; غاب العرب وكارتر يجدد سطوة الإمبراطورية الحبشية | مجلة المجتمع

العنوان غاب العرب وكارتر يجدد سطوة الإمبراطورية الحبشية

الكاتب محمد امين العباس

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 933

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

اختتمت في أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية الجولة الثانية من المفاوضات الجارية منذ الثامن من الشهر الحالي بين وفدي الحكومة الأثيوبية وجبهة التحرير الشعبية، والتي تمت بمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. وقد أعربت الأنباء الواردة من هناك أن الوقت ما زال مبكرًا جدًّا للوصول إلى اتفاق حاسم وربما تظل جولات المفاوضات مفتوحة خلال الست أشهر القادمة، وهو ما يؤكد بعد الشقة بين طرفي المفاوضات.. وقد صرحت دوائر الاتصال الرسمية بالحكومة الأثيوبية بأن المساعي للسلام في أرتيريا تقتضي بالضرورة إجراء مفاوضات مع بقية المنظمات الأرتيرية حتى يصبح الاتفاق على السلام ذا ثقل شعبي وتنظيمي أكبر. 

ويبدو أن نقطة الخلاف الرئيسية مازالت تتمثل في نوعية المستقبل السياسي لأرتيريا والذي تصر الحكومة الأثيوبية على إخراجه في هيئة حكم ذاتي يتمتع بقدر وافر من الحرية، مع إبقاء علاقة اتحادية مع أثيوبيا وهو ما لا يرضي طموح الجبهة الشعبية والتي تطالب بالاستقلال التام عن أثيوبيا باعتبار أن الاستقلال هو الهدف المعلن للجبهة، كما أنه مطلب الجماهير الأرتيرية بمختلف التنظيمات والفصائل العاملة في الميدان السياسي وساحة الجهاد والقتال.. وكان الرئيس منغستو هيلا مريام قد ندد خلال الأسبوع الماضي بسير المفاوضات واتهم الجبهة الشعبية بعدم الجدية في السعي من أجل السلام وقال: «سيظهر قريبًا وبشكل واضح أن الجبهة الشعبية لا تريد حقيقة السلام».

هذا في الوقت الذي أدلى فيه زعيم الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا أسياس أفورقي بحديث ذكر فيه أنه متفائل بالتوصل إلى حل للمشكلة الأرتيرية وقال: «إن الموقف السياس الإقليمي والعالمي يشجع على السلام، ولأن الشعوب تتحدث حاليًا عن حل الصراعات والحروب في كل مكان». وقد عبر أفورقي عن قلقه تجاه موقف الحكومة الأثيوبية بشأن إجراء محادثات مماثلة مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

وكانت جبهة التحرير الشعبية للتيغراي قد أعلنت في وقت سابق بأنها على استعداد بالجلوس مع الحكومة الأثيوبية لإجراء مفاوضات تنهي الوضع المتأزم القائم بين الحكومة الأثيوبية وإقليم التيغراي «المحرر» تقريبًا بكامله من النفوذ الأثيوبي.. وتعبر مشاعر الامتعاض التي أدلى بها أفورفو في حديثه لوكالة «رويتر» بشأن أوضاع جبهة التيغراي عن صلات التحالف بين جبهتي تحرير أرتيريا والتيغراي، وهو ما يضفي غموضًا كثيفًا على هدف جبهة أفورفو التي تتهمها الفصائل الأرتيرية المقاتلة والمجاهدة بأنها إنما تسعى لتجديد شباب الإمبراطورية الأثيوبية بتحالفها مع التيغراي أكثر من سعيها لتحرير أرتيريا واستقلالها التام عن السيطرة الأثيوبية.

نكسة دبلوماسية

تعتبر القضية الأرتيرية إحدى القضايا العربية الإقليمية، وهي منذ تفجرها في مطلع الستينات تطلعت نحو الدول العربية طالبة العدم السياسي والعسكري. وقد أبدت بعض الدول العربية اهتمامًا معقولًا تجاه المشكلة، غير أن أكثرية الدول العربية ظلت متجاهلة للقضية وأصحابها، كما أن جامعة الدول العربية هي الأخرى كانت كثيرًا ما تنطبق مواقفها مع الدول غير المكترثة، وفي كثير من الأحيان تلتزم الصمت تجاه الإشكال الأرتيري.. ولهذا السبب بالذات نجد أن القضية الأرتيرية لم تحظ بالقدر الكافي من الحضور في السياسة العربية على الرغم من الخطورة المترتبة على إبقاء المسألة الأرتيرية في حالتها المتفجرة وما يمكن أن ينعكس من إشكالات للدول المجاورة لها، بالإضافة إلى أن الدول العربية تناست أو تغافلت عن الموقع الاستراتيجي الذي تحتله أرتيريا دوليًّا وخلقها لحالة الخاسرة المترتبة على حالة العداء القائم مع أثيوبيا.. فأثيوبيا شئنا أم أبينا هي الدولة ذات الأغلبية السكانية المسلمة والمساسة إداريًّا بالعرق الأمهري المسيحي، والتي تكتسب من وضعها ذاك اهتمامًا دوليًّا كبيرًا.. غير أن أثيوبيا بالرغم من الاهتمام الدولي المنصب عليها كثيرًا ما تحس بالقلق تجاه العزلة المحيطة بها من قبل جاراتها العربيات. ولذا فهي تتطلع دومًا نحو تحسين علائقها مع المحيط العربي الملاصق لها خاصة عندما تتأزم إشكالاتها الاقتصادية، وهو ما سعت له أثيوبيا مؤخرًا عندما وجدت أن الغرب ليس براغب في نظامها الدكتاتوري المتشدد ماركسيًّا، كما أن السوفييت لم يعد يستهويهم ما يتصل بالرعاية الدولية للاشتراكية، ولهذا لجأ نظام منغستو لإقامة علائق جديدة مع الدول العربية وأرسل في ذلك رسله الذين جابوا دول الخليج، بالإضافة إلى مصر والسودان، غير أن الاستجابة العربية كانت ضنينة بدرجة لم يتوافر معها تبادل وجهات النظر من منطلقات واثقة بخلق أوضاع أكثر تفاهمًا.

وهنا يمكن أن نشير إلى أن الدبلوماسية العربية لم تستثمر الوضع الأثيوبي الساعي لتحسين العلائق وتوظيفه من أجل القضية الأرتيرية، فالإمكانية المطروحة من قبل الأوضاع السياسية والاقتصادية كانت قادرة على دفع الحل العربي لقضية أرتيريا، فقد سئم نظام منغستو حالة العزلة الدولية، كما سئم الحرب الخاسرة التي خاضتها قواته ضد جبهات التحرير الأرتيرية.. وللحقيقة نذكر أن السودان وربما بدعم من بعض الدول العربية الخليجية كانت قد طرحت مبادرة ولقيت ترحيبًا معقولًا من قبل الأطراف المتنازعة، إلا أن السودان تعد طرفًا بعيدًا عن الحياد الإيجابي في القضية؛ وذلك لوجود ملابسة بين مشكلة أرتيريا ومشكلة جنوب السودان (في نظر أثيوبيا على الأقل) وربما كان الطريق لمبادرة عربية يمر عن طريق مصر والتي تتمتع علاقاتها بأثيوبيا بالدفء والثقة المتبادلة وبدعم قوي من دول الخليج ذات الثقل المؤثر سياسيًّا واقتصاديًّا. غير أن الدبلوماسية العربية سجلت غيابها التام عن ساحة تربطها بها قبل الصلات الثقافية مصالح الحضور الاستراتيجي حول حوض البحر الأحمر، والذي يتصل أي وجود دعائي فيه بالاستراتيجية الإسرائيلية، وهو ما يبدو أنه مازال هدفًا غير واضح في المخطط الأمني العربي.. والذي ما زالت الدبلوماسية تقف عنده دون أن تتعدى لخدمة الأهداف الاستراتيجية.

أهداف أمريكية

السياسة الأمريكية من خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تعتمد خطوطًا رئيسية تكاد تصبح نهجًا نمطيًّا، فهي لتحقيق أهدافها في إحكام السيطرة وبث نفوذها تبني علاقاتها مع الأنظمة القائمة بغض النظر عن التوجه الحاكم لسيرها، غير أن الشاغل الأساسي لهذه العلائق يبقى لاستقطاب النظام لخدمة المصالح الأمريكية، وإذا ما فشلت سياسة استقطاب النظام فإن هناك أساليب ماكرة ومؤثرة في تليين موقف النظام، وتبدأ تلك الأساليب بسياسة الجزرة والعصا وتنتهي في الغالب بزعزعة النظام وخلق المشاكل الاقتصادية والأمنية له، وربما تصل إلى إزالة النظام نهائيًّا، وهذه السياسة مارستها الإدارات الأمريكية بوضوح في دول أمريكا اللاتينية كما تمارسها بأشكال متباينة في الدول الإفريقية وبعض الدول العربية، وفيما يتعلق بأثيوبيا فإن الإدارة الأمريكية في عهد كارتر آثرت أن تضفي على وجهها القبيح بعض «المساحيق» الأخلاقية لإزالة التشوهات الكبيرة التي خلفتها سياسة «العصا الغليظة» المعتمدة في عهد إدارة جونسون.. وإذا بكارتر يرفض دعوة مستشاره برجنسكي عندما طالبه بدعم أثيوبيا عام 1977 ضد التفجرات الإقليمية التي أحاطت بها، مما دفع أثيوبيا عمليًّا للارتماء في الأحضان الروسية وهي تشاهد «فورمان» تحطيمها ينسج بدقة وسرعة مستغلًّا الأوضاع الداخلية المهترئة، فقد كانت القوات الأرتيرية على عتبة أسمرا، كما أن القوات الصومالية كادت أن تطوي صفحة الأوغادين الإقليم الشرقي للإمبراطورية العجوز، وربما استقرأ الأمريكان الواقع السياسي للقرن الإفريقي، فوجدوا مناطق نفوذهم مازالت تفيض عن الحاجة ووجودهم على الشواطئ الإفريقية للبحر الأحمر أكبر من أن يزعزعها نظام يتتلمذ على شعارات كاسترو في زمن الفشل الاشتراكي، وظلت العلاقات متأرجحة حتى جاءت سنة 1984 فجاء الأمريكان تحت شعار إنقاذ أثيوبيا من المجاعة، وبدأت لغة الغزل الدبلوماسي تغزو جنبات النظام الأثيوبي المعزول، وبالرغم من استبشار منغستو بالمساعي الأمريكية، إلا أن عوامل ارتباطه بالآخر الماركسي كانت أوثق من حلحلتها خاصة وأن الأمن الداخلي يعتمد على قوات اشتراكية بعضها كوبي وبعضها أوربي شرقي، بالإضافة للمستشارين الروس والأمريكان كالعادة ليسوا في عجلة من أمرهم مادام بعض الاستراتيجية قد أخذ نصيبه في التنفيذ، وما إن افتقد هيلا مريام زمام المبادرة في رد الضغط السلمي الذي أفرده السوفييت لحليفهم السابق حتى بدأ الأمريكان في ساحة «النجدة» ولهذا جاءت مبادرة كارتر السلمية لإجراء المفاوضات حفاظًا على أركان الإمبراطورية الحبشية من التهدم وإحكامًا للسيطرة على بقايا الأنظمة المتمردة في القرن الإفريقي، والأمر الأمريكي يجد دعمًا شعبيًّا باعتبار أن أثيوبيا هي الجزيرة المسيحية في بحر إسلامي متحرك.. لكن يبقى السؤال: هل أمريكا تريد حل المشكلة أم استقطاب أثيوبيا؟ ربما الأيام كفيلة بالإجابة، غير أن كل الدلائل تشير إلى أن الأمريكان مع أثيوبيا الموحدة، ولن يدعموا موقفًا يعارض الوحدة الأثيوبية.

البقية المجهولة

إن مساعي أمريكا في القرن الإفريقي تدعم الاستراتيجية المركزية التي بينتها في الشرق الأوسط- بتمكين دولة الكيان الصهيوني والبحر الأحمر لا يعدو ضاحية شديدة الالتصاق بأمن الدولة اليهودية، كما أن أي تقارب عربي فيه مع أثيوبيا يحرم الدولة اليهودية من مزايا النقاط البديلة عن تأزم الموقف الحربي، ولهذا لم تكن الدولة اليهودية بعيدة عن الأنظمة الأثيوبية، وعلى مختلف العصور.

ومن جانب آخر فإن الغياب العربي عن الدور الأمريكي يتيح مساحة أكبر للحضور اليهودي، كما يدعم بقاء المصالح العربية مع أثيوبيا في دائرة العداوة، وإن لم تبلغ العداء المستمر فإنها تبقى جامدة فلا استخدمت تلك العلائق لمصلحة الاستراتيجية الأمنية العربية، ولا لدعم موقف إخوتنا الأرتيريين، وتبقى قولة الجهاد الأرتيري هي الأقوى إذا ما تماسكت فصائله ضد التآمر الذي تسعى أمريكا لصياغته مع الفصيل المنشق وذو الارتباطات الصليبية- الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 108

90

الثلاثاء 11-يوليو-1972

اعرف وطنك الإسلامي

نشر في العدد 297

86

الثلاثاء 27-أبريل-1976

السودان الشقيق.. إلى أين؟