العنوان فتاوي المجتمع عدد 1243
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 109
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 25-مارس-1997
متى يجوز للشخص أن يمدح نفسه؟
السؤال:
هل يجوز للشخص أن يمدح نفسه أمام الناس، ويذكر أخلاقًا وأوصافًا ليست فيه، وذلك
لينتخبه الناس مثلًا؟
الجواب:
لا يجوز للشخص أن يمدح نفسه، ولو كانت الأوصاف والأخلاق التي يذكرها فيه حقيقة،
هذا هو الحكم العام، وهو ما يشير إليه قوله تعالي: ﴿فَلا تُزَكّوا أَنفُسَكُم هُوَ
أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ (النجم:٣٢) وقوله عز وجل: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ
يُزَكّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكّي مَن يَشاءُ وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا﴾
(النساء:49)، والنبي صلى الله عليه وسلم أكد
على هذا المعنى، فقال صلوات الله وسلامه عليه «ولا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل
البر منكم» "مسلم: ٣/ ١٦٦٨".
ولكن
يستثنى من عدم جواز مدح وتزكية المسلم نفسه إذا كان فيه من الصفات والقدرات ما لا
يوجد عند غيره، وخاصة إذا علم أن من سيتحمل مسؤولية أمر ما ليس أهلًا، ولا أمينًا،
وسيترتب على ذلك ضياع الحقوق، فإنه حينئذ ينبغي أن يتقدم ويزكي نفسه ويتحمل
المسؤولية لا لتحقيق مقاصد له بقدر ما هي مقاصد لحفظ الحقوق وأداء الأمانات، ومن
هذا قول يوسف عليه السلام لعزيز مصر: ﴿قالَ اجعَلني عَلى خَزائِنِ الأَرضِ إِنّي
حَفيظٌ عَليمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
وجوب الدية لا يشترط العقل والبلوغ
السؤال:
رجل يقول: إنه لما كان في سن الصبا وقبل البلوغ ارتكب حادث سيارة فدهس طفلًا عمره
تسع سنوات فقيل له إن عليك الآن صيام شهرين متتابعين، إلى جانب الدية التي دفعتها
في نفس سنة الحادث، والسؤال حول الصيام هل يجب عليَّ الصوم رغم أني وقت الحادث كنت
صبيًّا؟
الجواب:
هذا قتل خطأ، ويترتب على القتل الخطأ الدية، والحرمان من الإرث والكفارة، أما
الدية فلقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤمِنًا خَطَأ فَتَحريرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهلِهِ إِلّا أَن يَصَّدَّقوا﴾ (النساء:۹۲) وقوله تعالى ﴿وَإِن كانَ مِن قَومٍ بَينَكُم
وَبَينَهُم ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهلِهِ﴾ (النساء:۹۲)، والدية تجب على العاقلة عاقلة الجاني، وهو واحد
منهم عند أبي حنيفة، ولا يلزمه شيء معهم عند مالك والشافعي وأحمد، وتكون مؤجلة
ثلاث سنين لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة
على عاقلتها» "البخاري2/ ٥٢"، ومسلم "3/ ۱۳۱۰"، وأما تأجيلها ثلاث سنين فتم بإجماع الصحابة على
ذلك، وفعل ذلك عمر وعلي رضي الله عنهما، ولا يشترط الإسلام في وجوب الدية لا من
جانب القاتل ولا من جانب المقتول، وكذلك لا يشترط العقل والبلوغ، فتجب الدية بقتل
الصبي والمجنون اتفاقًا، كما تجب في مال الصبي والمجنون لأن الدية ضمان مالي فتجب
في حقهما.
وأما
الحرمان من الإرث فإن القاتل يحرم من الميراث إن كان المقتول مورثه، وهذا عند
الحنفية والشافعية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القاتل لا يرث» أخرجه البيهقي
٢٢٠/٦ من حديث أبي هريرة، وأعله بضعف أحد رواته، ثم قال: «شواهده تقويه» وذهب
المالكية إلى أن القاتل يرث من المال، ولا يرث من الدية والحنابلة قالوا: إن القتل
المضمون لا إرث فيه، وغير المضمون كمن قصد العلاج بسقي دواء أو ربط جرح ونحو ذلك
فمات مورثه فإنه يرثه.
وأما
الكفارة فتجب في القتل الخطأ مع الدية تحرير رقبة، فإن لم يجد فصوم شهرين متتابعين
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كانَ مِن قَومٍ بَينَكُم وَبَينَهُم ميثاقٌ فَدِيَةٌ
مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهلِهِ وَتَحريرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ فَمَن لَم يَجِد فَصِيامُ
شَهرَينِ مُتَتابِعَينِ تَوبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَليمًا حَكيمًا﴾
(النساء: ۹۲)
وأما
بالنسبة لكون القاتل حين القتل لم يكن بالغًا فلعل الراجح ما ذهب إليه جمهور
الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة من عدم اشتراط البلوغ والعقل في وجوب
الكفارة فكما تجب عليهما الدية في مالهما، عليهما الصوم، فإن كان القاتل صبيًّا
مميزًا أجزاه الصوم، وقالوا أيضًا: إن الشارع لم يوجب كفارة الصوم وعتق الرقبة على
الفور، فالصبي أهل للصوم باعتبار المستقبل.
وذهب
الحنفية إلى عدم وجوب الكفارة لأن العقل والبلوغ شرطان عندهم في وجوب كفارة القتل،
ولأنهما مرفوع عنهما القلم.
وعلى
هذا فعلى السائل ما دام لا يجد عتق رقبة أن يصوم شهرين متتابعين.
شروط وجوب صلاة الجمعة
السؤال:
ما عدد المصلين الذي تجب به صلاة الجمعة علمًا بأننا طلبة ندرس في إحدى الدول غير
الإسلامية؟
الجواب:
بالنسبة للعدد المطلوب، أو العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة، فالفقهاء مختلفون،
فالحنفية قالوا: تنعقد بأقل الجمع وهو واحد مع الإمام، وقيل ثلاثة سوى الإمام
لقوله تعالى بصيغة الجمع: ﴿فَاسعَوا إِلى ذِكرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩).
واشترط
الشافعية والحنابلة أن لا يقل العدد عن أربعين رجلًا، والمالكية قالوا: تنعقد
بحضور اثني عشر رجلًا.
ولا يكفي بالنسبة للطلاب الدارسين في الخارج وجود هذا العدد، بل لا بد من توفر بقية شروط صلاة الجمعة، وهي شروط لصحتها وشروط لوجوبها، وهذه الشروط محل خلاف وتفصيل ونَظَر في كتب الفقه، وأهمها ما اشترطه الحنفية من أن تقام الجمعة في البلدة أو المصر، ولم يشترط ذلك غيرهم، فأجازها فقهاء الحنابلة في الصحاري، والمالكية قالوا: تقام في كل مكان صالح للاستيطان.
كما
أنها لا تجب على المسافر، فمن أقام الأيام التي يشرع له فيها القصر باعتباره
مسافرًا، فلا تجب عليه، وأن تقرر بالنسبة له حكم المقيم فتجب عليه، كالطلبة
الدارسين الذين قرروا الإقامة الطويلة..
مدة الإقامة التي يصح فيها القصر
السؤال:
إذا وصلت إلى الدولة التي قصدتها في السفر وحصلت على تصريح بالإقامة، ونويت
الإقامة شهرًا فكم يومًا يصح لي أن أقصر الصلاة وأجمعها في هذه الدولة.
الجواب:
هذا مما وقع فيه الخلاف، لأنه أمر لم يرد تحديده في الشرع وإنما قرر الفقهاء
أقوالهم بناء على أحوال إقامة النبي صلى الله عليه وسلم مددًا مختلفة في أماكن
يقصر فيها الصلاة وعلى أقوال بعض الصحابة في تحديد مدة القصر، وتتلخص الأقوال في
الآتي:
أولًا:
إن المدة التي يصح فيها القصر أربعة أيام، فإذا نوى المقيم أربعة أيام فأكثر لا
يصح له القصر وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة، ولا يحسب يوم دخول
الدولة ويوم الخروج منها ضمن الأيام الأربعة عند المالكية والشافعية خلاف
الحنابلة.
وحجة
هذا القول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة ثم
ارتحل، فما زاد على أربعة لم يقم عليه دليل صريح معارض له فيجب التمسك حينئذ
بالأصل وهو الأحوط فقد روى جابر وابن عباس رضي الله عنهما : «أن النبي صلى الله
عليه وسلم الله قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع، والخامس،
والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه
الأيام، وقد أجمع على إقامتها» "مسلم ٣٨/٤"
ثانيًا:
إن المدة خمسة عشر يومًا، فإذا نوى المقيم خمسة عشر يومًا فأكثر لا يصح له الترخص،
وإن نوى أقل من ذلك ترخص، وهو مذهب الحنفية وحجة هذا القول ما روي عن ابن عباس
وابن عمر رضي الله عنهما قولهما: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة
عشر يومًا أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فأقصرها».
ووجه الاحتجاج بهذا: إن قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما لا يقولانه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من أمور المقادير والأعداد وهذا لا يتوصل إليه بالاجتهاد.
ثالثًا:
إن المدة تسعة عشر يومًا وهو قول ابن عباس لقوله: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم
تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا» "البخاري
2/34" ولعل الراجح من هذه الأقوال الأول قول المالكية والشافعية ورواية
الحنابلة لأنه القدر الثابت والمتفق من قصر النبي صلى الله عليه وسلم وهي الأيام
الأربعة التي مكثها صلوات الله وسلامه عليه في مكة في حجته، ومع هذا لا لوم ولا
تخطئة على من أخذ بالأقوال الأخرى، لأن قصر النبي صلى الله عليه وسلم الأيام
الأربعة ليس قاطعًا في المنع لو أقام أكثر.
ولفعل
بعض كبار الصحابة كابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما وغيرهما وثبوت ذلك عنهم في
الصحيح، ولا يفعلون ذلك عن محض رأي ولا يقرون عليه لو كان كذلك، ولأنه مما لا يقال
بالاجتهاد.
الموقف الشرعي من استثمار أموال
الزكاة
السؤال:
جمعية خيرية تتلقى الصدقات والزكوات، وأحيانًا تتجمع بعض أموال الزكاة، فهل يجوز
أن نستثمر هذه الأموال ليعود ريعها على المستحقين؟
الجواب:
الأصل أن الزكاة تخرج وتسلم إلى مستحقيها دون تأخير لرفع غائلة الفقر والجوع
والحاجة، وتأخيرها دون سبب فيه تأخير لحق مستحقيها، فالأصل هو عدم استثمارها، لأن
الاستثمار يعني حجب أموال الزكاة عن مستحقيها وتأخير تسليمها، وقد تتعرض لمخاطر
المتاجرة، ولكن يجوز استثمارها إذا تحققت أسباب وضوابط أقرتها المجامع الفقهية،
وهذه الضوابط هي:
1- أن
لا تتوافر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة.
2- أن
يتم استثمار أموال الزكاة كغيرها بالطرق المشروعة.
3- أن
تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم الزكاة وكذلك ريع تلك
الأصول.
4- المبادرة
إلى تنضيض «تسييل» الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة مستحقي الزكاة صرفها عليهم.
5- بذل
الجهد للتحقيق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة
وقابلة للتنضيض عند الحاجة.
6- أن
يتخذ قرار استثمار أموال الزكاة ممن عهد إليهم ولي الأمر بجمع الزكاة وتوزيعها
لمراعاة مبدأ النيابة الشرعية، وأن يسند الإشراف على الاستثمار إلى ذوي الكفاية
والخبرة والأمانة، وتعتبر الجهات الخيرية المرخصة مأذونة بجمع الزكاة من ولي
الأمر.
جواز لبس الباروكة لغرض التصوير
الفردي
السؤال:
تطلب السلطات منا إحضار صورة زوجاتنا مكشوفة الشعر لنتمكن من إحضارها إلى هذه
البلدة، فهل يجوز أن أصور زوجتي بالباروكة وأقدمها لهم، علمًا بأني مضطر لإحضار
زوجتي بعد غياب مدة طويلة عنها، وفي ذلك حفظ لنفسي من الانحراف؟
الجواب:
من المعلوم أن شعر المرأة من العورة فلا يكشف إلا للزوج والمحارم والنساء، ولكن
إذا دعت ضرورة أو حاجة طبية ولم توجد امرأة مختصة، فيجوز كشف القدر المحتاج إليه
أمام الطبيب الرجل، ويقدم المسلم على غيره، كما أنه يجوز للضرورة الأمنية أن تكشف
المرأة عن شعرها للتأكد من شخصيتها، ويكون ذلك للنساء، فإن لم يمكن فلا بأس أن
يكون أمام السلطات وبالقدر الذي يكفي في التحقق، فإن احتاج ذلك لكشف الشعر كله فلا
بأس، كل هذه تدخل في الضرورات أو الحاجات المنزلة منزلة الضرورة.
وأما
رأيكم في أن تلبس زوجتك الباروكة وتصور بها، فأعتقد جواز ذلك لأنه أخف ضررًا من
كشف شعرها الحقيقي، وفيه تحقيق عدة مصالح مرجع بعضها إلى حفظ ضرورات كحفظ نفسك
وزوجتك من الانحراف، وتحقيق مقاصد الزواج من السكن وتكوين الأسرة، ورعاية الذرية.
ولا
تعتبر زوجتك آثمة -إن شاء الله- لو لبست الباروكة لغرض محدد ولمدة قصيرة جدًّا،
وهي فترة التصوير، لأن علة تحريم لبس الباروكة، وهو التغرير والتدليس والظهور
بمظهر غير حقيقي ليس موجودًا، وليس هذا المقصد موجودًا أيضًا في تضليل السلطات
الأمنية في هذه البلاد، ولذا ينبغي ألا تغير مظهر أو شخصية المرأة فتقع السلطات في
الوهم والتغرير، ويقابل مفسدة أو مخالفة لبس الباروكة التصوير بدونها بشعرها
الحقيقي، وهذا أشد فسادًا ومخالفة شرعية، فيحتمل هنا المفسدة الأخف لدفع المفسدة
الأكبر.
وبناء
على ذلك نقول: لا بأس، بل ينبغي أن تصور زوجتك بالباروكة ضمن القيود المذكورة،
واستنادًا للمبررات السابق ذكرها، والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل