العنوان فسيفساء الأحزاب السياسية في تركيا (2).. الأحزاب السياسية في عهد الجمهورية الثالثة
الكاتب زياد أبو غنيمة
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 913
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-أبريل-1989
تميز عقد
السبعينيات (1970 – 1980م) بأنه كان من أسوأ عقود الحياة السياسية التركية في عهدها
الجمهوري، من حيث إنه كان عقدًا ازدهر فيه العنف والإرهاب السياسي، حتى أصبح العنف
والإرهاب السمة البارزة لذلك العقد، وساعد في تأجيج نيران العنف السياسي عدم نجاح
أي حزب بالفوز بأغلبية مطلقة في البرلمان تمكنه من تشكيل حكومة قوية.
وشهد اليوم
السادس عشر من حزيران من عام 1970م اندلاع أول شرارة في حريق العنف والإرهاب السياسي الذي
استمر مشتعلاً حتى الساعة الرابعة والربع من فجر يوم الجمعة 12/ 9/ 1980م عندما
أعلن الجنرال كنعان إيفرن، قائد الجيش التركي، عن انقلابه العسكري ليبدأ منذ تلك
اللحظات عهد الجمهورية الثالثة في تركيا.
وفي الوقت الذي
بدأ فيه الانقلابيون حملة شعواء ضد المنظمات الإرهابية المتطرفة التي كانت تتمثل
في منظمتي «ديف سول»، وديف يول «الطريق الثوري» اليساريتين، ومنظمة «الذئاب
الرمادية» القومية الطورانية، أعلن الانقلابيون عن حل جميع الأحزاب السياسية
العلنية، ولم يلبثوا أن اتخذوا إجراءات عديدة لمنع زعماء هذه الأحزاب من القيام
بأي نشاطات سياسية.
ولكن هذه
الإجراءات اختلفت من حزب لآخر، ففي حين نفى الانقلابيون بفرض الإقامة الجبرية على
سليمان ديميريل، وبولنت أجاويد، زعيمي العدالة والشعب الجمهوري، نراهم يقدمون
للمحاكمة في 24/ 4/ 1981م البروفيسور أربكان و33
من زعامات حزب السلامة الوطني الإسلامي بتهمة استغلال الإسلام في العمل على إعادة
الحكم بالشريعة الإسلامية في تركيا، ولكن هذا التصرف يؤكد ما ذهبت إليه معظم وسائل
الإعلام من أن الهدف الرئيس للانقلاب العسكري كان التصدي لحزب السلامة الوطني. (نيوزويك
22/ 9/ 1980م، التايم 29/ 10/ 1980م، الوطن العربي العدد (188)، لوموند دبلوماتيك تشرين ثاني 1980م،
الشرق الأوسط 7/ 1981م).
وفي 25 نيسان 1983م، أعلن الانقلابيون عن السماح بتشكيل أحزاب جديدة، شريطة ألا يكون من بين
مؤسسيها أو أعضائها أي زعيم أو عضو بارز من الأحزاب التي حلها الانقلابيون غداة
نجاح انقلابهم في 12/ 9/
1980م، وعدد أعضائها 723
شخصًا.
وبلغ عدد
الطلبات التي قدمت للحكومة الانقلابية لتشكيل أحزاب 17
طلبًا، كان في مقدمتها حزب الديمقراطية القومي بزعامة الجنرال المتقاعد تورغوت
سونالب، وهو حزب يتبنى أفكار الانقلابيين ويحظى برعايتهم وتأييدهم، وحزب الوطن
الأم بزعامة أوزال، وهو عضو سابق في حزب السلامة الوطني، وكان مرشحه في انتخابات
عام 1973م في أزمير، ولكنه لم ينجح؛ مما أنجاه من قرار العزل السياسي.
كما تشكل حزب
ثالث أطلق عليه اسم «حزب الشعب» بزعامة نجدت جالب، وهو صديق مقرب لعصمت إينينو
خليفة أتاتورك وزعيم حزب الشعب الجمهوري، وشكل أعضاء حزب العدالة حزبًا جديدًا
أطلقوا عليه اسم «حزب تركيا العظيمة» بزعامة الجنرال المتقاعد حسام الدين سيندوروك
الذي كان لا يخفي علاقته الحميمة بزعيم حزب العدالة المنحل سليمان ديميريل، الذي
كان واضحًا أنه هو الزعيم الفعلي للحزب الجديد.
وحين أعلن
الانقلابيون اعتراضهم على حزب تركيا العظيمة، سارع مؤسسوه إلى تغيير اسمه إلى حزب
الطريق المستقيم، واختاروا لزعامته د. يلدرم أوجي.
أما أنصار الشعب
الجمهوري المنحل فقد التفوا حول زعامة أردال عصمت إينيوا الذي شكل حزبًا أطلق عليه
اسم «الحزب الاجتماعي الديمقراطي»، كما شكل أنصار حزب السلامة الوطني الإسلامي
حزبًا جديدًا واختاروا له اسم «حزب الرفاة»، واختاروا لزعامته أحمد تكدال، وهو من
المقربين للبروفيسور نجم الدين أربكان، أما أنصار حزب العمل القومي فأسسوا حزبًا
تحت اسم حزب «المحافظين».
وإلى جانب هذه
الأحزاب، تشكلت أحزاب صغيرة أخرى منها حزب الفضيلة، وحزب المهام العالمية، وحزب
الراية.
وفي 16 تشرين
الأول 1983م أعلن مجلس الأمن القومي وهو أعلى سلطة في البلاد برئاسة
رئيس الجمهورية كنعان إيفرن (زعيم انقلاب 1980م)، عن عزمه إجراء انتخابات نيابة
بعد الانقلاب، وأعلن أن الانتخابات ستجري بموجب قانون جديد كان يبدو واضحًا أنه
وضع خصيصًا لمنع التعددية الحزبية التي قد تزيد على ثلاثة أحزاب داخل البرلمان،
وكان واضحًا أن الانقلابين كانوا يقفون بشكل سافر إلى جانب حزب الديمقراطية
القومي، ففي الرابع من تشرين الثاني 1983م وجه رئيس الجمهورية كنعان إيفرن، ورئيس
وزرائه بولنت أوزولو نداءين من الإذاعة والتلفزيون يناشدان الشعب التركي من
خلالهما بالتصويت لحزب الديمقراطية القومي.
وفي 6 تشرين
ثاني 1983م، أسفرت الانتخابات عن نتيجة أذهلت الجميع، فقد فشل حزب
الديمقراطية القومي المدعوم من الجيش والحكومة الانقلابية في إحراز الفوز الذي كان
يتمناه، بل إنه جاء الأخير بين الأحزاب الثلاثة في عدد المقاعد التي فاز بها التي
لم تزد على 71 مقعدًا، بينما فاز حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال
بـ 211 مقعداً ثم تلاه الحزب الشعبي الذي فاز بـ 117 مقعداً،
وفسر المحللون السياسيون آنذاك هزيمة حزب الديمقراطية القومي بأنه هزيمة
للانقلابيين أنفسهم.
أما الأحزاب
الأخرى، فقد فشلت في تخطي النسبة المئوية من الأصوات التي اشترطها قانون
الانتخابات الجديد، وحيدت جميع الأصوات التي وصلت عليها لتصب في صالح الحزب الذي
حاز المرتبة الأولى وهو حزب الوطن الأم.
الخريطة
السياسية الحزبية
قبل ثلاثة أشهر
من موعد الانتخابات النيابية، التي كان من المفروض أن تجري في منتصف عام 1988م،
أقدم تورغوت أوزال على 3 خطوات سياسية كان لكل خطوة منها هدف خاص يخدم طموحات أوزال:
- في الخطوة
الأولى أجرى استفتاء شعبيًا لتحكيم الشعب التركي في موضوع رفع أو إبقاء قرار العزل
السياسي عن زعماء الأحزاب التي حلها انقلابيو عام 1980م،
وكان أوزال يهدف إلى إظهار اعتداده بقوة حزبه، وعدم خوفه من عودة أولئك الزعماء
إلى ساحة العمل السياسي، وكانت نتيجة الاستفتاء 51% مع رفع العزل و49% مع إبقاء
العزل.
- الخطوة
الثانية تمثلت في تمرير قانون انتخابي جديد بهدف ضمان بقاء الأكثرية المطلقة في
أيدي حزب «الوطن الأم»، وقد اتهمت جميع الأحزاب الأخرى بدون استثناء أوزال بأنه
فصل القانون تفصيلًا لمصلحة حزبه.
- أما الخطوة
الثالثة فقد تمثلت في تقديم موعد الانتخابية خاصة، وأنهم كانوا بحاجة إلى وقت كاف
لإعادة تلميع أسمائهم جماهيريًا بعد أن غيبتها قرارات العزل السياسي سنوات طويلة
عن الساحة السياسية.
- وكان من
الطبيعي أن يعاد خلط الأوراق الحزبية بعد رفع العزل السياسي عن الزعامات الفعلية
من جديد في الأحزاب التي شكلها أنصارهم إثر سماح الانقلابيين بتأسيس الأحزاب في
عام 1983م.
- وتبلورت
الخريطة الحزبية الجديدة، أو لنقل الطبعة الأخيرة والمنقحة للخريطة في تركيا بشكل
واضح من خلال المعركة الانتخابية التي جرت في 29 تشرين الثاني 1987م، فقد خاض المعركة الانتخابية 7 أحزاب بالإضافة إلى بعض المستقلين، وأسفرت
عن مفاجآت عديدة، فقد تراجعت أصوات حزب الوطن الأم بنسبة 9% عن أصواته التي أحرزها
في انتخابات عام 1983م، إذ لم يجز إلا 36.6% من أصوات الناخبين، ومع ذلك فقد
قفز عدد مقاعده في البرلمان إلى 292 مقعدًا بفضل
قانون الانتخابات الفريد من نوعه الذي ثبت فعلاً أنه فصل تفصيلاً لتكون النتيجة
على هذا النحو الغريب.
وفاز حزب الشعب
الاشتراكي بزعامة أردال عصمت إینینو بـ 24.6% من الأصوات، ولكن مقاعده لم تزد على 99
مقعدًا بفضل قانون الانتخابات العجيب، أما حزب الطريق المستقيم بزعامة السياسي
المخضرم سليمان ديميريل فلم يحصل إلا على 19.3% من الأصوات لتكون مقاعده 59 مقعدًا
فقط، وهذه الأحزاب الثلاثة هي الوحيدة التي استطاعت أن تتخطى نسبة الـ 10% من
الأصوات على مستوى الجمهورية كلها ليكون بإمكانها حسب القانون العجيب الحصول على
مقاعد.
أما الأحزاب
التي لم يحالفها الحظ، أو التي منعها القانون العجيب من الحصول على أي مقعد في
البرلمان رغم حصولها على بعض ملايين من الأصوات هي:
1- حزب اليسار
الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد السياسي المخضرم ورئيس الوزراء الأسبق لأكثر من
مرة، وقد حصل على 8.5% من الأصوات، ولم يفز بأي مقعد رغم أن الأصوات التي حصل
عليها زادت على مليوني صوت.
2- حزب الرفاه
الإسلامي بزعامة البروفيسور د. نجم الدين أربكان، وقد حصل على 7.5% من الأصوات،
ولكنه لم يحصل على أي مقعد في البرلمان رغم أن أصواته زادت على مليون و700 ألف صوت،
وعلى الرغم من عدم حصول حزب الرفاء الإسلامي على أي مقعد، فقد أذهل المراقبين بالقفزة
الضخمة التي حققها بالمقارنة مع انتخابات عام 1983م،
إذ كانت أصواته فيها حوالي 836 ألف صوت فقط؛ أي أنه ضاعف عدد أصواته خلال 4 سنوات
فقط.
3- حزب العمل
القومي بزعامة الضابط المتقاعد ألب أرسلان توركش؛ وهو الزعيم الروحي لمنظمة
«الذئاب الرمادية» القومية الإرهابية، ولم يحصل إلا على 2.9% من الأصوات.
4- حزب الإصلاح
الديمقراطي بزعامة إيكرت أديب علي، ولم يحصل إلا على 0.8% من الأصوات، وهذا الحزب
هو نسخة كربونية عن حزب الاتحاد والترقي الذي تسترت به الماسونية للقضاء على دولة
الخلافة العثمانية.