; فتح مكة كان تتويجًا لأكبر الانتصارات الإسلامية في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان فتح مكة كان تتويجًا لأكبر الانتصارات الإسلامية في رمضان

الكاتب علي تني العجمي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 49

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 04-فبراير-1997

إذا أراد الله أمرًا هيًا أسبابه، لعل هذا القول ينطبق على فتح مكة، فإذا ما رجعنا قليلًا إلى الوراء نجد أن من بين بنود صلح الحديبية الذي سبق الفتح بسنتين (عام ٦هـ) بندًا ينص على أن من شاء أن يدخل في حلف محمد فليدخل، ومن شاء أن يدخل في حلف قريش دخل، وبموجبه دخلت قبيلة خزاعة في حلف النبي صلي الله عليه وسلم، وقبيلة بكر في حلف قريش»، وقد كان بين القبيلتين ثأر في الجاهلية فأرادت بكر أن تدرك ثأرها من خزاعة بمعاونة قريش، فتسلل رجال من قريش منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وقاتلوا مع بكر، وقريش تظن أن النبي صلي الله عليه وسلم لن يعلم بذلك، فما كان من عمرو بن سالم الخزاعي أن انطلق إلى المدينة، فوجد النبي صلي الله عليه وسلم جالسًا بين أصحابه فأنشد: 

لا هم إني أناشدُ محمدًا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا

إلى أن قال:

هُم بيتُونا بالوتير هجدًا *** فقتلونا ركعًا وسجدًا

فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم حين سمع ذلك: «قد نُصرت یا عمرو بن سالم» ثم عرض لرسول الله صلي الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب[تاريخ الطبري جـ ٢/ ١٥٣، ١٥٤.] 

ثم خرج أبو سفيان يشتد نحو المدينة حتى دخل على ابنته أم حبيبة، فطوت فراش رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه، فسألها عن ذلك فأخبرته أنه مشرك نجس وهذا فراش النبي صلي الله عليه وسلم فقال: والله لقد أصابك يابنية بعدي شر، فكلّم النبي صلي الله عليه وسلم فلم يصنع شيئًا، ثم كلّم أبا بكر فلم يصنع شيئًا، حتى أتى عمر فوجده أشد الناس، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم، ثم أتى عليًا، فأمره أن يجير بين الناس، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش سألوه عما فعل فأخبرهم بصنيعه مع علي بن أبي طالب قالوا : قل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك والله إن زاد على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت، وبدأ النبي صلي الله عليه وسلم يتجهز وأمر الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه.

ثم إن رسول الله صلي الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها[المصدر السابق]»

 وكتب حاطب بن أبي بلتعة- وهو من أصحاب بدر- كتابًا إلى قريش يخبرهم بمسير النبي وأعطاه امرأة، وجعل لها جعلًا على أن تبلغه قريشًا فجعلته في رأسها، وأتى رسول الله الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليًّا والزبير بن العوام، فلما رأت منهما الجد أعرضا عنها، فنزعت الكتاب ودعا رسول الله صلي الله عليه وسلم حاطبًا، فقال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما غيرت وما بدلت، ولكني كنت امرأً ليس لي في القول أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم له: ما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله عز وجل في حاطب[المرجع السابق] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الممتحنة: 1)... «الآية».

 وجاء أبو سفيان بن حرب رأس الشرك بعد أن لقي العباس - وكان في طريقه ليسلم أيضًا- فأخذه معه إلى النبي فأمر النبي صلي الله عليه وسلم العباس أن يُجلس أبا سفيان عند خطم الجبل بمضيق الوادي، ليرى جنود الله، فجعل يسأل عنه كتيبة كتيبة وهو منبهر مما يرى، حتى قال للعباس: لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيمًا، فقال له العباس: إنها النبوة، فلحق أبو سفيان قومه وهو يصرخ: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبل لكم به، قالوا: فَمَه قال: من دخل داري فهو آمن، فقالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟! فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

ثم دخل النبي صلي الله عليه وسلم مكة وحوله المهاجرون والأنصار، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه وطاف بالبيت، وحوله ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويردد قول الله عز وجل: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ۸۱)، ويقول: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبا: ٤٩)، والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم أخذ بعضادتي الباب والناس حول المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنع، فخطب فيهم، ثم قال: يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا .. أخٌ كريم وابن أخٌ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء، ثم دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وقال له: هاك مفتاحك یا عثمان اليوم يوم بر ووفاء.

وخطب النبي صلي الله عليه وسلم في اليوم الثاني من الفتح، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، إلى أن قال: يا معشر خزاعة- وكانت قتلت يومئذ رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية- ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلًا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله. 

وأخذ النبي صلي الله عليه وسلم في بيعة الرجال حتى فرغ ثم بدأ ببيعة النساء وهو على الصفا وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفًا من رسول الله أن يعرفها، وقد صنعت بحمزة ما صنعت في أُحد، فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئًا، فقال رسول الله: ولا تسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم فأعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: ولا يزنين، فقالت: أوَ تزني الحرة؟، فقال: ولا يقتلن أولادهن، فقالتك: ربيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله صلي الله عليه وسلم له، فقال: ولا يأتين ببهتان، فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف، فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك، ولما رجعت جعلت تكسر صنمها، وتقول: كنا منك في غرور[الرحيق المختوم ص ٤٨٥- ٤٨٦]» 

وهكذا رضخت مكة للدين الجديد، وأكرم الله قريشاً فدخلوا في الإسلام وافرين، وأصبحت أكثر القبائل اعتزازًا بالإسلام، فدخل الناس بعدها في الإسلام أفواجًا، وكانوا قبل ينتظرون ماذا سيصنع هذا الحي من قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت القبائل بعدها تباعًا، وجاءت وفدًا إثر وفد حتى سُمي العام التاسع للهجرة عام الوفود لكثرة الوفود التي بايعت على الإسلام.

الرابط المختصر :