العنوان فرعون.. التاريخ والنموذج
الكاتب أحمد الخاني
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1296
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-أبريل-1998
في القاهرة وفي نهاية شارع الهرم ترائت أمامي الأهرامات، فقلت لنفسي أهذه هي الأهرامات التي كنا نراها في الصور؟ وعلى بطاقات المعايدة؟ إن صورة الأهرام أجمل منها على الطبيعة، هكذا شعرت، وربما يشاركني القارئ الذي شاهد الأهرام رأيي هذا أو يخالفني، فذلك امر مزاجي لا يتعلق بقيمة اخلاقية أو بعرف اجتماعي، وتحولت تحولت: كلي إلى عين باصرة تحدق في الأهرام.... الكهل الهرم الذي استعصى على يد الفناء، وإن كان قد نقص مقدار اثني عشر متراً من قِمته، كما يقول علماء الآثار.
وأنا أقف أمام الأهرام تراقصت أمام ناظري تلك الصور وتهادت على مسرح نفسي غطرسة فرعون، فنفرت من الأهرام، ولما أعهد في نفسي النفور من تاريخي كنفوري من هذا البناء وصاحبه، وعدت أدراجي ولم أمكث أمام الأهرام أكثر من خمس دقائق.
ربما يستغرب القارئ قصتي هذه مع الأهرامات وربما كان الحق معه في أن يستغرب، فالإعلام مع الأسف يمجد فرعون وما صنع، وهذا الانطباع وهو تفخيم فرعون ما يزال يتوضع على النفسية العربية والإسلامية عبر الزمن، إلا أن المسلم له رؤيته الخاصة رؤية تنبع من عقيدته التي لا تتأثر بالكم البشري في تمجيد فرعون، وأن كثرة الممجدين الفرعون لا تجعله إلهًا كما قال هو عن نفسه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: 38).
لم يقل هذه الكلمة أحد من طواغيت العالم غير فرعون، والذي زاد من جهله بل من تخلفه العقلي أنه يريد بناء يرقاه ليطلع إلى إله موسى...
وقد أثبت التاريخ غباء فرعون، حيث قال المؤرخون: لقد كان فرعون غبياً حقاً لأنه قتل أطفالًا لا حول لهم ولا طول.
ويتابع التاريخ قوله عن فرعون ... ولو كان بنى لهم - أي أطفال بني إسرائيل - المدارس الفرعونية، ولقنهم المبادئ الفرعونية لشب الأطفال على طاعة فرعون، ولقتل الابن أباه، والأخ أخاه فيطاعة فرعون قفلت راجعًا وفي رأسي دوار من هذه الزيارة الفاشلة، فلقد أضعنا المال، وأهدرنا ما هو أهم من المال وهو الوقت ولدي إحساس بالزمن اتحسر فيهعلى دقيقة ضاعت سدى، وقال صاحبي ألا تريد أن تزور المتحف قلت بلى.
وزرنا المتحف فإذا هو بيت فرعون يستقبلك الفرعون والفرعونة منذ أن تطأ بقدمك عتبة المتحف إلى أن تغادره وشبح فرعون في كل ركن وزاوية فرعون له بيت من ذهب فرعون له مركبة من ذهب الفرعونة كان لها تاج من ذهب الفراعنة زنوج كما عرفت فأني لهم ذلك الجمال؟ وكيف استساغ فرعون أن يجعل أفعى الكوبرا شعارًا على راسه؟ هذه أمزجة أحيل تحليلها إلى علم النفس فريما كان فرعون يخشى الأفعى فعبدها اتقاء لشرها وهو يزعم أنه إله.
وصلنا في المتحف إلى المحنطات، توابيت كبيرة وصغيرة تحتوي على الفراعنة المحنطين منذ آلاف السنين، لقد حاول الإنسان الخلود فاخترع التحنيط لكن الخلود لا يكون بما يشاء، إن العقل العربي الجاهلي على سذاجته كان أقرب إلى الصحة الصحة والسلامة من عقلية الفراعنة، فلقد قالالشاعر العربي الجاهلي:
اليوم يبنى الدويد بيته *** لو كان للدهر بلى أبليته
وهو القائل: من كل ما نال الفتي قد نلته إلا التحية،
أي إلا الخلود، فالشاعر يتمنى الخلود، لكن ليس خلود الجيف كما فهم فرعون.
ونحن نتجول في المتحف قال لي صاحبي سنرى الآن فرعون موسى، قلت: وما أدراك أن هذا هو فرعون موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - قال: صدر بحث علمي موثق بأرقي درجات التوثيق أن خزعة من جلد هذا الفرعون حالت مخبريًا فكانت النتيجة أن هذا الفرعون مات غرقاً، فقلت: صدق الله القائل: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس:92) قال المفسرون في تفسير هذه الآية الكريمة:
فاليوم ننجيك ببدنك أي بجسدك أي بدون روح، فقد قذفه البحر ميتًا حتى شاهدوه، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ﴾ (يونس:92) من آيات الله يعتبر بها الناس معن سياتي من الأمم إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرد على الله سبحانه «زبدة التفسير من فتح القدير: محمد سليمان الأشقر».
وسألنا عن هذا الفرعون فإذا بنا نفاجأ أنهذهب برحلة إلى فرنسا وهناك استقبل استقبال رؤساء الدول بمناسبة زيارة جثته، وقد ظهر الآن طفح جلدي فجيء به لمعالجته.
ومن الغريب المؤلم أن أمير الشعراء أحمد شوقي سحبت عليه تلك اللوثة العقدية فمجد الفراعنة بقصيدته أسطورة القرون، ومطلعها:
هَمت الفلك واحتواها الماء *** وحداها بمن تُقًل الرجاءُ
وبعد خمسة وسبعين بيتاً يقول:
إنه سيزوستريس، ماذا ينال الـ *** وصف يوماً أو يبلغ الإطراء
كبرت ذاتك العلية أن تح *** صي ثناها الألقاب والأسماء
لك أمون، والهلال إذا يك *** بر والشمس والضحى أباء
دیوان شوقي: ج۱
إلى آخر هذا الشعر المرذول مبنى ومعنى ولم ينج من تيار هذه الدعايات الوضعية إلاالشاعر الإسلامي، الذي ربط الأرض بالسماء واستمد من هدى الله تعالى قيمه وتصوره للكون والإنسان والحياة الشاعر الإسلامي في أي لغة كانت جوهرة لم تمسه الدعايات أو تتقاذفه الأهواء من هؤلاء الشاعر التركي محمد عاكف أمير الشعراء في تركيا - رحمه الله - له ديوان «الصفحات» ترجمت مختارات منه إلى اللغة العربية، وقد قمت بصياغة بعض هذه الترجمة وسميت تلك القصائد «الحنين» ، وهو اسم الديوان الذي طبعت فيه هذه القصائد العاكفية الخائية حنين المسلم إلى عزته، ومن هذا الديوان قصيدة بعنوان أمينوفيس، ومنها:
تماثيلك الأصنام أعشاب سُمكم *** سقت وادي البلوى دماء المحاجر
كأن بطون الأرض لم تتسع لكم *** حفرت بقلب الصخر لوم المفاخر
بأسنان وادي النيل بالدمع بالدما *** حضرت لتخليد بعنف الأظافر
إذا قصروا أنا بتخليد ذكركم *** فحقهم سلٌخ، ومن دمه اشربِ
اتطلب خلدًا من دماء شعوبكم *** افرعون هذا العصر ما شئت فاغضبِ
إن الله تعالى خلق الخلق لعبادته وسن لهم بهم شرائع، من حاد عنها قصمه، وقد جعل الله فرعون عبرة ونكالًا فلنكن فا ربانيين في نظرتنا إلى الأمور فما حسنه الشرع نحسنه وما قبحه الشرع نقبحه هذه هي النظرة الإسلامية وهذه هي نظرة شعراء مدرسة بدر الشعرية إلى الحياة وإلى الأدب وإلى فرعون في كل عصر ومصر .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل