; فشل القمة الإفريقية: هل هو الفشل الوحيد؟ | مجلة المجتمع

العنوان فشل القمة الإفريقية: هل هو الفشل الوحيد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مشاهدات 58

نشر في العدد 598

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

– لو نجحت القمة الإفريقية لتصدعت المنظمة وتفرقت!!

– ضربت القارة الرقم القياسي في كل ألوان المعاناة.

لم يكن غريبًا، أن تنتهي القمة الإفريقية إلى الفشل للمرة الثانية خلال أربعة أشهر، فقد كانت هناك كثير من الإشارات الدالة على مثل هذه النهاية، بل كان بعض المراقبين يتصورون أنه لو نجحت القمة الإفريقية في الانعقاد فلربما تصدعت وتفرقت تفرقًا لا لقاء بعده، وقد يكون فشلها في الاجتماع أخف الضررين اللازم تحققهما في هذا الوقت بالذات!!

منظمة الوحدة الإفريقية:

يتساءل المرء مستغربًا عن التعليقات الكثيرة التي امتلأت بها الصحف والمجلات والإذاعات والنشرات الإخبارية والصيغ المأساوية عن ضياع المنظمة ومستقبلها الأسود؟!

ذلك أن فشل المنظمة ليس ابن الساعة بل هو فشل ارتبط بولادتها!

فإننا إذا حاكمناها لميثاق إنشائها الذي حرر سنة ١٩٦٣م ووقعت عليه إحدى وثلاثون دولة زاد عددها إلى خمسين -  باستثناء جمهورية الصحراء التي لم يحسم أمرها بعد  - فخلال هذه الفترة التي كانت تكمل العقد الثاني، وعقد خلالها ثمانية عشر مؤتمر قمة على مستوى الرؤساء، وثمان وثلاثون دورة انعقاد على مستويات وزارية، فماذا حققت المنظمة خلال هذه الفترة وهذه اللقاءات والمؤتمرات؟

وأين تجد الثمار لهذه الوحدة المرفوعة؟

أعلى مستوى السياسة؟ أم الاقتصاد؟ أم الصحة؟

أم أي شيء يمكن قياس نجاحها عليه؟!

ولا نردد هذا جحودًا في حقها، ولكنه الواقع الذي لا يقبل إلا التقرير، والإنجاز الهامشي الذي تم في بعض الأشياء ليس بالمعتبر إطلاقًا في حق منظمة تجمع حكومات خمسين دولة!!

وعدا البيانات الصاخبة الشاجبة للاستعمار والتمييز العنصري لا تسمع لهذه المنظمة صوتًا.

وليس أدل من قصة غزو يوغندة، التي تمت وسط صمت يشبه المباركة من هذه المنظمة التي حررت - أول ما حررت في ميثاقها - الحفاظ على استقلال الدول والشعوب الإفريقية!!

أسباب الفشل الحقيقية:

تردد أن فشل القمة الإفريقية، كان معزاه لأمرين:

أولهما: الاختلاف على قضية الصحراء المغربية، والتي قبلت بواسطة سكرتير المنظمة أدم كوجو بصورة شخصية تقريبًا أدت إلى كثير من النزاع.

والسبب الثاني: الاختلاف على قبول حسين هبري كرأس معترف به لتشاد وتتولى عبر هذا ليبيا التي ما زالت تقف مع عويدي ضد هبري.

والحق أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وهذه الأسباب التي تساق، ما هي إلا أعراض للداء المتأصل في الجسد الإفريقي!!

وليس صعبًا على الساسة الأفارقة - وفيهم كثير من أهل الدراية والمعرفة السياسية  -  أن يحسموا أمر الصحراء المغربية أو تشاد، ويقرروا وجه الحق في كليهما، فما ذلك بالأمر العويص، ولا الشيء الذي يصعب تحديده، وتأصيله، غير أن الأدوار العميقة في الساحة الإفريقية أثرت أن تعبر عن نفسها بامتطاء هذين السببين، وأن الذي يغوص فيهما، يجد أن الأمر يتعلق بعدة أشياء نحاول إيجازها في الآتي:

الفراغ العريض:

إن هذه القارة الإفريقية تشكو من فراغ شديد، وهناك كثير من الحقائق المؤلمة التي ترتبط بالغالبية المنتمية إليها، وربما ضربت الرقم القياسي في كل ما يشكو منه العالم من فقر وجوع ومرض وجهل وما إليه.

ولكنها ولا ريب لها سهم كبير من الفراغ الفكري والروحي، وكلنا نعلم حال الإسلام في إفريقيا والعلل التي يشكو منها والأثقال التي ينوء بها، وهو أمل القارة الحق دون أي قدر منالعاطفة.

وأما المسيحية فيكفي حالها في بلادها الأصلية فضلًا عن أن المسيحية في إفريقيا–للأسف - ما زالت تمثل دورًا استعماريًا في أغلبها وهي مشغولة في الفترات الأخيرة «بهداية» المسلمين!!

ولم تستطع إفريقيا أن تختلق عقيدة أو فكرة تجمع أبناءها! والمحاولات كلها فاشلة في هذا السبيل، عدا تلك النماذج المحلية التي تتوهم دورًا تبشيريًا خارجيًا لها مثل: محاولات نيريري وقبله نكروما وسنغور الذي حار بين الفلسفة والشعر، وحاول أن يلفق مقولات عن كينونة إفريقية خاصة لعلها صادقت رواجًا وذيوعًا نسبيًا لأسباب ليس هذا محل بسطها.

وقد حاولت بعض القيادات الإفريقية في وقت سابق أن تتخذ من عدم الانحياز دورًا ورسالة يتشبث بها المنتمون للكتلة مهضومة الحقوق- أسيا وإفريقيا- ولكن ذلك لم يجد أيضًا!

وماذا عن المجموعة العربية الإسلامية:

ويتساءل المرء عن هذه المجموعة التي تشكل جزءًا مهمًا من هذه القارة وهذه المجموعة لعبت دورًا مهمًا في التاريخ السابق للقارة، واستطاعت أن تخلع ربقة الجاهلية والوثنية عن كثير من أبنائها في شرقها ووسطها وغربها، وقد كان في إمكانها أن تسد فاقة القارة في الانتماء الذي هو أس فاقاتها الآخر.

ولكن ولأسباب معلومة لدينا جيدًا لم تستطع هذه المجموعة في حاضرها ذلك، فهي نفسها قد فرغت من رسالتها وصارت تلتمس الهدى من غرب وشرق، وتوزعت بينهما وألهاها صراعها الجديد مع أشقاء الدين والدم أن تلتفت لهذا الدور، فغدت مشلولة لا رجاء فيها على الأقل في هذا الوقت.

شاهد وبيان:

لعل أقرب مثال يوضح حال هذه المجموعة وصورتها الحقيقية، كتلة الشمال الإفريقي التي تضم الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ومصر.

وتأمل في انتماء وولاء كل واحدة منها، وانظر حال هذه المجموعة من خلال مسألة الصحراء المغربية ودول المغرب الإفريقي على وجه الخصوص شكلت وحدة ذات ملامح مشتركة ودور تاريخي حاسم، والأطوار التي مرت عليها متطابقة تقريبًا، والمتوقع أن تصهرها التجارب السابقة في كيان واحد، ولكن إذا خبرناها في نفس مسألة الصحراء المغربية هذه، ورأينا كيف تكيد ليبيا والجزائر وموريتانيا للمغرب، وموقف تونس المناهض لذلك، لشهدنا نموذجًا لحال المجموعة الإسلامية العربية، فهي تستنفد طاقاتها في الصراع الداخلي والكيد لبعضها البعض، وفي غضون ذلك لا وقت لديها لاستشعار دور أو كيان، ناهيك أن تتصدى للريادة والتبصير للأخرين من الأفارقة!

والاستعماران؟!

نعم، فلم يعد هو استعمار واحد بل استعماران، قديم كتلك القوى التي كانت تدين لها أجزاء كبيرة من إفريقيا الغربية والوسطى «الفرنسي» وهذا الاستعمار بحكم طبيعته الاستيطانية الاستئصالية استطاع أن يترك طابعه على كل الأشياء، وفي أولها التوجه الثقافي، ودول هذه المجموعة تعتبر في تلك المناطق حدًا بعيدًا، وزيارة ميتران الأخيرة لدول هذه المجموعة وما تزامن معها من تغييرات في الساحة شاهد كبير على ما نقول «انظر عدد المجتمع السابق» وإن في تشاد دليلًا ملموسًا على ذلك التأثير فحسين هبري لم يستطع تثبيت نفوذه إلا بعد «المباركة» الفرنسية!!

وأما الاستعمار الجديد فيتمثل في الأمريكان والسوفيت، وقد صار وجودهما محسوسًا من خلال عديد من الوكلاء والممثلين لكليهما ففي قضية الصحراء المغربية اتضح الولاء للاستعمار الجديد بوجهيه الأمريكي والسوفيتي، فالدول ذات الملامح الاشتراكية أيدت قيام جمهورية للصحراء وقبلت وجودها داخل المنظمة والدول ذات المنحى الأمريكي عارضت ذلك.

وضاعت مصلحة القارة الحقيقية ومصالح شعوبها ودولها وسط الصراع الدولي بكل أبعاده ومفارقاته.

والقذافي؟!

وهذه ظاهرة إفريقية - لو صح القول - تكاد تلمس كل أمراض القارة ومعاناتها من خلالها، وقد كاد يشكل معسكرًا خاصًا به من خلال طبيعته المغامرة وسحر «بترو دولاره» المعلوم!!

ثم مواقف الآخرين وردود أفعالهم التلقائية تجاه كل بادرة منه، ويظهر ذلك جليًا من خلال مصر والسودان فهما يعارضان كل ما يصدر عنه، وبالمقابلة يمارس القذافي ذلك.

ومن الأسباب المباشرة لفشل القمة الإفريقية الأخيرة حرص مصر والسودان ودول أخرى على عدم انتقال رئاسة مجلس الوحدة للقذافي، فالدور الآتي دوره - وفقًا لتقاليد المنظمة - إذ إن مفاجآت القذافي يصعب التنبؤ بها دائمًا والبعض يفضل أن تغدو المنظمة عاطلة عن العمل أو غير موجودة إن لزم الأمر بدلًا من هذا العالم المجهول، عالم رئاسة القذافي للمنظمة!!

وبعد:

فهذه محاولة لإيضاح بعض مجهول منظمة الوحدة الإفريقية، وتتبع لما وراء المظاهر من أسباب لا تبدو في النظرة الأولى ومع الصور القاتمة التي تحيط بالواقع الإفريقي المعيش، إلا إن هناك دورًا كبيرًا للمنظمة تقوم به إذا عوفیت إفريقيا من الأدواء التي سبق سردها، وشفاء إفريقيا في شفاء المجموعة الإسلامية فهل تقلع هذه عن غيها وتتصدى لدورها؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

135

الثلاثاء 21-يوليو-1970

صحافة - العدد 19