العنوان غول الأزمة الاقتصادية يهدد روسيا
الكاتب عبد الحكيم مرة
تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009
مشاهدات 77
نشر في العدد 1850
نشر في الصفحة 24
السبت 02-مايو-2009
٣٥ مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر
يعاني الاقتصاد الروسي من مشكلات مزمنة، وجاءت الأزمة المالية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم لتميط اللثام عن حقيقة السياسة الاقتصادية الروسية، التي يصفها الخبراء بأنها «فاشلة بمرتبة الشرف»... وإذا كان العالم بأسره يعاني من آثار الكارثة الاقتصادية فإن لروسيا وضعًا خاصًا؛ فمحاولة العودة إلى الساحة العالمية كقطب دولي تتطلب اقتصادًا
سليمًا يرتكز على أسس صلبة، وهذا غير متوافر حتى الآن.
عدم وجود سياسة اقتصادية فعالة وناجحة لم يحل دون ظهور بعض الفترات المضيئة في مسيرة روسيا الاقتصادية، فقد شهدت البلاد عصرًا اقتصاديًا ذهبيًا بعد الأزمة المالية التي عصفت بها عام ١٩٩٨م؛ إذ تعافى السوق الروسي، وتعزز سعر صرف العملة الوطنية وارتفع معدل النمو الاقتصادي بشكل كبير.. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية تمكنت الحكومة الروسية من جمع مبالغ طائلة، وضاعفت احتياطاتها من الذهب والعملات لتقارب ٥٩٠ مليار دولار، فأنشأت صندوقًا للاستقرار المالي، وسددت مبالغ كبيرة من ديونها الخارجية.
لكن تلك الفترة لم تدم طويلا، وانكشفت عورات النظام الاقتصادي الروسي عند أول عقبة اعترضت طريقه، لأنه يقوم أساسًا على دعائم ضعيفة.
انتشار الفساد
هناك عوائق عدة تواجه الاقتصاد الروسي، في مقدمتها الفساد المستشري في مختلف قطاعات الدولة، والذي لم يترك دائرة إلا وتغلغل فيها، وقد وصل إلى السياسيين، والاقتصاديين، والعاملين في المجال الاجتماعي، وحتى إلى القضاة وممثلي الادعاء والمحامين.
ويتداول الروس طرفة عن قاض يسأل زميله: كيف يتصرف مع المتهم والمدعي بعد أن قدم كل منهما له رشوة كبيرة، فقال القاضي الآخر: إنه يقبل الرشوة من كلا الطرفين، ويحكم بما يمليه عليه ضميره!! ويتساءل الروس: هل بقي لدى القاضي المرتشي ذرة من ضمير تملي عليه إصدار الحكم ؟!
كما امتدت أذرع الفساد لتصل إلى وزارة الدفاع، ومثل أمام المحاكم مؤخرًا ثمانية من كبار الجنرالات، وأدميرالان من سلاح البحرية بتهم تتعلق بالفساد وتلقي الرشاوى.. ويقول الموردون: إن أسعار آية مناقصة تجريها وزارة الدفاع يتم مضاعفتها بنسبة ١٠٠٪، تكون المائة الأولى هي القيمة الحقيقية للصفقة، فيما المائة الثانية هي قيمة الرشاوى للحصول عليها!
الثقة قبل الكفاءة!
وتضع «منظمة الشفافية الدولية» روسيا في المرتبة (١٤٧) من قائمة تضم ١٨٠ دولة من حيث نسبة الفساد، ويقدر حجم الفساد المالي سنويا ب (۳۰۰) مليار دولار، أي حوالي ربع الناتج القومي.. ورغم الإجراءات الحكومية التي تحاول الحد من الفساد، إلا أن انتشاره أصبح مستشريًا لدرجة أن الروس حكامًا ومحكومين فقدوا الأمل في التخلص منه؛ لأنهم لا يعدونه جريمة، ولأن «الحامي هو اللص»!
حجم الفساد المالي والإداري يبلغ ٢۰۰ مليار دولار سنويًا.. أي ما يعادل ربع الناتج القومي.
ولا يقتصر الفساد على تلقي الرشاوى، وسوء استغلال الصلاحيات إنما يتعداه لتعيين موظفين غير مؤهلين في المناصب القيادية، فقد ورثت روسيا عن النظام الشيوعي السوفييتي مبدأ «الثقة قبل الكفاءة».. وتبلغ نسبة عملاء المخابرات السابقين الذين يتم تعيينهم في مناصب إدارية مهمة ٧٧٪ من بين ألف أعلى وظيفة في روسيا، على حد قول «أندريه إيلاريونوف» المستشار الاقتصادي السابق لرئيس الوزراء «فلاديمير بوتين» وبذلك تكون روسيا قد شغلت دورها بين دول العالم الثالث في هذا المجال.
عزوف المستثمرين
وبالإضافة إلى الفساد، يعاني القطاع الصناعي الروسي أيضًا من مشكلة البطء في تطبيق الاختراعات العلمية والاكتشافات التقنية في الصناعة... وباستثناء القطاع العسكري نسبيًا، فإن الاختراعات والاكتشافات تبقى حبيسة الأدراج لمدد زمنية طويلة أو تجد طريقها للبيع في الأسواق العالمية، مما يحرم الاقتصاد الروسي من قطف ثمار الإنتاج العلمي الوطني. ولا يجد المستثمرون الأجانب المناخ الملائم للاستثمار، ولا القوانين الحامية له، ولا حتى الحماية الشخصية؛ إذ تعرض العشرات من رجال الأعمال للقتل في شوارع روسيا وغرف فنادقها، ويحسب المستثمرون الأجانب ألف حساب قبل اتخاذ قرار المغامرة والتوجه إلى روسيا للاستثمار في اقتصادها.أما بخصوص الموارد البشرية فقد خسرت روسيا الآلاف من علمائها، وعشرات الآلاف من الأيدي الفنية الماهرة نتيجة موجات الهجرة المتواصلة إلى الخارج، وتقدر خسائر روسيا نتيجة هذه الهجرة بمليارات الدولارات سنويًا.
صداع التصنيع
ليس لدى الحكومات الروسية المتعاقبة أي سياسة تصنيعية، ولا سياسات لدعم الصناعيين وتشجيعهم، وخاصة في مناطق شرق روسيا، التي تحتوي على ٨٠٪ من موارد روسيا الطبيعية، ولكنها لا تزال تعاني حرمانًا مزمنًا في مجال الاستثمار الصناعي.. ويرى القائمون على أمور تلك الموارد أن تصديرها
أغلقت الحكومة أسواق المال مرات عدة لوقف التدهور.. وبلغت خسائر حاملي الأسهم والمضاربين تريليون دولار.
يحقق ربحًا أسرع من أرباح تصنيعها، وينظر بعض علماء النفس السياسيين إلى الأمر من زاوية أصحاب المال، فصاحب رأس المال يهمه أولًا تحقيق أرباح، والتصدير يؤمن له ذلك فيما التصنيع يحتاج إلى مصانع، والمصانع بحاجة إلى عمال، والعمال بحاجة إلى نقابات تؤمن حقوقهم وتدافع عن مصالحهم، والنقابات بحاجة إلى أحزاب، والأحزاب بحاجة إلى نظام سياسي وانتخابي يسمح لها بالتنافس والفوز وتحقيق برامجها الانتخابية، وهو الشيء الذي لا تسمح به الأحزاب الحاكمة الممولة من أصحاب الأموال، وهكذا يسبب التصنيع صداعًا للنخب الحاكمة التي تفضل تجنبه، من باب أن الوقاية خير من العلاج.
القطاع الزراعي
وليس حال القطاع الزراعي بأفضل من أحوال القطاع الصناعي، فقد استوردت روسيا ٤ من المواد الغذائية المستهلكة محليًا خلال العام الماضي (۲۰۰۸م)، وبلغت قيمتها ٢٥ مليار دولار.. ويخشى المسؤولون الروس انهيار منظومة الأمن الغذائي نتيجة ذلك.ويعاني القطاع الزراعي من أزمات مزمنة، رغم وفرة المياه وخصوبة التربة والتنوع المناخي، وتنتشر بين الروس مقولة: إن «من يريد النظام حرفه سياسيًا يمينه وزيرًا للزراعة»؛ لأن النجاح في هذا المجال غاية في الصعوبة. ويعزف الروس عن العمل في قطاع الزراعة لعوامل نفسية، منها أنه حتى قرنين خليًا كان الفلاحون الروس يباعون ويشترون مع الأراضي الزراعية كعبيد، وبعد تحررهم كانوا يعملون بأجور زهيدة جدًا، لا تكاد تسد رمقهم.. ثم جاءت الشيوعية لتجعلهم موظفين لدى الدولة يحصلون على رواتبهم نهاية كل شهر مهما كان الإنتاج، وأمام هذه الأزمة بدأ الكثير من ملاك الأراضي بما فيهم وزارة الدفاع بتشغيل مزارعين صينيين في أراضيهم الزراعية.من هنا كان التركيز على التصدير، وخاصة تصدير النفط والغاز الطبيعي والمواد الأولية الأخرى.. وشكل ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الطلب على مصادرها عاملًا مشجعًا للحكومات الروسية على زيادة صادراتها التأمين موارد أكبر للخزينة. وتبلغ نسبة صادرات مصادر الطاقة والمواد الأولية الأخرى ٩٥٪ من مجمل صادرات روسيا، وتساهم في ٥٠٪ من الناتج القومي السنوي، علمًا بأن النسبة المنطقية يجب ألا تتجاوز ۲۰٪ ليكون الاقتصاد سليمًا ... وقد أدى وقوف الاقتصاد الروسي على رجل واحدة من خلال اعتماده على التصدير إلى فقدانه التنوع الذي يراه الخبراء الاقتصاديون ضروريًا للاستقرار. كان هم الحكومة الروسية الأول هو الاستفادة من ارتفاع أسعار موارد الطاقة عالميًا لتأمين رصيد مالي كبير، وقد نجحت في ذلك.. ومع هذا فلم ينعكس الغنى الحكومي الروسي إيجابيًا على حياة السكان عمومًا، ولا يزال هناك ٣٥ مليون روسي يعيشون تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة الوفيات ٢٤٥ حالة لكل مائة ألف، وهي النسبة الأعلى عالميًا وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية، فيما لا يتعدى معدل عمر الرجل في روسيا ٥٩ عامًا.
تعامل أمني
لم يكن تعامل الحكومة الروسية مع الأزمة المالية يتميز بالمسؤولية، فقد اكتفت في بداية الأمر بإلقاء التهم على الإدارة الأمريكية وتحميلها مسؤولية ما يحدث، ظنًا منها أن احتياطاتها من العملات الصعبة ستحصن ساحتها الداخلية.. ومنعت الحكومة وسائل الإعلام من الحديث عن الأزمة الاقتصادية وطلبت منها استبدال المصطلح بالحديث عن صعوبات مالية مؤقتة سيتم تجاوزها. وهددت الحكومة باستخدام صلاحياتها، ومحاكمة كل من لا يلتزم بتعليماتها، وتقديمهم إلى المحاكمة وفق قانون الإرهاب والتطرف بتهمة تهديد السلم الأهلي.. وبالفعل تم استدعاء عدد من الصحفيين للنيابة العامة وسؤالهم عن مقالات وتقارير قاموا بنشرها دون مراعاة التوجيهات الحكومية. لكن سياسة التعامي، وإلقاء التهم على الإمبريالية الأمريكية بالتسبب في الأزمة لم يساعد الحكومة الروسية على معالجتها للأمور، وتبخرت أمال الحكومة في تحسن الأوضاع خلال فترة قصيرة، وخاصة بعد أن بدأت الأسواق المالية في الانهيار بوتيرة سريعة جدًا، وانخفض سعر صرف ال«روبل» أمام العملات الأجنبية بنسبة قاربت ٤٤٪ وارتفعت نسبة البطالة، وتسريح العمال. واضطرت الحكومة إلى إقفال أسواق الأسهم مرات عدة؛ في محاولة لوقف التدهور الذي فاق نسبة ٧٠٪ منذ بداية الأزمة.. وإذا تم التعبير عن ذلك بلغة الأرقام فإنه يعني أن خسارة حاملي الأسهم والمضاربين في روسيا قد بلغت تریلیون دولار.
الاستفادة من الأزمة
وبدلاً من العمل على حل الأزمة، بدأت الحكومة بالتفكير في المكاسب التي يمكن لها تحقيقها جراء ما يجري، وبدأت باتخاذ سلسلة إجراءات لتعزيز سيطرتها على البلاد وسن القوانين التي تمكنها من الإمساك أكثر بدقة الحكم. وهكذا، باشرت الحكومة الروسية تسريع خطواتها واستكمال سيطرتها على الشركات الكبرى التي جرى تخصيصها في العقدين الأخيرين وخاصة الشركات العاملة في مجال الطاقة وتصدير المواد الخام... وتعتزم الحكومة من خلال برنامج المساعدات التي ستقدمه للشركات والمؤسسات المالية حيازة أسهم بقيمة الأموال التي ستقدمها كمساعدة، ورغم إعلانها أن هذا الإجراء مؤقت، إلا أنها لم تحدد وقتًا تنهي بموجبه استثماراتها. ورغم أن الحكومة تحاول الاستفادة من الأزمة الحالية، فستبقى الأزمة المالية العالمية تشكل مشجبًا تعلق عليه الحكومة الروسية أخطاءها وتحملها فشل سياساتها الاقتصادية.
توقعات مستقبلية
وعلي ضوء ما يجري من أحداث متسارعة على
استوردت روسيا ٤٠٪ من المواد الغذائية المستهلكة محليًا خلال عام ٢٠٠٨م.. وبلغت قيمتها ٣٥ مليار دولا.
أنفقت موسكو ٢٠٥ مليارات دولار خلال ستة أشهر فقط للحفاظ على الاستقرار الداخلي.. رغم انخفاض سعر النفط.
الساحة الاقتصادية في روسيا، ينقسم المحللون في توقعاتهم لما سيحمله المستقبل القريب.. فالمتشائمون يرون أن الاحتياطي الروسي قد ينفد إذا استمر معدل الإنفاق على وتيرته الحالية، حيث أنفقت روسيا خلال الأشهر الستة الماضية أكثر من ٢٠٥ مليارات دولار للحفاظ على استقرار ساحتها الداخلية، وإذا استمر سعر النفط على انخفاضه فستعاني الميزانية الروسية من عجز سينعكس على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.. وفي مثل هذه الحالة لا يستبعد ممثلو هذا الفريق حدوث اضطرابات وأعمال عنف ضد الحكومة، وقد تتطور الأمور وتصل إلى ثورة عارمة. أما المتفائلون فيعتقدون أن باستطاعة روسيا تجاوز هذه الأزمة خلال سنتين واستعادة مركزها الاقتصادي الدولي... ويستند هؤلاء إلى تقرير الصندوق النقد الدولي أكد أن بإمكان روسيا تجاوز هذا الوضع، كما تجاوزت أزمات سابقة. لا شك أن قوة روسيا الاقتصادية ستمنحها قوة عسكرية وموقعًا عالميًا، وستجد روسيا نفسها وقد استعادت بعضًا من نفوذها الدولي، لكن ذلك لا يبدو في الأفق.. والحديث الأمريكي عن زيادة في ميزانية وزارة الدفاع سيؤدي إلى سباق تسلح جديد، وفي مثل هذه الحالة ستكون روسيا أمام خيارين إما المشاركة في سباق التسلح هذا والانهيار، كما حدث للاتحاد السوفييتي السابق، حين أطلق الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» برنامجه «حرب النجوم» وإما الاستنكاف والخنوع... وفي كلتا الحالتين، فإن حلم روسيا بالعودة للساحة العالمية كقطب دولي سيكون مثل السراب.
[1] كاتب فلسطيني.