا، ومدى تأثر كل منا بزمانه ومكانه، إيجابًا وسلبًا، ولم أرَ أن هذا الاختلاف غير نظرتي إليه، أو نظرته إليَّ، وظللت -والله - أكِنُّ له المحبة والتقدير وأدعو له بطول العمر في خدمة العلم والإسلام وظل كذلك يعاملني بودٍّ وحب كلما التقينا، وكلما لقيه أحد من أبناء قَطَر حمله السلام إلي - رحمه الله وأكرم مثواه.

الحديث عن العلامة ابن باز ذو شجون ومجال القول ذو سعة، ولا نستطيع أن نوفي الشيخ ما يستحقه في هذه العجالة، إنما هي كلمات كتبتها على عجل أودع بها الشيخ الجليل، وفاء لبعض حقه، ومعرفة بقدره وتقديرًا لمكانته وفضله.

إن موت العلماء الأفذاذ مصيبة كبيرة، فإن الأمة تفقد بفقدهم الدليل الذي يهدي، والنور الذي يضيء الطريق، يقول علي -كرم الله وجهه - إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما قبض الله عالمًا إلا كان ثغرة في الإسلام لا تسد، يؤكد هذا حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه: «إن الله لا يقبض العلم، ينتزعه انتزاعًا من صدور الناس ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»

.. يودعنا إلى دار الخلود

بقلم: محمد عبد الله الخطيب1]

ورحل العالم الجليل.. وسبحان الحي الباقي، صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها حيث الأمن والأمان والسكينة والاستقرار تحت مظلة الرحمن، كان رحمه الله تبدو عليه المهابة وهو في مجلسه المتواضع، وتسطع في ملامحه خصائص العلماء والفقهاء وتلمح في جبينه نضارة الصلاح ووسامة التُّقى، نفس هادئة، تغذيها شعلة الفكر المتزن والهادئ المستقر، وتسيطر عليها روح الاهتمام بأحوال المسلمين، إيمان وصبر وانصراف مطلق إلى القيام بالواجب واعتماد على النفس ودقة لا يختل ميزانها ونظام ثابت في حياته لا يتخلف عنه، وتقدير دائم للوقت.

عالم - نحسبه - من جند الله وأحبائه وأوليائه من الذين اختارهم الله لحمل أعظم أمانة في الأرض، ورزقهم الاستقامة على حبه، فهو من الصفوة المختارة من عباد الله الصالحين، وهم أحب أهل الأرض إلى الله U، الذين أجابوا دعوة الله ولبوا نداءه، ثم دعوا الناس إلى ما أجابوا الله فيه ، فهم خيرة الله من عباده.

يقول عبد الرزاق بن معمر عن الحسن البصري إنه t تلا قول الله U: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: ۳۳) فقال رحمه الله: هذا حبيب الله، هذا ولي الله هذا صفوة الله، هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين هذا خليفته تفسير ابن كثير ج ٤.

وهل كان الشيخ ابن باز - يرحمه الله - إلا كذلك؟ فهو صورة للداعية بحديثه وأدبه،

وأسلوبه في دعوته لقد تمسك بالحق الذي هداه الله إليه وأكرمه به ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة طوال عمره المبارك، وبقي قويًّا مجاهدًا، معتزًا بقوة الله الذي لا يغلب ولا يقهر حتى لقي ربه.

يقول الإمام ابن القيم مبينًا الشروط التي يجب أن تتوافر في العالم الذي يفتي المسلمين، ويعلمهم ويكون قدوة أمامهم.

«فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب، أن يُعد له عدته، وأن يأخذ له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره، وهاديه، وكيف لا ؟ وهو الأمر الذي تولاه الله بنفسه، رب الأرباب فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ (النساء:127)، وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفًا وجلالًا، إذ يقول في كتابه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ (النساء: 176). وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدا وموقوف بين يدي الله» إعلام الموقعين.

لقد كان الشيخ عبد العزيز - يرحمه الله - بحق العالم الرباني الذي مضى في طريق الحق -نحسبه كذلك - يتحمل الأمانة بصدق، وتغمره نعمة الخالق يذود عن عقيدة الإسلام، ويدافع عن شريعته ويضع أمام عينيه أعباء الطريق، وما فيه من أشواك، وانحرافات وضلالات ومخالفات للسنة بل وإنكار لها عند البعض من الأدعياء، فعاش طول حياته يرد الافتراءات، ويفند الضلالات، ويكشف عن المزيفين الدخلاء.

إنه واحد من العلماء الذين زانوا العلم وزانهم وصانوا الحق وصانهم، وأوى إلى الله فأواه الله إليه، واحد من الذين عرفوا أن العلم أمانة يجب أن تؤدَّى، وأنه وسيلة شريفة لغاية شريفة، هي رضاء الله تعالى، وهداية موكب البشرية، إنها رسالة الأنبياء، والعلماء ورثتها، وحملة شعلتها بعد انقطاع النبوة، هكذا فهم فقيدنا غاية العلم.

ولقد جاء في الأثر «العلم علمان، علم على القلب، فذاك هو العلم النافع وعلم على اللسان فذاك هو حجة الله على ابن آدم» (أخرجه الترمذي).

إن فقيدنا من الأعلام الذين أشرق بهم تاريخ أمة الإسلام، فهو صاحب علم متصل بعمل وصاحب معرفة ترتبط بسلوك، وصاحب فتوى واضحة تعلمنا كيف يكون العالم، وخشيته لله التي يهون أمامها كل شيء، ويجب أن نعلم أن علماء الشرع امتداد لعلم النبوة في الناس دهرا بعد دهر وجيلًا بعد جيل، فهم ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، وحين يفكرون في هذه الشريعة، لا يغيب عن بالهم أبدًا صاحبها، فهو معهم أينما كانوا يسألهم ماذا يفعلون؟ وماذا يقولون؟

إن هؤلاء الدعاة الداعين بما أعطاهم الله، وبما وهبهم، وبما أهلهم يستطيعون أن يفعلوا الكثير والكثير مما تنتظره منهم الأمة، إنهم يحملون الأمانة ويصونها من التبديل والتغيير، إنهم الحراس الأمناء على هذه الرسالة، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وإنا لنشهد أن فقيدنا الراحل -رحمه الله - كان من أولي العلم الراسخين الذين امتلات قلوبهم بكتاب الله حفظًا وفقهًا وفهمًا، ونشهد أنه كان عاملًا بعلمه، فقد جاء في الأثر لا يكون المرء عالمًا حتى يكون بعلمه عاملًا، أخرجه ابن حبان والبيهقي، وعن مالك t  قال: «إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب»، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم بكثرة الخشية»

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) وروى الدارمي بسند صحيح موقوف قال حدثني عشرة من أصحاب رسول الله قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله r فقال: «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا».

لقد ترك الفقيد يرحمه الله - الكثير من المؤلفات والكتب والرسائل والفتاوى وكلها تحمل طابع الدقة والاعتدال، والالتزام الكامل بالكتاب والسنة t وأرضاه، وتقبله في الصالحين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر:
 وفاة ابن باز ثقيلة على المسلمين جميعًا

قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبدالله زيد آل محمود - رئيس المحاكم الشرعية في قطر- إن الشيخ ابن باز كان من كبار العلماء الأتقياء الذي كان له دور كبير في أمور الدعوة، ونشر العلم الشرعي والإفتاء، والجهاد في سبيل الله في مختلف الميادين، وإن وفاته كانت ثقيلة على المسلمين جميعًا.

وكان ركنًا من الأركان التي أدت ما عليها، وقضى نحبه وهو يجاهد في مختلف الميادين. 

وأضاف الشيخ عبد الرحمن آل محمود معرفتنا به قديمة، كان له معرفة قديمة بالوالد، وبينهما مراسلات، وعندما كان يزور الوالد المملكة كان يحدث اجتماع ولقاء وسلام، ولا يخلو المجلس بينهما من مناقشات علمية ثرية، كل منهما يحترم الآخر ويقدره، وكان من يستفتيه من قطر يرجعه إلى الوالد قائلًا: راجعوا في هذا الشيخ ابن محمود.

وقد اجتمعت به مرات كثيرة، فكان مجلسه مجلس علم، لا يردُّ من يطلب شفاعة، أو مساعدة أو فتوى والهاتف لا يتوقف عن الرنين من السائلين، فقد كان يرد على كل سائل. نسأل الله أن يحسن عزاء المسلمين فيه، وأن يعوضهم خيرًا وأن يرزق أهله وذويه الصبر والسلوان. 

سماحة الشيخ ابن باز ورؤيته للإعلام

نظرة إعلامية فاحصة ترتكز على: الإحساس الواعي.. الواقعية. الاستثمار الإيجابي والحث على انخراط الأخيار في وسائل الإعلام

بقلم: عبد القادر طاش[2]

فقدت الأمة برحيل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله - نجمًا مضيئًا من نجوم العلم والفقه والدعوة والإصلاح الاجتماعي، ولم يكن ذلك الإجماع الإسلامي على حبه وتقديره إلا تجسيدًا للمكانة العالية التي كان يتبواها سماحة الشيخ في قلوب الناس. وقد تجلت هذه المكانة في الحزن العميق الذي عم العالم كله فور إعلان نبأ وفاته فهنيئًا لإمام العصر هذا الاعتراف العالمي بتقديره وحبه، ولينم قرير العين جزاء ما قدم لأمته.

وكان لشخصية سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز جوانب متعددة كان في كل واحد منها إمامًا يقتدى، وكان له في كل واحد منها توجيهات سديدة تنير طريق السالكين وتسهل عليهم أداء الواجب والقيام بأعباء الرسالة.

ولعل من أهم المجالات التي اهتم بها سماحة الشيخ وأولاها كثيرًا من عنايته مجال الإعلام، ويتجلى ذلك في علاقته الوثيقة بوسائل الإعلام من إذاعة وصحافة، فقد كان لصيقًا بها يمدها بعلمه ورسائله وتوجيهاته، وكان سريع التجاوب مع الإعلاميين يلتقيهم ويواليهم بالنصح والتوجيه، ويستجيب لإلحاحهم عليه بإجراء المقابلات أو الرد على الاستفسارات، وفضلًا عن ذلك كان يهتم بالمحاضرات والندوات التي تتناول قضايا الإعلام ويعلق عليها ويحث دائمًا على الاستفادة من وسائل الإعلام وحسن تسخيرها لخدمة الإسلام.

لقد كان سماحة الشيخ يتمتع بحس مرهف تجاه الإعلام يدرك أهميته ودوره الفاعل

والمؤثر، وكان كلما التقى الإعلاميين شديد التنبيه إلى خطورة الانحراف في وسائل الإعلام، ودائم المطالبة بتنقيتها من المنكرات والمفاسد ومشجعًا على حسن توجيهها إلى ما ينفع الناس ويفيدهم في دينهم ودنياهم.

وأتذكر لقاءاتي الخاصة بسماحة الوالد -يرحمه الله - مرات عدة، كان آخرها قبل ثلاثة أشهر تقريبًا عندما زرته في مكتبه بالرياض، تحدثت إليه عن قناة اقرأ الفضائية وما نرجوه فيها من تأسيس نواة لإعلام هادف بنَّاء في خضم هذه الأمواج الهادرة من القنوات الفضائية المتعددة التي يجنح كثير منها إلى الهدم والتدمير والإسفاف وإفساد الأخلاق.

واستمع سماحته إلى حديثي باهتمام، واستوضح عن بعض الأمور في القناة ثم دعا لي ولزملائي بالتسديد والتوفيق وذكرني باستحضار النية الصادقة والإخلاص لله تعالى في كل خطوة نخطوها، وطلبت منه أن يزودني بنصائحه وتوجيهاته فلم يبخل -يرحمه الله - عليَّ وعلى زملائي فوجهنا بالحرص على تقديم ما يوافق كتاب الله وسنة رسوله ، وما ينفع الناس ويصلحهم، ونصحني بالسعي الحثيث من أجل تنقية القناة من المخالفات وتصفيتها مما يسيء إليها وعدم الانزلاق وراء منكرات القنوات الأخرى التي لا يرضى الله عنها.

ولم يكتف سماحته بذلك على قيمته البالغة بل أكرمني بقوله: إنه سيحث العلماء والدعاة وطلبة العلم على التعاون مع القناة، وطلبت إليه أن أجري معه لقاء مصورًا فاعتذر بلطف وقال لي إنه لا يحبذ الظهور في التلفاز، ولكنه لم يمانع في إجراء لقاء صوتي معه وكان هذا تمهيدًا للكلمة الصوتية الغالية التي ظفر بها أخي وزميلي الدكتور أحمد بن سيف الدين وتشرفت القناة ببثها في برنامج ملتقى الدعوة وإعادة بثها مرات عدة.

لقاءات مع الشيخ

وقد سبق لقائي الأخير مع سماحة الشيخ لقاءان آخران كان محورهما الرئيس عن الإعلام أيضًا، أولهما كان في عام ١٤٠٤هـ تقريبًا. كنت حديث العودة من أمريكا بعد الدراسة فيها، وأعمل أستاذًا بقسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودعيت للمشاركة مع زميل كريم في ندوة عن الإعلام والدعوة ضمن نشاطات التوعية الإسلامية وعقدت هذه الندوة في المسجد الجامع الكبير، وحضرها جمهور غفير من طلبة العلم. وكان من عادة هذه الندوات أن يشرفها بالحضور سماحة الشيخ ويعلق عليها.

وقد أعجب سماحته بما طرح في الندوة من أفكار وآراء، وبخاصة ما يتعلق منها بضرورة استثمار الجوانب الإيجابية في وسائل الإعلام وتسخيرها لخدمة أغراض الدعوة والإصلاح الاجتماعي، وركز سماحته في تعليقه على هذا البعد وطالب الدعاة وطلبة العلم بالاهتمام بالإعلام والانخراط فيه والاستفادة منه.

وبعد انتهاء تعليقه سأله سائل عن التلفاز وهل يجوز اقتناؤه، فكان جواب الشيخ حكيمًا فلم يقل بالحل أو الحرمة وربط الحكم بكيفية الاستخدام، وقال: إن التلفاز جهاز يمكن أن يستعمل في الشر كما يمكن أن يستعمل في الخير، ودعا إلى تعاون الدعاة مع التلفاز لنشر العلم وتبيين الحق وتثبيت القيم والفضائل بين الناس.

ولكن السائل، وكان شابًا ممتلئًا حماسة واندفاعًا، أخذ يجادل سماحة الشيخ مبديًّا الجوانب السلبية الكثيرة للتلفاز وكان يلح على الشيخ أن يفتي بحرمة اقتناء هذا الجهاز، ولكن الشيخ أبَى وأصر على أن الحكم يتعلق بالاستخدام. وهذه نظرة منهجية واقعية تتيح لدعاة الإسلام توظيف هذه الوسائل لخدمة الدين وربط الناس بمبادئ الحق والخير والجمال.

وكان لقائي الآخر مع سماحة الوالد - يرحمه الله - في عام ١٤١١هـ. حيث أجريت معه مقابلة صحفية مطولة لصحيفة "المسلمون" عندما كنت رئيسًا لتحريرها. كان الوقت بعد معركة تحرير الكويت وإعادة الحق إلى نصابه. ذهبت إليه في مكتبه بمكة المكرمة وطرحت عليه أسئلتي فأجاب عنها جميعًا ونشرت المقابلة على صفحة كاملة وكان للإعلام حضور بارز في تلك المقابلة تجسد في أمرين، أولهما استجابته الكريمة بإجراء المقابلة لإدراكه أن هناك حاجة ماسة لتوضيح كثير من الأمور التي التبست على عامة الناس، بل وعلى بعض طلبة العلم أيضًا، في خضم تلك الفتنة التي أحدثها صدام حسين في عقول الكثيرين، ومن غير الإعلام يمكن أن يقوم بهذا الدور البالغ الحساسية لتوضيح الرؤية وإنارة البصيرة لترتاح الضمائر وتهدأ الخواطر؟

أما الأمر الآخر فهو سؤالي له عن دور الإعلام في المجتمع سألت سماحته قائلًا: لقد ظهر في الأزمة غزو العراق للكويت، أن لوسائل الإعلام دورًا خطيرًا إذ يتابع الناس عن طريقها الأحداث ويستقون منها الأخبار ويكونون الآراء، فهل من كلمة حول ذلك؟ وما دور العلماء وطلبة العلم في التعاون مع وسائل الإعلام؟

وأجابني سماحته بقوله: بلا شك أن وسائل الإعلام لها دور عظيم، ولا شك أنها سلاح ذو حدين. فالواجب على القائمين عليها أن يتقوا الله ويتحروا الحق فيما ينشرون، سواء عن طريق الوسيلة المرئية أو المسموعة أو المقروءة، والواجب أن ينشروا ويذيعوا عن أهل العلم والإيمان والبصيرة أما المقالات الضارة والمقالات الملحدة فينبغي الحذر منها وعدم نشرها.

وأضاف سماحته في إجابته قائلًا: والواجب على المسؤولين في وسائل الإعلام ألا يولوا في الإعلام إلا الثقات الذين عندهم علم وبصيرة وأمانة. إن وسائل الإعلام تحتاج إلى رجال يخافون الله ويتقونه ويعظمونه ويتحرون نفع المسلمين والمجتمع كله فيما ينشرون حتى لا يضل الناس بسببهم ومعلوم أن من نشر قولًا يضر الناس تكون عليه العاقبة السيئة، كما أن من نشر ما ينفع الناس يكون له أجر من انتفع بها. ونسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم ويصلح أحوالهم.

أما بالنسبة لتعاون العلماء وطلبة العلم مع وسائل الإعلام فقد أجاب سماحته قائلًا: «هذا واجب. فيجب على العلماء وطلبة العلم أن يتعاونوا مع هذه الوسائل حتى يرشدوا الناس ويفقهوهم ويعلموهم، لأن هذه الوسائل يستفيد منها الملايين بدل أن يستفيد من خطبة المسجد المئات والألوف، لذلك ينبغي على العلماء والأخيار أن يتعاونوا مع وسائل الإعلام فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.

إن النظرة الفاحصة لمنهج سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله - في التعامل مع وسائل الإعلام تدلنا على أنه كانت له رؤية بصيرة وثاقبة.

ويمكننا - في هذه العجالة - تلخيص مرتكزات تلك الرؤية في أربعة أمور:

أولها: إحساسه الواعي بأهمية الإعلام في عصرنا الحاضر، وقد أدى هذا الإحساس إلى تقديره لخطورة الإعلام وإدراكه أنه أصبح أداة فعالة في التوجيه والتأثير.

ثانيها: نظرته الواقعية لوجهي الإعلام السلبي والإيجابي فهو لم يتبن الرأي الذي يغلب الوجه السلبي للإعلام ويدعو إلى رفضه ومقاطعته، بل كان واضحًا في التفريق بين الوجهين وبناء الحكم على وسائل الإعلام وفقًا لكيفية استخدامها وتوظيفها.

وثالثها: أنه لم يكتف بتبيين وجهي الإعلام السلبي والإيجابي، بل خطا خطوة أخرى إلى الأمام بدعوته إلى حسن استثمار الوجه الإيجابي للإعلام فضلًا عن تنبيهه الحازم إلى ضرورة تخليص الإعلام من الانحرافات وسوء استخدامها لإضلال الناس والإضرار بهم.

ورابعها: الحث على انخراط الأخيار في وسائل الإعلام وعدم تركها لمن يريدون استغلالها في إفساد المجتمعات، بل إنه كان يدعو العلماء وطلبة العلم للتعاون مع وسائل الإعلام ويعد هذا التعاون واجبًا عليهم.

إن منهج الشيخ في التعامل مع الإعلام يحتاج إلى وقفة متأنية تستند إلى تحليل عميق

المحاضراته وكلماته عن الإعلام، وإلى رصد دقيق لمواقفه وإرشاداته وتوجيهاته وانتقاداته للإعلاميين. وهذه دعوة للباحثين والمهتمين بتراث سماحة الشيخ ليولوا هذا الجانب من شخصيته ما يستحقه من اهتمام علمي.

حكمة الدعوة في منهجه

هز مشاعري نبأ وفاة عالم لم يكن ليشغل الناس بأبهته، ولا هندامه ولا البهرجة التي تكون لمثله في هذا الزمان، بل كانت بساطته أظهر السمات الحياتية له، عاش كما وصفه الشيخ يوسف القرضاوي «عاش الشيخ عمره المبارك للعلم والدين، يعلم ويدرس، يجيب ويفتي، وينصح ويدعو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع حكمة بالغة ورفق وبصيرة.

نعم لم تشغله المراسم أو الاهتمامات الدنيوية.. إن أهم شغل الشيخ الظاهر الذي برز في تعامله وعلاقاته مع كل الناس وكل التجمعات والجماعات لا تعنيه جنسية ولا إقليمية، تعامله من مفهوم التوجيه القرآني الكريم: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وحديث النبي r: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى جمع الله له بين الرفق والفقه والحكمة والمرونة، فهو امتداد الدعاة المجددين لهذا القرن في الدعوة لشمول الإسلام، وهو فقه التنزيل الحكيم: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضۚ﴾ (البقرة:٨٥).

ونجد الشيخ -رحمه الله - ينص على هذه المعاني، فهو يصنف المدعوين إلى ثلاثة أنواع:

1-فمنهم الراغب في الخير، لكنه غافل قليل البصيرة فيحتاج إلى دعوته بالحكمة.

2-ومنهم المُعْرِض عن الحق المشتغل بغيره، فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة

بالترغيب والترهيب والتنبيه إلى ما في التمسك بالدين من المصالح العاجلة والآجلة، وإلى ما في خلافه من الشقاء والفساد.

3-النوع الثالث من الناس من له شُبهة قد حالت بينه وبين فهم الحق والانقياد له، فهذا يحتاج إلى مناقشته وجداله بالتي هي أحسن حتى يفهم الحق، وتنزاح عنه الشبهة (مجموع فتاوی ابن باز 2/٢٤١).

وفي جانب الفهم لشمول الإسلام وبيان الأسلوب الدعوي، يقول في محاضرة له عن الدعوة ومواصفات الداعية الإسلام دين شامل، يشتمل على مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويشتمل على كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق، وعن سيئ الأعمال، فهو عبادة وقيادة.. يكون الرجل عابدًا، ويكون قائدًا للجيش، وعبادة وحكم، يكون مصليًا، ويكون حاكمًا بشرع الله، منفذًا لأحكامه.. عبادة وجهاد، يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.. مصحف وسيف.. يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة، ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه .. سياسة واجتماع، فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة، والأخوة الإيمانية، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم. وهذا الفهم هو بعينه الذي أصله الشيخ حسن البنا حين وجه رسالة إلى الإخوان سماها «رسالة التعاليم».

إنني أهيب بالدعاة والعلماء إلى إخراج هذا التراث الكبير الذي جمع خبرة وممارسة هذا الشيخ الجليل ليضاف إلى السجل الممتع الذي تركه من قبله علماء الإسلام، رحم الله شيخنا، وجمعنا به في مستقر رحمته.

لطف الكبسي - المدينة المنورة

توضيح

اتصل بنا بعض القراء عاتبين أن العدد الماضي من المجتمع لم يتضمن سوى صفحتين

عن العلامة الراحل عبد العزيز بن باز، ونودُّ أن نحيط القراء علمًا بأن المجلة كانت قيد الطبع يوم وفاة الشيخ -يرحمه الله- وقد جرى تأخير الطبع بضع ساعات لحين إعداد هاتين الصفحتين حتى تصدر المجلة مواكبة للحدث، على أن تنشر المجلة لاحقًا ما يرد إليها من كتابات حول حياة الشيخ ومآثره العلمية.

الرابط المختصر :