الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
• الإسلام هو اختيار طريق العبودية لله عز وجل بدون قيد أو شرط
إن الأمور الأساسية التي يدعو
الإسلام بني آدم إليها:
أولها: أيها الناس، اعبدوا
ربكم الذي خلقكم، وبسط لكم الرزق، ثم جعلكم خلفاء في الأرض وجعلكم درجات متفاوتة ليبلوكم
أيكم أحسن عملًا، وليعلم من الذي يختار طريق طاعته واتباع أحكامه، ومن الذي يكفره وينكر
نعمه، كما أنه يوضح لهم: إن الذي يؤمن به ويطيعه ينال بعد موته الجزاء الحسن على أعماله
وهو جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، والذي يكفر به ويسير في دروب التمرد والعصيان
يُلقى في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا.
ثانيها: أيها الناس، أنتم أسرة
واحدة فالله خلقكم من نفس واحة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وجعلكم
شعوبًا وقبائل وأسرًا ودوائر لتتعارفوا وتستأنسوا بينكم، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم،
واعلموا أن كلكم من آدم، وآدم من تراب.
ثالثها: إن الطريق الصحيح والوحيد
لعبادة الله في الدنيا هو ما جاء به الإسلام، أي يستسلم الإنسان لله عز وجل بدون تردد
أو تلكؤ، ويجعل كل ما يملك من نفس ومال في طاعته، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل
منه، والذي يريد أن يدخل في الإسلام فعليه أن يدخله كاملًا، فالإسلام لا يقبل ولا على
جزء يسير من أموره الأساسية التنازل أو المساومة ويقول: ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا
خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، والذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه لهم عذاب
شديد.
رابعها: لا يكفي الإنسان أن يكون هو
صالح ونزيه في حياته الشخصية، بل الإسلام يوجب على الذين يؤمنون به أن يبذلوا ما وسعهم
في ترشيد المجتمع الذي يعيشون فيه وجعله كذلك يأخذ بالمعروف وينهى عن المنكر ويسير
في طريق طاعة الله وطاعة رسوله، فهو يقول: إنكم إن لم تفعلوا ذلك يأتيكم منه عذاب يعم
العامة والخاصة، (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، ويقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله
أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم».
خامسها: أن يقام في المجتمع
العدل والإحسان وصلة الأرحام، وتغلق أبواب المنكرات والفواحش والظلم والعدوان حتى لا
يقدر أحد على أن يجري على لسانه ذكر المنكرات والفواحش، فضلًا أن يرتكبها، يقول الله
عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
(النحل: 90).
والذين يقبلون دعوة الإسلام
ويؤمنون بها إيمانًا كاملًا ويطيعون الله ورسوله طاعة كاملة هم الذين قال الله عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110) وبعدها يطلب منهم الإسلام أن يكونوا مثلًا في التضامن والتكاتف
والالتزام كما ورد في قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة: 71).
إن الرسول الذي تؤمنون به وتطيعونه
بعثه الله عز وجل لتحقيق ما يلي:
1- أن يبلغ الناس أحكام الله وتعاليمه كما أنزلها الله عليه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾
)آل
عمران: 164).
2- وأن يصلح شئون حياتهم وفق ما أعطاه من أحكام وتعاليم: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (آل عمران:
164).
3- وأن يعلمهم كتاب الله ويفهمهم ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والشرائع
وما يشتمل عليه من مصالح وحكم ومراد الله فيها: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل
عمران: 164).
4- وأن يعدهم إعدادًا كافيًا يتمكنون بموجبه من إقامة نظامهم للحياة على شرع
الله في جوانب الحياة الفردية والجماعية.
وكذلك من أهداف بعثة الرسول
صلى الله عليه وسلم: أن يظهر دين الله على سائر الأديان في الأرض؛ أي يكون لدين الله
العلو والسيطرة وتكون له الغلبة على جميع الأنظمة الوضعية في العالم: يطبق شرع الله
ويسير نظام الحياة البشرية تمامًا وفق كتاب الله وسنة رسوله، ولا يوضع نظام أو قانون
إلا في حدود قررها الله ورسوله.
وكُلِّف المسلمون أيضًا أن
يفعلوا ما أمر الله به رسوله ويحققوا الأهداف المذكورة أعلاه التي حققها الرسول صلى
الله عليه وسلم فعلًا في حياته المباركة.
سادسها: «الإسلام» ليس عبارة
عن عنصر معين، وجنس معين، ولسان معين، ولون معين، وإقليم معين، ومهنة معينة: إنما الإسلام
هو اختيار طريق العبودية لله عز وجل بدون قيد أو شرط وبدون أن يشرك به شيء.. فالمسلم
هو الذي يسير في طريق الإسلام وينقاد لأمر الله ونهيه، وقال الله عز وجل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ
مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ
عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: 78) والشهادة معناها: أن «الحق» الذي اختاره الرسول صلى الله
عليه وسلم ونظام العقيدة والعمل الذي سار عليه في حياته الفعلية، عليكم أيها المسلمون
أن تأخذوا به وتشهدوا على الناس كونه حقًّا وصدقًا وعدلًا فيما تقولون وتعملون.. وأن
تكون مهمة شهادة الحق قائمة ثابتة إلى يوم القيامة حتى لا يأتي الناس يوم القيامة يعتذرون
إلى الله عز وجل إن لم تبلغهم دعوة الرسل. وهذه المهمة هي التي أشار إليها الله سبحانه
وتعالى في سورة قائلًا: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ )العصر: 1- 3).
سابعها: إطاعة الرسول صلى الله
عليه وسلم إطاعة مطلقة؛ إذ إنه ليس هناك من وسيلة موثوقة تعرف بها مرضاة الله وطرق
عبادته وعبوديته إلا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما فعله وقاله وقرره، بل نؤمن بالقرآن:
كتاب الله عز وجل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي بلغه إلينا وبينه لنا، يقول
الله تعالى:
1- ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80).
2- ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
(الحشر:
7).
3- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).
4- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
(النساء:
65).
ثامنها: يبعث الله يوم القيامة
جميع الناس سواء أكانوا أنبياء ورسلًا أو عامة الخلائق ويسألهم عن كل صغيرة وكبيرة
وقول وعمل، يقوم الناس لرب العالمين، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:
7، 8).
وينبه القرآن الناس على كل
ذلك مسبقًا، ويقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ
مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 48).
وفيما يتعلق بتوسيع رقعة الدعوة
الإسلامية وترويجها على أوسع النطاق فلنا أن نستمد مناهجها وأساليبها من كتاب الله
وسنة رسوله أيضًا.
لقد قام الرسول صلى الله عليه
وسلم بالدعوة إلى الله ونشرها بما أوحى الله إليه من طرق مناهج، وأن الجهود التي بذلها
الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة في مهبط الوحي ومصدر الدعوة: مكة، على
رغم الظروف غير الملائمة وفرت له جماعة من أتباعه المستميتين في سبيل الدعوة، وعندما
اقتضت الظروف تركت تلك الجماعة ديارها وأقاربها وأموالها وهاجرت إلى المدينة، ومن هنا
قامت تلك الجماعة بعزيمة صارمة وشجاعة نادرة وتفان منقطع النظير، بالدعوة إلى الله،
إلى أن جعلت جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها خاضعة لتلك الدعوة منقادة لها، وأصبحت
تلك المنطقة المتخلفة نموذجًا رفيعًا للعدل والأمانة والسلام. ثم بفضل الإسلام ونظامه
للعدل والقسط والسلوك الإسلامي القائم على مسئولية شهادة الحق أينما توجه المسلمون
استسلمت لهم البلاد والعباد وانهارت أمامهم القلاع والحصون انهيار أكوام الرمال وبيوت
العنكبوت. وصارت الأمم تصطبغ بصبغتهم.. ودخلت في دين الله مناطق كثيرة من إفريقيا وآسيا
خارج جزيرة العرب.
نسمع اليوم العديد من العقبات
والمشاكل في سبيل انتشار الدعوة، ولكن العقبة الرئيسية التي تحول في طريق انتشار الدعوة
هي: إن الإسلام مما لا شك فيه أنه موجود في بطون الكتب وأدراج الدواليب، ولكن لا نشاهده
قائمًا مطبقًا متفاعلًا مع واقع الحياة بصورة كاملة في أي بلد في العالم، فالمسلمون
كثيرًا ما يعدون محاسن الإسلام ويذكرون فضائله ومحامده، ولكننا لا نجد شعبًا أو بلدًا
صغيرًا أو كبيرًا يمثله في الحياة الفعلية، ويكون نموذجًا حيًّا لغيره.
ولا نكاد نفهم إذا كان الإسلام
في واقع الأمر نظامًا للحياة لا يضاهيه نظام في سموه وروعته وجودته وبركته فلم لم ينفع
المسلمين ويصلح حياتهم، ولماذا إذن سبق المسلمون غيرهم في كل ميدان من ميادين الفساد
والسوء؟ الحقيقة إنما العيب في المسلمين ولا في الإسلام؛ فالإسلام هو نفسه ما كان عليه
المسلمون الأوائل، وتقدموا بفضله.
ولعلكم تذكرون أنه قد جرى البحث
إلى ما قبل مدة في مؤتمر من مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة حول العقبات
التي تحول دون انتشار الإسلام، فقام أهل العلم والدعوة يشيرون إلى عقبات مختلفة، منهم
من قال: إن القاديانية هي العقبة، ومنهم من قال: إن التيار الاشتراكي والشيوعي هما
اللذان يشكلان العقبات في هذا السبيل، ومنهم من أشار إلى اللادينية والأفكار الغربية
الهدامة الأخرى، ومنهم من ركز على الطائفية والنعرات القومية بين المسلمين. وهناك قام
مسلم أميركي حديث العهد بالإسلام وقال بقلب حزين وبأسلوب مثير: أيها الإخوة، إن العقبات
التي أشرتم إليها هي لا تستطيع أن تحول دون مسيرة الإسلام؛ بل العقبة الوحيدة التي
تحول دون الإسلام: هم المسلمون أنفسهم؛ حيث إن السلوك الذي يمارسه المسلمون في حياتهم
الفردية أو الجماعية هو الذي يبعد الكفار عن الإسلام، بل يجعلهم يستحيون منه. نحن المسلمين
الجدد دخلنا في الإسلام، بما درسناه من الكتب الإسلامية، ثم نحن جميعًا نقوم بنشر الإسلام
في بلادنا ونذكر لغير المسلمين ما للإسلام من محاسن وفضائل وما لرسول الإسلام من أخلاق
عظيمة وأسوة حسنة، فهم يتأثرون بدعوتنا ويستمعون إلى كلمتنا ويميلون إلى ديننا. وإذا
بزعماء المسلمين وعامتهم يأتون من بلادهم إلى بلدنا على صعيد رسمي أو غير رسمي ويزاولون
أمورًا لا تمت إلى الإسلام بصلة بل تنافيه كل المنافاة، فإخواننا المسلمون الجدد يوجهون
إلينا السؤال: «أهؤلاء هم النماذج الإسلامية التي نشأت في ظلال الإسلام؟ وهكذا هؤلاء
المسلمون المنتمون إلى بلاد الإسلام يتسببون في تدمير ما بنيناه في سنوات وسنوات، بين
عشية وضحاها».
وعلى هذا إذا أردنا أن نوسع
نطاق الإسلام ليشمل أرجاء العالم لا بد لنا من أن نجعل منطقة في العالم تكون نموذجًا
حيًّا للحياة الإسلامية وبفضلها يمتد الإسلام إلى أرجاء العالم وينتشر في جميع الشعوب
تلقائيًّا بإذن الله، بنماذجه الحية وأنظمته العادلة.
ومن العجب العجاب أن المسلمين
يبلغون اليوم ألف مليون نسمة ويملكون أكثر من خمسين دولة حرة في العالم، ولكنه ليس
من بلد يحكمه شرع الله كاملًا، بل العكس من ذلك أن المدعين للإسلام هم الذين يتولون
التشريع والحكم تبعًا لهواهم، حتى باكستان التي قامت على تضحيات لا تعد ولا تحصى في
الأرواح والأنفس والأموال قامت على أن تكون دولة تطبق شرع الله لا يحكمها إلا الإسلام؛
ولكن قد مضى عليها أربعون سنة ولم يسمح الحكام فيها للإسلام بأن يبرز إلى الساحة العملية
بشرائعه الكاملة غير المنقوصة.
ومن سنتين ونصف طرح في البرلمان
الباكستاني مشروع لتطبيق الشريعة الإسلامية ولكن الحزب الحاكم «الرابطة المسلمة» لا
نراه مستعدًّا لإقرار هذا المشروع، مع أن المسلمين يطالبونه بتنفيذه، ولا يمنع المسلمين
من القيام ضده إلا خوفهم من حدوث انقلاب عسكري آخر نتيجة الثورة العامة ليسلب ما يتمتعون
به اليوم من حرية قليلة للدعوة والتحرك.
وعلى كل فالجهود مبذولة في
هذا السبيل، والشعب المسلم الباكستاني مصر على موقفه وهو تنفيذ الشريعة الإسلامية،
ونرجو من الله عز وجل أن يكتب لهم النصر.. وهو الولي الحميد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.