; إلام ندعو؟ وكيف..؟ ​الظن .. أكذب الحديث | مجلة المجتمع

العنوان إلام ندعو؟ وكيف..؟ ​الظن .. أكذب الحديث

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 135

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 30-يناير-1973

أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا (ويشير إلى صدره) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».

صلى الله عليك وسلم يا رسول الله، ورزقنا محبتك، واتباع سنتك.

ألا ما أحوج المسلم إلى قدر من سعة الصدر، واتزان الفكر، وصحة الحكم، والترفع عن الهوى، حتى لا يسيء الظن فيجور، أو يحكم بغير الحق فيضل.

ألا ما أحوج المسلم إلى الحب والتسامح واللين والتآلف وحسن الفعل والقول على أحسن المحامل، والتماس العذر بألطف الوسائل.

وما أشق هذا على النفس... وما أحلى سواه..

ما أقرب أن يسارع المسلم فيجرح أخاه أو يعيبه بضعف أو جبن وهو لا يعلم..

ما أسهل أن يبادر المسلم فيرمي أخاه.. ربما بالكفر.. وربما بالنفاق.. بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير..

ولعل أقرب من ذلك وأيسر أن يقاطعه ولا يقربه.. و«من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا تقدم هذا أقول- والله المستعان:

«ضعف المؤمن.. وجلد الفاجر»

المؤمن لا يخلو من ضعف غالبا.. غير أن هذا الضعف يتفاوت نوعا وقدرا تفاوتا كبيرا أما أصل الضعف ففي أصل الجبلة البشرية، وكلنا فقراء إلى الله، ضعفاء من أداء حق ربوبيته «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» رواه مسلم.

وهذا الضعف الجبلي، لا يقدح في أصل الإيمان، ولا في صحة اليقين، ولكنه شهادة المخلوق على عبوديته وافتقاره ونذير دائم يوقظه من غفلته وسكرة فرحته عند انتصاره، لذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الخلق، وأقواهم على حمل واجبات الحق، وأداء رسالته «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك هي أوسع لي وأحب إلي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك».

غير أن هذا من الضعف المشرف، والتذلل المعز، والاستكانة السامية، لأنه ضعف أمام رب العالمين، وذلة لمالك الخلق أجمعين، واستكانة لمن له الأمر وهو يتولى الصالحين.

أما كلامنا.. ففي الضعف الذي ينتاب المؤمن أحيانا، فيدوم تارة، ويزول أخرى، وربما يكون وصفا ثابتا، وطبيعة راسخة، وجبلة أصيلة، ومع ذلك فلا ينقص من قدر ذلك المؤمن، ولا يهون من شأنه ولا يحل لنا أن نحقره، وفي هذا المقام يقول عمر رضي الله عنه: «أشكو إلى الله ضعف المؤمن، وجلد الفاجر».

ومن هذا الباب ضعف أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وهو في القمة إيمانا ويقينا، وفي العلياء حبا لله ورسوله حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر» هذا الصحابي الجليل، وتلك منزلته في الصالحين، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» رواه مسلم.

أما رسول رب العالمين– صلى الله عليه وسلم– فهو رؤوف بالمؤمنين رحيم: «لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

ويقول أحد الصحابة رضوان الله عليهم في حق رجل: «ذلك منافق لا يحب الله ورسوله» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى» فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» متفق عليه.

ولعل ما ذكره سبحانه وتعالى عن بعض رسله من مظاهر الضعف البشري إنما كان من بعض غاياته تأكيد تلك الحقيقة في النفوس، والتدليل بقوة على أن الإيمان والقوة لا يتلازمان، بل قد يتحقق أحدهما ويتخلف الآخر، وقد يجتمعان، ولا خلاف في أفضلية من جمع بين الإيمان والقوة، فكان إيمانه مبعث قوته، وقوته خادمة إيمانه «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» غير أن للطبيعة البشرية سلطانا على النفوس ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ (طه: 67).

الخوف من بعض مظاهر الضعف، ولقد خاف نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، خاف ثلاث مرات، الأولى حين فر إلى مدين: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ (الشعراء: 21).. والثانية حين أمر بإلقاء العصا ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (النمل: 10)، وإذا كان خوفه عليه السلام في الأولى لا يقوم دليلا على قضيتنا إذ لم ينبأ بعد، فبم تعللون خوفه في الثانية وهو في حال مناجاة رب العالمين، وفي مقام التمكين؟

أما الثالثة: فحين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ (طه: 67-69).

وسر هذا الضعف الطارئ الذي يلم بسادة البشر وأئمتهم وهم في الذروة إيمانا بربهم وثقة بوعده ونصره وتأييده هذا السر يكمن في بعض معنى «لا إله إلا الله» ومن بعض معناها «لا حول ولا قوة إلا بالله» فلا حول ولا قوة لمخلوق من ذاته أبدا، ولكن.. بالله.. فلو تصور العبد أنه حين صبر لقوته، ونظر إلى نفسه فقد أشرك، ومن عرف حين ضعف أنه مما ابتلاه به، وأيقن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فقد اهتدى إلى طريق الهدى، ونجا بفضل الله من مهاوي الردى، لذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم «اللهم إني ضعيف، فقو في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضاي، اللهم إني ضعيف فقوني، وإني ذليل فأعزني، وإني فقير فأغنني برحمتك يا أرحم الراحمين».

والعاقل من لا يأمن مكر الله، ولا ييأس من روح الله ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99)، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، وما أكثر ما أعطت النفس عهدا على الفعل وعزما على الثبات، ثم أفلست عند الوفاء، وولّت عند اللقاء ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد: 21)؛ لذلك كان أكثر خوف الصديقين من هذه الساعة التي يمتحن فيها إيمانهم وتبتلى عزائمهم، مخافة أن يكشف البلاء عن ضعف كامن لم يعلموه، أو نفاق باطن ما ظنوه فقد علموا أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء، فمن شاء أن يقيمه إقامة ومن شاء الأمر عزم لهم ومن شاء أن يزيغه أزاغه، ومن شاء تاب عليه واجتباه، ومن شاء عذبه وأرداه، ولا حجة لأحد على الله ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: 149).

وما قصه علينا سبحانه في كتابه عن بعض أنبيائه وعباده، قصم ظهور الصديقين خوف رب العالمين ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه: 115)، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان من السعداء ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ (طه: 122)، غير أن سواه ممن عصى كان مصيره الطرد والإبعاد ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: 18).

وبقي السر في نجاة آدم عليه السلام وسعادته وهلاك إبليس ولعنته، بقي هذا السر قاصما للظهور، مقلقا للصدور، مرعبا لأولياء الله على مر العصور، حتى قال أحدهم رضوان الله عليهم: «أنتم تخافون المعاصي ونحن نخاف الكفر»! وسأل عمر حذيفة رضي الله عنهما «أتعلم فيّ شيئا من النفاق»؟ وقال الصديق رضي الله عنه: «لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لما أمنت مكر الله»! وقال عمر رضي الله عنه: «لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئا لا أجده الآن، لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن عزمها» قال الغزالي: «أشار بذلك إلى شدة الوفاء بالعزم».

والحاصل..

وحاصل ما قدمت، ومقصودي مما حكيت، تقرير حقيقتين هامتين:

  • أما الأولى: فهي إن البلاء بجميع صوره ودرجاته شيء مخيف، ولا يأمن خير الناس أن يفتتن فيه ثم لا يقوم بعدها أبدا، ومن ظن بنفسه غير ذلك فقد أمن مكر الله، ونعوذ بالله، بل ندعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تؤمني مكرك، ولا ترفع عني سترك، ولا تنسني ذكرك، ولا تجعلني من الغافلين».
  • وأما الثانية: فهي إن الذين ضعفوا واستكانوا فما لنا عليهم من سبيل للمؤاخذة أو العتاب، ولا نرى لأنفسنا فضلا عليهم ما دامت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، وصدق أمير المؤمنين عمر: «أشكو إلى الله ضعف المؤمن وجلد الفاجر».

«قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» رواه مسلم.

ألا ما أحوجنا إلى التراحم برحمة الإيمان، والتخلق بخلق القرآن، وحسن الظن بعباد الرحمن، فكم من عباده من ابتلي فوق البلاء بسوء الظن، وأوذي فوق الأذى بالسب والطعن، ورب من قال «والله لا يغفر الله لفلان».

اللهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 147)، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: 8).. اللهم آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 182

68

الثلاثاء 01-يناير-1974

أكثر من موضوع (182)

نشر في العدد 359

119

الثلاثاء 19-يوليو-1977

أضواء على كلمة التوحيد

نشر في العدد 1689

87

السبت 18-فبراير-2006

صيحة في واد