العنوان عندما كلمت حماس اليهود بِلُغَتهم..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 12-مارس-1996
في يونيو «حزيران» ۱۹۸۱م أجرى سلاح الجو الإسرائيلي «تجربة» على قنبلة جديدة حصل عليها، وسميت وقتئذ بالقنبلة «الفراغية» ولم تُجرَ التجربة في ميدان للرماية، بل في قلب مدينة بيروت، وتحديدًا في شارع الفاكهاني، حيث قيل إن هناك قيادة للمقاومة الفلسطينية.
كانت النتيجة مسلخًا داميًّا تحت سمع وبصر وكاميرات وسائل الإعلام الدولية، حيث تلاشت العمارات السكنية بمن فيها، وتطايرت الأطراف البشرية والأشلاء إلى مئات الأمتار، ومكثت فرق الإنقاذ أيامًا في جمع بقايا الضحايا من الأطفال والنساء تحت الأنقاض، وزادت محصلة التجربة الإسرائيلية هذه عن ٢٤٠ مدنيًّا بريئًا وهو رقم لا يزال أعلى بكثير من مجموع عدد القتلى الإسرائيليين في عمليات حماس «الاستشهادية»، التي جرت خلال السنتين الأخيرتين.
ومذبحة «الفاكهاني» التي مرت مرور الكرام على العواصم الدولية والعربية على حد سواء، لم تكن سوى صفحة سوداء واحدة من صفحات كتاب الرعب الصهيوني الذي فُرِض على المنطقة منذ عام ١٩٣٦م، وسبقتها مذابح دير ياسين وقبية، والحروب الوحشية ضد الجوار العربي أعوام ١٩٥٦ و ١٩٦٧، و ۱۹۸۲م، والقصف والتدمير الدائم والمستمر لجنوب لبنان، وسكان فلسطين، وشهداء الحرم الإبراهيمي، وشهداء الانتفاضة وغيرهم.
وهذه اللغة الإسرائيلية القائمة على تمزيق أجساد الأبرياء وبعثرة أشلاء الأطفال، وإطلاق ابتسامة النصر المتعجرفة فوق الجثث العربية المحترقة لم تكن تلقي في الغرب إلا قليلاً من التحفظ والأسف وكانت تلقى كثيرًا من التصفيق والإعجاب بهذا البأس العسكري اليهودي الذي «لا يقهر»!! و«شجاعة» الدولة العبرية، وعبقريتها القتالية في مواجهة المحيط العربي الإسلامي.
الآن وقد بدأ نفر من أبناء أرض الإسراء يكلمون «إسرائيل» بلغتها، ويكيلون لها بمكيالها، ويذيقون الصهاينة قطرات من بحر الدموع والدماء الذي أغرقوا فيه أمتنا، يتعالى صراخ الصهيونية الدولية، وتكاد «إسرائيل» تتمزق ذعرًا وغضبًا، فتنادي العالم كله بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة شبح ما يُسمى بـ «الأصولية الإسلامية».
ونجد الإعلام الدولي المنقاد من ناصيته لليهود يملأ الأرض إرهابًا للعقول والأذان والأبصار، مدعيًّا أن ما عملته «حماس» هو «الإرهاب»، ومن يدعم «حماس» فهو إرهابي أيضًا، ومن لا يستنكر قنابل «حماس» فهو إرهابي كذلك، ومن لا يتعاطف مع «إسرائيل»؛ لكسر شوكة حماس المنغرسة في خاصرتها فهو من الإرهابيين.
فأين ذهبت المسالخ الجماعية التي أقامتها «إسرائيل» على مدى ما يقرب من ستين عامًا؟ وأين الألف وستمائة شهيد الذين سقطوا في الانتفاضة المباركة برصاص القناصة اليهود، وتحت دباباتهم، وتحت التعذيب في السجون، وكثير منهم من الأطفال والنساء والعجائز؟ وهل يمكن أن يُذبَح ١٦٠٠ بريء في الانتفاضة وعشرات الآلاف غيرهم في ما سبق دون أن يكتشف العالم إرهابيًّا واحدًا يحمل الجنسية الإسرائيلية؟
إن البيانات التي دبجتها بعض حكومات العالم العربي استنكارًا لعمليات الثأر الجهادية تكاد تعني موافقة هذه الحكومات على ما سلف على يد اليهود من فواجع دامية بحق الشعوب، وإلا فمن ينكر على الضحية أن تثأر من قاتلها؟ ومن ثم فإن ما قامت به «حماس» ليس سوى رد على انتهاكات «إسرائيل» المستمرة ضد العرب في المنطقة.
وبلغ من صلف اليهود أن يُحَرِّض شيمون بيريز وعبر وسائل الإعلام العالمية الرئيس الأمريكي للضغط على العواصم في المنطقة من أجل ضرب التيار الإسلامي تحت شعار مكافحة الأصولية والإرهاب، وأن يُهرع هذا الأخير لإطاعة أمر «إسرائيل» ويباشر التنفيذ.
ولعل أكثر ما أغاظ اليهود واستنفرهم تلك التقارير الصحفية التي عكست الموقف الشعبي في العالم العربي الشامت بإسرائيل، والمتعاطف مع حركة الجهاد في فلسطين، لأنه إن كان يمكن إخضاع بعض الحكومات للعصر الإسرائيلي فإن الشارع العربي لا يمكن أن يخضع لغير الثوابت الإسلامية التي تحدد ما هو السلام العادل الحقيقي في المنطقة.
وإذا كانت «حماس» بمنطلقاتها الفكرية والتنظيمية وسياستها التي اختارتها لمواجهة الغرور الإسرائيلي تمثل أحد روافد الأمة في مقاومة الاحتلال، فإن قضية فلسطين تبقى في ضمير الأمة قضية خالدة لا تلغيها الظروف المؤقتة وإن ساءت، وإذا لم تكن «حماس» في الميدان فسيكون فيه غيرها، فقضية فلسطين ليست قضية «حماس» ولكنها قضية الأمة الإسلامية كلها.
إن العمليات الأخيرة إذ تضرب «إسرائيل» في خاصرة غرورها الأمني والاستخباراتي فإنها ستفضح قريبًا التصور اليهودي لما يسمى بعملية السلام، فعملية السلام في نظر «إسرائيل» ليست إلا غطاء مرحليًّا لحاجات الأمن الإسرائيلي، و«إسرائيل» قادرة على تمزيق كل لوائح وبنود اتفاق أوسلو متى ما دعت الحاجة الأمنية لذلك، بل إن الاتفاق الذي وقعه عرفات مع اليهود يتضمن في نصه حق «إسرائيل» في النكوص عن العملية «السلمية» برمتها متى ما رأت ذلك.
وعندما يدخل الجنود اليهود المدجَّجُون بالسلاح إلى الضفة الغربية وغزة لاختطاف المواطنين وإرهابهم، وهدم منازلهم فإنهم سيؤكدون موقع ياسر عرفات وحزبه السياسي كموظفي بلدية عند اليهود في هذه المناطق التي لا تزال -من الناحية الاستراتيجية- تحت الاحتلال اليهودي.
وعرفات يكاد يُثبِت الآن أنه أسوأ من أن يكون مجرَّد مختار بلدية لليهود، فهو تحوَّل -أو كاد- إلى شرطي إسرائيلي يطارد أبناء الحركة الإسلامية، وكل الرافضين للخضوع للمخططات اليهودية، وهذا نهج قد يُبقي عرفات وفريقه العلماني قليلاً في هذه المواقع التي مكنهم اليهود منها، لكن الزمن سوف يتجاوزهم في نهاية المطاف.
أما «إسرائيل»، فإن لغتها القائمة على الفتك والسحق والتلويح بجهازها الحربي المغرور لن تتغير مهما دخلت مسميات السلام والشرق الأوسط الجديد في قاموس التداول الإعلامي والدبلوماسي، وطياروها المجرمون جاهزون لتكرار مذبحة «الفاكهاني»؛ لأن لغة الإرهاب والفتك بالأبرياء هي اللغة المفضلة عند هذا الكيان المعتدي، الذي لا يصلح في الرد عليه إلا نفس اللغة التي يتحدث بها .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل