; معالم على الطريق.. علماء ربانيون مجاهدون أم قاعدون متخلفون؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. علماء ربانيون مجاهدون أم قاعدون متخلفون؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999

مشاهدات 85

نشر في العدد 1357

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 06-يوليو-1999

عرف التاريخ العبّاد والعلماء والفقهاء عاكفين على التعليم قد أنحلتهم مقاعد الدرس، وأوهن عظامهم دأب التحصيل، وأذهب أبصارهم تصفح الكتب وروائح المداد في المحابر، وسهر الليالي في المطالعات والمراجعات، فهم في الأمة فكرها لا عضلاتها وعلمها لا جندها، ولعل ذلك قد أتى إليهم من الفلسفة الهندية أو الديانة البرهمية التي تقول: إن العلماء في الدين خلقوا من رأس براهما، وإن الجند خلقوا من ساعديه أو قد سرى إليهم هذا من عاكفي الصوامع، وقاطني البيع، ورهبان الكنائس في النصرانية وغيرها  تلك التي عابها القرآن الكريم بقوله : ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (الحَدِيد:27) ، وجاء الإسلام فأنكر هذا الانسحاب من الحياة، وزاوج بين العلم والعمل، وبين العبادة والقيادة، وبين التقوى والكفاح، فقال ﷺ «رهبانية أمتي الجهاد».

نعم حوّل الإسلام الأفكار إلى أعمال، والعلم إلى حقائق ومنع تبخر الأفكار لأن الأفكار تظل ميتة ما لم تحيها الأعمال، والنظريات والمناهج خيالات ما لم تحققها الأفعال، ولا عبرة بصحة فكرة أو خطئها إذا ظلت حبيسة الرؤوس في عالم التفكير المجرد: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ (العَنكَبُوت: ٤٣)

ولهذا كان ﷺ إمام المتقين، وقائد المجاهدين، لأن التقوى الحقيقية تدفع إلى الصدارة في تحقيق معالمها، وإلى السعي في تنفيذ ما يرضي الله سبحانه وعندما يرتفع الإيمان فيبلغ تلك القمة الراسخة فإن أصحابه منتصرون بمبادئهم حتمًا، وناشروها في الحياة نشرًا لا يدركه فتور ومكتسحون الباطل لا تضعضعهم عوائق أو سدود.

ولقد كان السلف من الصحابة علماء ومجاهدين ومديرين لشؤون الدول، فأبو بكر - رضي الله عنه - كان عالمًا ومتبتلًا، ورئيسًا لدولة ومحاربًا.

وعمر - رضي الله عنه - كان عالمًا وفقيها، وأعظم مدبر لدولة عادلة في التاريخ، وكان فارسًا وكان القرآن يخاطبهم بقوله:

 ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (التَّوۡبَة:41)

وكذلك كان علماء الأمة الأخيار من أمثال العز بن عبد السلام، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وابن تيمية، وغيرهم من العلماء الأثبات. 

روى التاريخ أنه لما جاء التتار إلى دمشق سنة ٦٩٩ هـ فرت حاميتها إلى مصر، وفر معها علماء السلطة والقضاة وغيرهم من كبار رجالات الدولة، وبقيت البلد شاغرة من حكامها وعلمائها. وجلس الناس والعوام لا حيلة لهم ينتظرون قدرهم المحتوم، لكن عالمًا واحدًا أبى أن يفر، وأن يترك البلد فوضى، لأن له قلبًا يحول بينه وبين الفرار. وله إحساس وإيمان يمنعانه من أن يترك العامة من الناس من غير مواس في هذه البأساء وهو ابن تيمية -رحمه الله-وقد زاد من همه أن رأی بعض أهل الذمة مالؤوا التتار، وأخذوا يلقون الخمر في المساجد، ويعلنون الفساد، فانتفض ابن تيمية وجمع أعيان المدينة الذين لم يستطيعوا الفرار، واتفق معهم على ضبط الأمور، واتفقوا على أن يذهبوا بوفد إلى «قازان»، قائد التتار. 

فذهب ابن تيمية على رأس الوفد إلى ذلك القائد الفاتك الذي سارت بذكره الركبان، وأخذ يكلمه ويعدد له مظالمه بغير وجل ولا خوف مما أثر في نفس ذلك القائد فهابه واحترمه القائد لشجاعته وقدم إليه طعامًا فلم يأكل، وامتنع ابن تيمية عن الطعام فقال له: لم لا تأكل؟ فقال: «كيف أكل طعامك، وكله مما نهبتم من أموال الناس واغتصبتم من متاعهم» كان ابن تيمية يحس أن الله يؤيده ويثبته، ويرفع أمره لأنه يدافع عن العوام وعن حرمات المسلمين والله فوق كل جبار عنيد، لذلك لانت قناة «قازان»، قائد التتار وقال: «إني لم أر مثل هذا الرجل، ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه».

ثم قال له الطاغية ماذا تريد؟ قال: أريد ألا تروع الناس بالغزو هذه الأيام، وكان ابن تيمية يريد أن يؤجل الغزو حتى يستعد المسلمون للدفاع عن ديارهم، وأريد أن تفك قيد الأسرى الذين عندك فهم من المزارعين ولا ذنب لهم ولا جريرة فأجابه الطاغية «قازان»، إلى طلبه، وأمر بفك أسرى المسلمين، وكان هناك أسرى من النصاري ولكن الشيخ أبى أن يعود إلى دمشق إلا ومعه جميع الأسرى من المسلمين والنصارى واليهود. 

وذهب ابن تيمية إلى دمشق ولم يضيع الوقت فأخذ يحض الناس على الاستعداد للجهاد، ثم قال لهم بدل أن تنفروا فارين، انفروا مجاهدين.

ثم تقدم ابن تيمية خطوة أخرى، وهي عزمه على الذهاب إلى مصر لتحريك الناصر بجند مصر لملاقاة التتار مع جيش الشام، وكانت الشام في ذلك الوقت تابعة لسلطان مصر، ووصل ابن تيمية إلى مصر وقابل السلطان الناصر، وقال له قوله الحازم: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايتها أقمنا لها سلطانًا يحميها ويدافع عنها، ولا يصح أن تكونوا حكامًا لها في الرخاء ومتخلين عنها في الشدة، وحتى لو قدر أنكم لستم حكامًا لها فإن عليكم واجب النصرة للمسلمين». 

ومازال ابن تيمية يحرض السلطان ومن حوله حتى خرج السلطان بجنده إلى الشام، وعاد ابن تيمية مع الجيوش بشيرًا وعاد إلى الناس الأمن وحميت النفوس واستعدت للجهاد، وجاء التتار بجموعهم إلى الشام فوجدوا جيش مصر والشام في انتظارهم وتحالف العلماء والقضاة والأمراء على ملاقاة العدو وعدم الفرار من الزحف ودعا ابن تيمية إلى الجهاد وحرض على الموت في سبيل الله، وأخذ سلاحه وصال أمام الجند، وذهب إلى الميدان يتقدم الكتائب، وقد سأله السلطان أن يقف إلى جواره مع جند مصر، فقال: السنة أن يقف الرجل مع جند قومه وتحت رايتهم، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وكانت الموقعة في رمضان فحث الجند على الإفطار، وروى لهم قول النبي ﷺ في غزوة الفتح: «إنكم ملاقو العدو والفطر أقوى لكم» ودارت المعركة وانتصر جيش المسلمين ووقف ابن تيمية موقف الموت هو وأخوه وأبلوا بلاء حسنًا، وكان النصر المبين. هؤلاء هم علماء المسلمين، وهؤلاء هم رجاله، أما الذين رضوا أن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم، وصاروا سدنة وكهنة لهذا أو ذاك، فلا يصح لهم أن ينتسبوا إلى هذا الدين العظيم، ولا إلى رسوله وسلفه الصالح والأمة اليوم تحتاج إلى رواد وإلى رجال، فإذا لم يكن علماؤها وفقهاؤها روادها في ساعة الشدة، وفي أيام البأساء والضراء فمن يكون فهلا سمعنا عن اتحاد للعلماء، أو جمعية لهم تنادي في الأمة: حي على الفلاح، ولقد سمعنا في هذه الأيام عن جمعية لعلماء الأزهر في مصر. ولكنها ما كانت تظهر حتى نهشتها ذئاب من المشايخ وافترست أمينها العام، ولا معين له ولا نصير إلا الله، ولكننا نهمس في أذنه بقولة القرآن:

﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا إن الله معنا (التوبة:40) 

الرابط المختصر :