; عمر أسير في لبنان.. وحسن وطاهر بين قتلى الصهاينة.. دروز فلسطين 1948 لماذا يحاربون ضد العرب؟ | مجلة المجتمع

العنوان عمر أسير في لبنان.. وحسن وطاهر بين قتلى الصهاينة.. دروز فلسطين 1948 لماذا يحاربون ضد العرب؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

مشاهدات 54

نشر في العدد 1429

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

دهش المتابعون لأحداث الانتفاضة الفلسطينية لأن بين قتلى جيش العدو الصهيوني جنود وضباط بأسماء عربية مسلمة، حيث عمر سويد ضمن الجنود الثلاثة الذين اختطفهم حزب الله في لبنان، وسامر حسن قتله أحد الفلسطينيين، وخليل طاهر الذي قتل في عملية لحزب الله في جنوب لبنان وغيرهم كثير. 

كما بثت وكالات الأنباء صور ذويهم من النساء بلباسهن المحتشم خلال تشييعهم... وقد برزت تساؤلات عن قصة هؤلاء وكيف انخرطوا في جيش العدو.. والحقيقة أن هؤلاء العسكريين هم من الدروز العرب الذين انخرطوا في المجتمع الصهيوني وصاروا يخدمون جيشه بإخلاص غريب.. ما قصة هؤلاء الدروز مع الكيان الصهيوني؟ المقال التالي يسلط الضوء.. وهو عن دراسة للدكتور دينيس ووكر بعنوان «إبهام القومية الدرزية في إسرائيل». 

بعد إقامة إسرائيل، انقسمت الأقلية الدرزية الفقيرة والأمية فيها إلى جماعتين سياسيتين رئيستين هما القوميون العروبيون الذين كانوا مغرمين بمصر عبد الناصر، والقوميون الدروز الخصوصيون الذين كانوا ينطقون بعبارات تأييد الدولة اليهودية ويطلبون دخول مؤسسات الدولة والاشتراك في مواردها وخدماتها على قدم المساواة مع اليهود. 

جمهور قراء العالم العربي يعرف من بين القوميين الدروز العروبيين الشاعر الغاضب سميح القاسم، ولكن يبدو أنه قد حان الوقت كي ينظر المفكرون العرب بدقة أكثر في نشاطات وإنجازات فئة القوميين الخصوصيين بين دروز «إسرائيل» الذين صنفهم سميح القاسم وقتئذ في تعداد العملاء والنفعيين والخونة، فقد قاد د. سلمان فلاح فئة الدروز «الخصوصيين»، منذ الخمسينيات ولم يتمكن من السيطرة على مقاومة عروبيي طائفته إلا في التسعينيات، إلا أن بقاءه في الوظائف المهمة في جهاز التربية والتعليم هذه المدة الطويلة  قد مكنه من متابعة سياسية تماشت مع مصالح الدولة اليهودية في بعض النواحي، ولكنها حققت بعض التقدم التربوي والاقتصادي للأقلية الدرزية الفقيرة كذلك في الوقت نفسه، واحتفظت كذلك بأسس العروبة الثقافية للأقلية الدرزية في وسطها اليهودي بسرعة مناورات الدكتور سلمان صدًا لمحاولات الموظفين اليهود لفرض اللغة العبرانية كواسطة للتدريس بدلًا من العربية الفصحى في المدارس الدرزية. 

كان دعاة القومية العربية بين الأقلية الدرزية في عقود ماضية يحاولون تصوير الديانة الدرزية بأنها فرع من الإسلام يكاد يكون مذهبًا بسيطًا فحسب - بجانب مذاهب السنة الأربعة، في حين أن د سلمان - وأعوانه كانوا يصورون الدرزية على أنها ديانة منفصلة عن الإسلام وأن الدروز قومية منفصلة عن العرب، وقد طور الخصوصيون الدروز هذه المواقف  لتقف في وجه محاولات الفئة العروبية ربط الأقلية  الدرزية بحركات الأصولية المسلمة حول رمز المسجد الأقصى في مدينة القدس كي يشكلوا جبهة مشتركة بين الدروز وأهل السنة الفلسطينيين في الضفة والقطاع تقاوم مارب الدولة الصهيونية وشخصية شكيب أرسلان الدرزي الذي أصبح من قادة الوحدة - العربية وحتى من قادة الوحدة الإسلامية رمز في الخطاب الثقافي الدرزي الإمكان انخراط الطائفة في غدت القومية العربية المعاصرة.

غذت فئة فلاح «الخصوصية» في التسعينيات تطور مجلة «العمامة» التي هي مزيج من الاتجاهات الخصوصية والعروبية قد تكون الوجه الحقيقي لفتة الخصوصيين الذين أعلنوا ولاهم للدولة الصهيونية عبر امتداد هذه العقود في خطاب القوميين العرب في العالم العربي العام ظل السلطان صلاح الدين الأيوبي وسحقه الدولة الصليبيين رمزًا لهجوم من طرف عرب القرن العشرين ضد إسرائيل ومن الطريف أن نرى مجلة «العمامة» العدد السادس والعشرون إبريل ۱۹۹۹م تعيد طبع قصيدة مطولة بقلم شكيب أرسلان الدرزي الأصل يشيد بانتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في معركة حطين في فلسطين في يوليو ٥٨٣هـ - ١١٨٧م. 

علينا ألا نبالغ في قياس مدى استياء «الفئة الخصوصية»، بين دروز إسرائيل من الدولة اليهودية التي لا بد لهم من أن يعيشوا في ظلها، وقد قدم الدروز خدمات لبقاء دولة إسرائيل منذ تأسيسها بوصفهم جنودًا مجندين في جيوشها، فتلقت الجالية تعويضات مالية وموارد وفرصًا وخدمات اجتماعية من الدولة لمشاركتهم العسكرية في الجيش لم يحصل عليها سنة عرب إسرائيل ولا مسيحيوها الذين صدوا عن الاشتراك في الجيش، إلا أن خدمات الدروز العسكرية لم تغير في كل الأحيان من الاحتقار العميق الذي يكنه كثيرون من اليهود الأشكناز نحو كل عربي فالدروز الإسرائيليون لا يزالون الشعب غير المرئي والمهمل بعد كل ولاء وخدمات «فئة الخصوصيين» عبر عقود من الزمن. 

رسالة احتجاج

ففي عام ۱۹۹۹م بعث أمل نصر الدين رئيس مجلس إدارة بيت الشهيد الدرزي برسالة احتجاج للبروفيسور موشيه ارينز وزير الدفاع يعرب فيها عن استيائه لعدم ذكر مساهمة الطائفة الدرزية في كتاب رسمي صدر عن وزارة الدفاع مؤخرًا بمناسبة مرور خمسين عامًا على قيام دولة الكيان، كما أن أمل نصر الدين بعث بنسخ من كتابه إلى رؤساء المجالس المحلية الدرزية، مما حدا برئيس مجلس جولس المحلي الجديد السيد سلمان هنو أن يكتب إلى مدير بيت الشهيد الدرزي عن خيبة أمله الشخصية حيث إنه قبل أن يترك الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي وصله الكتاب هدية وفتش فيه بدقة فلم يجد أي ذكر لخدمات الطائفة، ورد أرينز على الاحتجاج برسالة خاصة لأمل نصر الدين يعلل فيها هذا بتقصير وخطأ من محرري الكتاب فيقول عن لسان مدير دار النشر. 

نأسف جداً أنه لم يرد ذكر مناسب ولائق في الصور أو المادة «في الكتاب» المساهمة الطائفة الدرزية في حفظ أمن إسرائيل، لقد أخطأ المحررون عندما أهملوا ذكر الجانب الرائع للدروز في قوات الأمن وحروب إسرائيل «بيت الشهيد الدرزي: وزير الدفاع يعتذر..» العمامة عدد ٢٧ أبريل ١٩٩٩م ص ۳۸»

ولا يزال ثمة قانون صامت ألا يؤذن لضابط درزي أن يتصاعد إلى مرتبة أعلى من مرتبة عقيد في العسكر، إزاء هذا التمييز وهذه التفرقة، من الطبيعي أن يشاطر بعض أعلام الخصوصيين فئة العروبيين بعض عواطفها نحو النظام الإسرائيلي، فتؤدي مجلة «العمامة»، تحية عسكرية خفيفة نحو شکیب أرسلان وصلاح الدين الراقدين تحت الثرى، وسط عبارات المدح المسموم نحو صفوة اليهود الأشكناز، إلا أن د. سلمان فلاح وخصوصييه يحترمون قوة الدولة اليهودية وحداثتها الفائقة التي يريدون الدخول فيها كمواطنين متساوين يريد الخصوصيون الدروز وجمهور الدروز العاديين في إسرائيل تقاربًا معتدلًا مع العرب والفلسطينيين خارج إسرائيل على أساس إقامة موازنة بين مواطنيهم اليهود وأولئك الأخوان في لغة الضاد. 

إلا أن تحيز بعض الإسرائيليين ليس المشكلة الوحيدة التي تعترض الوصول إلى تلك الموازنة المنشودة، فقد واجه دروز الشرق الأوسط السلبية القوية نحو عقائدهم وكيان مجتمعهم من طرف العرب السنة والمسيحيين على حد سواء، ولم ينته عنف هذا الرفض مع وصول الدول العربية إلى الاستقلال السياسي من الاستعمار في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فسلمان فلاح واعوانه تشكلوا نفسانيًا في سياق توترات بين دروز سورية ولبنان وبين حكومات وأنظمة تلك الدول الحديثة الاستقلال، كما ذكر فلاح جمهوره في التسعينيات، فكان هجوم نظام أديب الشيشكلي ضد الأقلية الدرزية في سورية في سياق أول عمل خصوصي درزي قام به سلمان فلاح إبان فترة مراهقته، فقد كان طالبًا في مدرسة الرينالي في حيفا عام ١٩٥٤م حيث اشترك في كشافة المدرسة إذ عرض عليه مديرها اليهودي فكرة إقامة كشاف خاصة بالشباب الدروز فالتقى المراهق فلاح في حينه القائد الروحي لدروز إسرائيل الشيخ أمين طريف في القدس وعرض عليه موضوع الكشاف الدرزي كان ذلك في الثاني من شهر فبراير سنة ١٩٥٤م، وفي مكتب رئيس الحكومة آنذاك موشيه شاريت في القدس، فقد جاء الشيخ مع عدد من المشايخ الدروز الإسرائيليين إلى رئيس الحكومة ليطلب مساعدته لكف يد الشيشكلي، عن ضرب جبل الدروز بعد أن ثار عليه إخواننا في الجبل لظلمه وتعسفه ولتعديه على شخصيات الدروز ومقدساتهم، وبعد أن أرسل الطائرات الحربية لقصف الجبل وخاصة القرية مسقط رأس الزعيم الدرزي الكبير سلطان باشا الأطرش، فجاء فلاح إلى هناك بناء على طلب من مكتب رئيس الحكومة لترجمة أقوال الشيخ أمين للرئيس موشيه شاريت، وكان آنذاك طالبًا في الصف العاشر بمدرسة الرينالي العبرية بحيفا. ولكن شاريت الحذر رفض التدخل في العنف والكبت الطائفي في سورية مساندة الأقارب دروز إسرائيل هناك فاكتفى بمدح الشيخ أمين طريف وتقدير مواقف الدروز وشجاعتهم ورفضهم الظلم والطغيان وأثنى على مواقفهم وإخلاصهم الدولة إسرائيل وللشعب اليهودي «انظر مقال ٤٥ عامًا التأسيس منظمة الكشاف الدرزي الإسرائيلي «العمامة» عدد ٢٦ أبريل ۱۹۹۹ م ص (۳۲). 

لم يتدخل شاريت في عام ١٩٥٤م ولكن حكومات بن جوريون ومناحيم بيجين والليكود حاولت إيغار صدور سنة ومسيحيي ودروز سورية ولبنان بعضهم على بعض، فربما فعل فلاح وأعوانه الخصوصيون خدمات عبر عقود من الزمان، ولكن فلاح وجماعته مارسوا في الفترة نفسها دبلوماسيتهم الدرزية الخاصة نحو العرب السنة والمسيحيين طلبًا للموازنة وحل إيجابي لهامشية دروز إسرائيل يجعلهم عنصرًا وسطًا في عملية تفاعل سلمي بين إسرائيل وجيرانها.

العنصرية

ولكن مشكلة اللامرئية العنصرية استمرت إلى عتبة القرن الحادي والعشرين عبر نصف قرن من الدولة اليهودية، فقد أخذت حكومات إسرائيل المتتالية معظم أراضي مدنييها الدروز الآن فأصدر المجلس المحلي يانوح - حث النشرة السنوية الرابعة العام ۱۹۹۹م التي يجمل فيها نشاطاته وفعالياته خلال السنة التي تضم المجالات والنواحي كافة في القريتين، وتحدثت النشرة عن أوجه الصراع الدائر بين المجلس المحلي وبين المستوطنات اليهودية المجاورة التي تحاول الاستيلاء على أراضي المجلس، وقد تشكلت لهذا الغرض لجنة شعبية من القرية برئاسة الشيخ أبو علي مهنا فرج عقدت عدة جلسات وقامت بإجراءات قانونية من أجل المحافظة على الأراضي ووردت في النشرة الكثير من المكاتبات والمراسلات مع الدوائر الحكومية المختلفة المتعلقة بهذه القضية، ثم تستعرض النشرة الاقسام المختلفة للمجلس المحلي مبرزة فعاليات وإنجازات كل قسم في نطاقه، ومن هذه الأقسام قسم القوى البشرية وقسم الأمن والأمان والجناح الفني وقسم الصحة وقسم البنية التحتية وقسم المياه والمجاري وقسم السياحة وجناح المعارف والتربية وقسم الرياضة والشباب وقسم ترقية الشبيبة وجناح الخدمات الاجتماعية وقسم الثقافة والفنون والمكتبات وأخيراً جناح المحاسبة والحسابات. 

يستدل من النشرة أن القريتين تشهدان نهضة عمرانية واسعة النطاق فقد شقت شوارع جديدة ومنها الطريق الحيوي جدًا بين يانوح وجث، وتم كذلك إنجاز مرحلة كبيرة في مشاريع المجاري العامة، وفي مجال السياحة ثم إدخال القريتين في مسار الخرائط للسائح الإسرائيلي وأنجز تنظيم مهرجان الزيت والزيتون للمرة الثالثة على التوالي حيث زار القريتين في آخر مهرجان أكثر من خمسة عشر ألف زائر «عناقيد - نشرة المجلس المحلي- يانوح - جث «العمامة»، عدد ٢٦ نيسان / أبريل ١٩٩٩ م ص ۳۹». 

الإشكالية المركزية

يبدو أن الأقلية الدرزية في إسرائيل تحت قيادة سلمان فلاح والخصوصيين تتطور إلى مرحلة جديدة في تاريخها ستمكنها من تحقيق قدر أكبر من الاستقلال والحياد ومن الموازنة ما بين الدولة اليهودية والشعوب العربية المحيطة بها فقد تمكنت الأقلية من تطوير نفسها تربويًا واقتصاديًا مع الحصول على بعض الموارد النقدية والإدارية من الدولة ولكن مع هدم واغتصاب شبه كاملين لممتلكاتها الزراعية السابقة تمكنت الطائفة من المحافظة على لغتها العربية الفصحى وتعميقها وتوسيعها في القرى الدرزية النائية. 

من الصعب أن تصادف أي بيئة ناطقة بالعربية فيها شرائح متتالية من الخداع والإبهام والتكتم والتواري وسرعة المناورة والتكيف تساوي كثافة هذه المظاهر بين قطاعي القوميين الخصوصيين والعروبيين في أقلية دروز إسرائيل، حتى وصلنا إلى وضع قد لا يعرف فيه رجال المخابرات الإسرائيلية الداخلية نفسها من هو في الجالية، وإن أصبحت الظروف أكثر سلمية في الشرق الأوسط قد يستفيد كل من دروز إسرائيل والعرب الخارجيين من التبادلات الثقافية على حد سواء، إلا أن الدروز الإسرائيليين لم يحلوا بعد الإشكالية المركزية أي العيش بين أمة يهودية لا يسر بعض أعضائها وجود الدروز بينهم، كما أن الأقلية لم تحل بعد في أي فئة من فئاتها العقائدية مشكلة أي أمة سياسية تنتمي إليها إلى أمة درزية مصغرة أحيائية تكون منحصرة داخل إسرائيل فحسب، أو إلى أمة درزية أوسع تشمل بعض قطاعات سورية ولبنان والأردن، أو إلى أمة إسرائيلية متعددة الطوائف «ولكن هذه لم توجد بعد لا قانونيًا ولا عاطفيًا» أو إلى أمة فلسطينية أوسع؟ أو إلى أمة عربية، وحدود ممتدة من المحيط إلى الخليج؟ هذه أسئلة لم تجب بعد. 

الرابط المختصر :