العنوان على مثلك فلتبك البواكي
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 53
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 29
السبت 09-سبتمبر-2006
«فداك أبي وأمي يا مسرى رسول الله. ما أعز مكانتك في نفوسنا. يا أيها المسجد الأسير. ما أعظم حرمتك. ما أشد شوقي للصلاة فيك وأنت حر طليق»
عندما كنت أقرأ ترجمة التابعي الجليل عبد الله بن المبارك وأنه كان يتاجر من أجل الإنفاق على العلماء، لا لهدف آخر، أتعجب وأقول في نفسي: هل يوجد في مثل هذا الزمان من يشبه عبد الله بن المبارك؟ وهل يعقل أن يعمل إنسان في التجارة ويخسر المال الكثير والجهد الكبير من أجل أن ينفق على أعمال الخير؟ هل يوجد تاجر في الأمة الإسلامية ليس له غرض من تجارته سوى الإنفاق على الخير؟ وكان الجواب -بيني وبين نفسي: «ذلك مستبعد».
ولما التقيت بأبي بدر «عبد الله العلي المطوع» عام ١٩٧٥م في بداية دراستي في بريطانيا، وكنت موفدًا من إحدى الجمعيات الخيرية في لندن لجمع المال لإكمال بعض المشاريع الإسلامية، ودخلت عليه مكتبه، وإذا به يرحب بي ترحيب من يعرفني منذ أمد بعيد، وشعرت بأنني ابن له منذ تلك اللحظة حيث غمرني بعطف الوالد على ولده، ثم لم يكتف بإعطائي الدعم المالي، إنما وجهني لتجار آخرين لجمع المبلغ الذي كنا نحتاجه. في ذلك الوقت لم أكن وحدي في مكتبه بل كان-كالعادة آخرون داخل المكتب، وآخرون خارجه ينتظرون دورهم، وكل من أولئك يأخذ نصيبه. ولا أتذكر أنه أعطى وفدًا من الداخل والخارج أقل من «خمسمائة دينار» هذا في الساعة التي قابلته فيها، فكيف بالساعات التي سبقت لقائي به والساعات التي بعده حتى العاشرة مساء، وأحيانًا يتجاوز الوقت تلك الساعة.
وقتها علمت أنني أمام نمط آخر من الرجال، ونوعية أخرى من الدعاة، وصنف آخر من التجار.
وحينها بدأ التساؤل الذي تساءلته عند قراءتي لترجمة ابن المبارك يجد شيئًا من الإجابة.
وبعدها تعرفت على الكثير من التجار المحسنين من بلدي ومن بلاد أخرى، ورأيت من صفاتهم ما يلتقون به مع العم «بو بدر» إلا أن أحدًا منهم على الخير الكثير الذي فيهم لا يجاريه.
كان بعض من التقيت بهم من التجار والمحسنين، يمتنع أحيانًا من دعم بعض المشاريع التي لم يقتنع بها، أو لقناعته بكفاية الدعم السابق لهذه الجهة، إلا أن أبا بدر لم يكن كذلك، إنه لا يعرف كلمة: «لا» للعمل الخيري، ولا يستطيع أن يرد أحدًا ممن يتقدمون له طالبين العون.
أبو بدر بالرغم من مشاغله الكثيرة -ويعرف من يعمل بالتجارة ما هي انشغالات التجار- ورغم توسع تجارته، إلا أنه ما كان يترك صلاة الجماعة في المسجد، ولا حضور نشاط من أنشطة الدعوة.
كان -رحمه الله- يصلي صلاة الفجر هو وأبناؤه منذ كانوا صغارًا، ويجلس بعد الصلاة يقرئهم القرآن حتى الشروق، ثم يمشي مع بعض المصلين في الحديقة الملاصقة للمسجد، ثم يذهب للبيت. هذا برنامجه الصباحي كل يوم حتى آخر أيامه.
أبو بدر، لم يكن مشهورًا بالإنفاق فحسب بل كان من أبرز الدعاة لوحدة العمل الإسلامي، وكان دائمًا يجمع بين الدعاة على اختلاف مشاربهم في بيته لنبذ الخلاف بينهم، ويعمل جاهدًا على وحدتهم. كان أبو بدر من أبرز رموز الوسطية.
وكان أحد صمامات الأمان في الحركة الإسلامية، وكان أحد المحافظين عليها من الانجراف إلى التطرف.
وكان -رحمه الله- لا تأخذه في الله لومة لائم -فإذا ما رأى منكرًا يذهب بنفسه لأصحاب القرار لإنكاره، وكان يجد منهم الاستجابة والاحترام والتوقير، وكان يسعى دائمًا لإرجاع الأمة إلى الأصالة والشخصية الإسلامية التي ميزتها عن غيرها، وكان يحارب التغريب والانخلاع عن شخصية الأمة.
وكان في ذلك لا يخشى على مكانته التجارية أن تتأثر، أو يخسر بعض الامتيازات مادام ذلك التحرك في سبيل الله.
وبالرغم من شهرته داخليًا وعربيًا وإسلاميًا كان يتسم بالتواضع الجم، وكان يتبسط مع السائق والعامل، والموظف البسيط، وكان يجلس معهم، ويسأل عن أحوالهم، ومع صغار الدعاة، وكبارهم، وكان من أحب الأمور إليه تسليم المعونات الرمضانية بيده للفقراء الذين يتجمهرون أمام مكتبه.
وبعد مرور ثلاثين عامًا من معرفته والاحتكاك به تأكد لي الجواب الذي كنت أبحث عنه أن الأمة ما زال فيها من يشبه ابن المبارك في عطائه وكرمه وبذله. رحمك الله يا أبا بدر، فعلى مثلك فلتبك البواكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل