العنوان فتنة... ولا نجاشي لها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
مشاهدات 49
نشر في العدد 747
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
تأملات تاريخية
في السيرة النبوية العطرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما صدع بالحق والتوحيد في جنبات مكة امتثالًا لأمر الله تعالى أذته قريش وأصحابه إيذاءً شديدًا، وضيقت عليهم الخناق فأمر النبي صحابته بالهجرة إلى الحبشة على «أن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد»، فهاجر الصحابة من مكة وعددهم ثمانون مهاجرًا ونيفًا عدا الأطفال.
وما فعل الصحابة في مكة المكرمة ألا أن قالوا «ربنا الله» وسط ظلمات الشرك والوثنية، فأقضوا مضاجع «الملأ» من قريش، وأذهبوا النوم من أعينهم، وما رضي هؤلاء «الملأ» بهجرة المؤمنين، وإنما أرادوا وأد الدعوة الإسلامية في مهدها، كما كانوا يئدون بناتهم في غيابات الثرى.. فبعثوا رجلين جلدين إلى النجاشي، وحملاهما الهدايا والرشاوى، أملًا في أن يعودا بالمسلمين من هناك، وأن يسلمهم النجاشي إليهما.
ولكن النجاشي، تحقيقًا لصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم، ما كان بالذي يظلم، فغضب عندما سمع كلام بطارقته، وقال لا والله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي. ثم دعا الصحابة يسمع منهم، فوقف جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه بين يدي النجاشي، شارحًا عقيدة التوحيد ونظافة الإيمان، وعدل الإسلام.. وقال للنجاشي فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلمعندك أيها الملك..
وقرأ جعفر رضي الله عنه صدرًا من سورة مريم على النجاشي وبطارقته فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته. وبكى البطارقة. ثم قال النجاشي: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا، فلا والله لاأسلمهم إليكما، ولا يكادون. وعاود موفدا قريش المحاولة، وأخفقا أيما أخفاق، وأعاد النجاشي موقفه الصلب بما هو أشد وأقوى وقال لأصحابه: أذهبوا فأنتم آمنون بأرضي من سبكم غرم من سبكم غرم، ما أحب أن لي جبلًا من ذهب وأني أذيت رجلًا منكم، ورد على وقد قريش هداياه.
تلك كانت أول هجرة في سبيل الله في الإسلام، وذلك كان موقف النجاشي أول من لجأ إليه المسلمون في رحلة هجرتهم الطويلة إلى الله على مر العصور والأزمان. فمن يومها، والتاريخ يعيد نفسه مرة ومرة. فأهل التوحيد مطاردون ملاحقون: أنهم يدعون الناس إلى الخروج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
واليوم.. اليوم نسمع أن رجالًا هاجروا إلى بعض بلاد المسلمين فرارًا بدينهم، وأن نساء لجأن إلى بعض بلاد العرب الإسلامية، خوفًا على أعراضهن وشرفهن، وأن أطفالًا أووا إلى كنف إخوة لهم احتماء من أن يتربوا على الإلحاد والفساد، وتأليه بعض الأقزام من الحكام الصغار.. اليوم نسمع أن نساء وثكالى وأرامل ويتامى وحرائر ومصونات، ورضعًا وفتيات، ورجالًا وشبابًا، فروا بدينهم في سبيل الله، أملًا في الحماية والرعاية عند من يظن بهم الخير والعدل ومجافاة الظلم. ونسمع أيضًا أن أولئك الحكام الأقزام يريدون أن يفعلوا ما فعل موفدا قريش إلى النجاشي، ليعودوا بتلك الفئة المؤمنة. ليجزروها جزرة واحدة، كما جزروا فئات مؤمنة مثلها من قبل وليعيدوها قرمطية باطنية حمراء تصفح الدماء في كل مكانتسمع هذا، وتسمع- ويا للهول- إنهم لقوا بعض تجاوب وإنصات ولا نقول إلا كلمة واحدة:
ألا يا حكام العرب والمسلمين، ألا يا حماة الدين والأعراض والحرمات.
أنها فتنة دموية مظلمة، فهل منكم من يدحض أن نقول:
فتنة ولا نجاشي لها!