العنوان فتاوى المجتمع (العدد 1592)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1592
نشر في الصفحة 58
السبت 13-مارس-2004
الصلاة الصحيحة
أرجو تقديم شرح وافٍ لكيفية الصلاة وبشكل مفصل؟
الشرح المفصل مكانه الكتب، ولعله يكفي هنا أن نذكر لكم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي، فرد النبي ﷺ السلام، ثم قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ، فعل ذلك ثلاثًا، ثم قال: «والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن - أي الفاتحة ثم سورة قصيرة - ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (البخاري 2/277) ومسلم 1/298).
مسألة في الزكاة
نحن أصحاب مزارع وننتج حبوبًا وفواكه وخضراوات، فهل علينا زكاة وما مقدارها، وكيف نخرجها ؟
أوجب الله تعالى الزكاة في الزروع والثمار بآيات عدة منها قوله تعالى: ﵟوَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١ﵞ ﵝالأَنۡعَام: ﵑﵔﵑﵜ.
والمراد من قوله تعالى ﵟوَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦﵞ الزكاة المفروضة.
وقال صلوات الله وسلامه عليه: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (رواه الخمسة إلا مسلمًا).
والمراد بالعثري ما يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي.
ولقد اختلف الفقهاء فيما تجب فيه الزكاة من الحاصلات الزراعية.
فذهب المالكية والشافعية إلى وجوب الزكاة في كل ما يقتات ويدخر وييبس من الحبوب والثمار، والمراد بما يقتات: ما يتخذه الناس قوتًا يعيشون به عادة، فتجب الزكاة في مثل الحنطة والشعير والأرز، ولا تجب في مثل الجوز واللوز والفستق؛ لأنه لا يقتات، وإن كان يدخر ولا زكاة في التفاح والكمثرى والخوخ ونحوها؛ لأنها مما لا ييبس ولا يدخر.
وذهب الحنابلة إلى أن الزكاة تجب في كل ما بيبس ويكال ويبقى؛ سواء أكان قوتًا كالحنطة والشعير والأرز أم كان من البقول، ولا زكاة عندهم في الفواكه ولا في الخضراوات كالقثاء والخيار والجزر.
وذهب أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، مما يستنبته الناس في العادة فتجب الزكاة في الفواكه.
وحجة أبي حنيفة عموم الآيات والأحاديث، كما في قوله: ﵟوَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦﵞ ﵝالأَنعَام: ﵑﵔﵑﵜ ، وقوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر»، فلم تفصل الآية والحديث، أو تخص نوعًا دون غيره وهذا القول هو الراجح وهو أقوى المذاهب دليلًا، وأحوطها للفقراء والمساكين، وعلى هذا فتجب الزكاة في سائر الخضراوات والفواكه والحبوب وأما مقدار النصاب، فإنه لا زكاة على ذلك، إلا إذا بلغ خمسة أوسق، لقول النبي ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». (متفق عليه).
والمراد بالصدقة هنا الزكاة والوسق ستون صاعًا، فالأوسق الخمسة ثلاثمائة صاع، والصاع - على الراجح - خمسة أرطال وثلث، وهو يساوي كيلو جرامًا من القمح.
ولا يشترط للزكاة الواجبة في الزروع والثمار الحول، بل تجب الزكاة بعد الحصاد، وبعد تصفية وتنقية الحبوب، وبعد نضوج الثمار والمقدار الواجب العشر أو نصف العشر، فإن كان السقي بماء المطر، وبدون كلفة، وجهد، فيجب فيه العشر، وما سقي بالآلات ونحوها، مما فيه كلفة ففيه نصف العشر، لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنصح نصف العشر».
والذي نرجحه مما سبق وجوب الزكاة في الحبوب، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وأما بالنسبة للخضراوات والفواكه التي لا يمكن حفظها ويسرع إليها التلف فالزكاة لا تكون في أعيانها، بل في أثمانها، كما هو مذهب كثير من الفقهاء. وإذا كانت الزكاة في أثمانها بعد بيعها.. هل الواجب ربع العشر كالنقدين أو الواجب العشر أو نصفه؟!
ذهب بعض الأقدمين من الفقهاء إلى الأول وبالقول الثاني قال بعض الفقهاء وبه قال الشيخ يوسف القرضاوي، وحجته وجيهة؛ لأن الثمن هنا بدل عن الخارج من الأرض فيأخذ حكمه، ويقدر بقدره، فإن للبدل حكم المبدل.
وينبغي أن يلاحظ مع القول المختار، أن يبلغ الخارج خمسة أوسق فأكثر، وليس فيما دونه زكاة، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير، ففي الخضراوات في كل عشر حزمات من البقل أو الكراث أو غيرهما حزمة، لكن هذا يرده الحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
(يراجع كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوي لتفصيل المسائل واستيفاء الأدلة).
العقيقة سنة مؤكدة
يرجى توضيح إجراءات عقيقة المولود، وكيفية توزيعها، وهل يجب الأكل منها؟ وهل يجوز فيها التوكيل؟
العقيقة سنة مؤكدة، عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة، ويجوز أن تكون عن الذكر واحدة كالأنثى؛ لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا (أبوداود 2/261 ، والبخاري 9/589 ).
والأفضل في العقيقة طبخها، ويجوز أن يفرقها نيئة.
قالت عائشة رضي الله عنها: «السنة شاتان متكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة، ولا يكسر عظمًا، ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع».
ويجوز التوكيل فيها للذبح، ولكن لا يجزئ أن تدفع قيمتها؛ إذ المقصود إنهار الدم.
الإجابة للشيخ يوسف القرضاوي
الكذب الأبيض!
وعدت صديقتي بأن أزورها في يوم معين، فلما جاء ذلك اليوم شغلتني بعض الشواغل العائلية، فلم أقم بزيارتها، فلما قابلتها استحييت منها، فاعتذرت بأن ضيوفًا قدموا عليَّ فجأة، فلم أتمكن من مغادرة المنزل. فهل هذا اللون من الكذب الذي يسمونه «الكذب الأبيض» حرام؟
لا أجد هنا متسعًا للرخصة في الكذب وإن سماه الناس أبيض، إلا في حدود ضيقة سأبينها بعد.
فالإسلام يحذر من الكذب بوجه عام، ويعده من خصال الكفر أو النفاق ففي القرآن نقرأ: ﵟإِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥ﵞ ﵝالنَّحۡل: ﵕﵐﵑﵜ.
وفي السنة: آية المنافق ثلاث: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر» (رواه الشيخان وفي رواية المسلم: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم».
وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعًا وموقوفًا: «الكذب مجانب الإيمان»، (رواه البيهقي وصحح الموقوف).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب» (رواه البزار وأبو يعلى، ورواته رواة الصحيح والدارقطني مرفوعًا وموقوفًا.
قال: الموقوف أشبه بالصواب).
وفي حديث مرسل رواه مالك «قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: «لا» (رواه مالك مرسلًا عن صفوان بن سليم).
وهذا كله يدلنا على مدى نفور الإسلام من الكذب، وتربية أبنائه على التطهر منه، سواء ظهر من ورائه ضرر مباشر أم لا يكفي أنه كذب، وإخبار بغير الواقع، وتشبه بأهل النفاق.
وليس من اللازم ألا يلتزم الناس الصدق إلا ذا جر عليهم منفعة، ولا يجتنبوا الكذب إلا إذا طلب عليهم مضرة، فالتمسك بالفضيلة واجب إن كان وراءها بعض الضرر الفردي المباشر، إتقاء الرذيلة واجب وإن درت بعض النفع الآني المحدود.
وإذا كان الإنسان يكره أن يكذب عليه غيره، يخدعه باعتذارات زائفة، وتعللات باطلة، فواجبه أن يكره من نفسه الكذب على الآخرين على قاعدة: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.
على أن من أكبر وجوه الضرر في الكذب أن يعتاده اللسان، فلا يستطيع التحرر منه، وهذا هو المشاهد الملموس....
ورسول الله ﷺ يحذرنا من ولوج هذا الباب الذي ينتهي بصاحبه بعد اعتياد دخوله إلى أن يكتب عند الله من الكذابين. فيقول: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا» (رواه الشيخان وأبو داود والترمذي وصححه واللفظ له).
غير أن الإسلام - منهج الله الذي يعلم من طبيعة الحياة، وضرورات الناس فيها - قد رخص في الكذب في مواضع معينة، مراعاة لطبيعة البشر، وتقديرًا لما ينزل بهم من ضرورة قاهرة أو حاجة ملحة.
ولم أجد من وضح هذا الجانب، ووفاه حقه من البحث والشرح مثل الإمام أبي حامد الغزالي في موسوعته الإسلامية (إحياء علوم الدين)، ويحسن بي أن أنقل هنا مقتطفات من حديثه بلفظه، لما فيها من التحقيق والبيان؛ حيث يقول: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحًا، وواجب إن كان المقصود واجًبا.
ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب، فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن؛ لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حرامًا في الأصل إلا لضرورة. والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت: ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها» (أخرجه مسلم وقالت أيضًا: قال رسول الله ﷺ: «وليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال: خيرًا أو نمي خيرًا». (متفق عليه) وقالت أسماء بنت يزيد: قال رسول الله ﷺ: «كل الكذب يكتب على ابن آدم، إلا رجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما» أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصر وحسنه قال: فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له، أو لغيره.
أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله، فله أن ينكره.
وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم. ثم هو لزيادات المال والجاه، حتى إن المرأة لتحكي من زوجها ما تفخر به، وتكذب وتكذب لأجل مراغمة الضرات (أو الزميلات)، وذلك حرام.
وقالت أسماء بنت أبي بكر سمعت امرأة سألت رسول الله ﷺ قالت: «إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل، أضارها بذلك. فهل على شيء فيه فقال ﷺ: والمتشيع بما لم يعط كلابس ثوب زور» (متفق عليه)
ومما يلتحق بالنساء الصبيان، فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المدرسة أو الصلاة إلا بوعد أو وعيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحًا. إحياء علوم الدين، ج ۳، ص ۱۳۷، ص (۱۳۹)
وإذا عدنا إلى سؤال الأخت المستفتية وجدنا أنها ارتكبت خطأين اثنين:
الأول: أنها وعدت صديقتها بالزيارة وأخلفت مع أن الوفاء بالوعد واجب، وإخلافه من آيات النفاق، كما ذكرنا إلا من عذر.
الثاني: أنها بررت هذا الإخلاف بعذر مختلق فعالجت الخطأ بخطأ آخر.
وكان الأولى بها أن تقول الحقيقة، وإن ظهر تقصيرها، حتى لا تعود إلى ذلك مرة أخرى، ولا مانع من التلطف والترفق في اختيار الصيغة التي تظهر بها الحقيقة لصديقتها، ومن التلطف المباح هنا أن نستخدم (المعاريض) بدل الكذب الصريح، فقد نقل عن السلف أن في المعاريض مندوحة عن الكذب. وقال عمر: أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب؟ (رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين مرفوعًا وموقوفًا، قال البيهقي: الصحيح موقوف، فأما إذا لم تكن حاجة أو ضرورة، فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعًا، ولكن التعريض أهون.
فإذا لم يحضرها، أو لم يمكنها التعريض بمثل ما ذكرنا ، فهل يجوز لها التصريح بالكذب كما فعلت السائلة.
والجواب هنا يتوقف على معرفة مدى العلاقة بين الصديقين، وهل يخشى أن تسوء أو تضعف إذا ذكرت ما وقع بالفعل، فإذا خشي ذلك، وكان قلب الصديقة لا يطيب إلا بمثل ما اعتذرت به إليها، كان ذلك من باب الضرورة التي تقدر بقدرها على ألا تتخذ ذلك عادة، فيسهل الكذب عليها لحاجة، ولغير حاجة.