العنوان تكشف الوجه البشع لعنصرية الجنس الأبيض ضد السود والملونين.. فضائح مختبرات فئران التجارب «البشرية»!!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 56
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 14
السبت 13-نوفمبر-2010
استخدام البشر كـ«فئران تجارب» يعود لعام 1796م.. حين قام «إدوارد جينر» بحقن صبي بفيروس «جدري البقر» عمدًا
التجارب تحتمل النجاح والفشل.. وفشلها يُلحق الأذى بـ«الفأر البشري» حتى في البلدان المتقدمة رغم كل الاحتياطات!
الرئيس «كلينتون» اعتذر عن خداع الإدارة الصحية لـ(399) رجلًا أسود وحرمانهم من علاج «الزهري» خلال الفترة بين عامي 1932 و1972م.. قائلًا: إن الأمر كان مخزيًا!
.. والرئيس «أوباما» اعتذر عن تجارب مولتها جهات رسمية أمريكية على مواطنين من «جواتيمالا» بين عامي 1946 و1948م.. أصابتهم عمدًا بفيروسات تسبب أمراضًا جنسية!
ماذا حدث في الهند؟
في سبعينيات القرن الماضي تم توزيع دواء لمعالجة الحمى على مئات الآلاف من النساء فأصابهن بالعقم!
وفي الثمانينيات تم حقن نساء بدواء لمنع الحمل تبين أنه يسبب أورامًا!
وفي عام 2003 تم إعطاء دواء مضاد للسرطان لأكثر من 400 امرأة كن يسعين لتحسين خصوبتهن وكان الدواء سامًا للجنين!
دراسة لجامعة «بوسطن»: شركات الأدوية الأمريكية تستخدم موظفين للتسويق ضعفي ما تستخدم في مجال الأبحاث
وإحدى الشركات أنفقت أربعة مليارات دولار للتسويق والإدارة مقابل 1.93 مليار دولار للأبحاث والتطوير
شركات الدواء تحكم سيطرتها على توليد المعرفة العلمية وعلى النتائج التي تذهب للسلطات التي تمنح تراخيص الإجازة الطبية أو تلك التي يتم نشرها.. والنتيجة أن الأدوية تحصل على مصادقة دون معرفة مدى فاعليتها!
كل دواء جديد يحتاج للتجربة على 4000 شخص حتى تتم الموافقة عليه.. وهناك أدوية بحاجة لعدد أكبر
البروفيسور الأمريكي «دونالد لايت»: الآثار الجانبية السامة وسوء استخدام العقاقير جعلا الأدوية سببًا مهمًا من أسباب الوفاة
عضوة الكنيست الصهيوني «داليا إيزك»: الأسرى الفلسطينيون والعرب كانوا يخضعون لألف تجربة لأدوية تحت الاختبار سنويًا!
في شهر أكتوبر ۲۰۰۹م، واجهت الولايات المتحدة موقفًا محرجًا؛ إذ اضطر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» للاعتذار شخصيًا لرئيس «جواتيمالا»، كما قدمت وزيرتا الخارجية والصحة اعتذارًا مماثلًا.. أما سبب هذه الاعتذارات، فهي تجارب طبية مولتها جهات رسمية أمريكية، وأجريت على مواطنين من تلك الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى بين عامي ١٩٤٦ و١٩٤٨م، وأصابتهم عمدًا بفيروسات تسبب أمراضًا جنسية!
تفاصيل الفضيحة كشفتها «سوزان ريفيربي»، الأستاذة بجامعة «ويلسلي» الأمريكية، ونشرتها في شهر يناير الماضي، وجاء فيها أن معاهد الصحة الأمريكية دفعت منحًا لمكتب الصحة الأمريكي الحكومي بغرض تصنيع لقاحات، فقام الباحثون الأمريكيون بتجارب سرية بدأت بحقن نساء منحرفات بفيروس مرضي «الزهري» «السفلس» و«السيلان»، وتركوهن يقمن علاقات جنسية مع جنود وسجناء، علمًا بأن «الزهري» يسبب في مرحلة لاحقة العمى أو الجنون، وحتى الموت.
وبعد أن لاحظ الباحثون أن الإصابات محدودة بين الرجال، تغير مسار التجربة، وجرى حقن جنود وسجناء ومرضى نفسانيين بالمرض مباشرة، وقد شملت التجارب ٦٩٦ شخصًا لم يعرفوا هدف البحث ولا نتائجه، ولم تؤخذ موافقاتهم عليه.
رئيس جواتيمالا اتهم الولايات المتحدة بأنها ارتكبت «جريمة ضد الإنسانية»، وقال: إنه يشعر بالغضب والخيبة، وإن حكومته «تحتفظ بحق تقديم شكوى».
فضيحة «توسكيجي»
لم تكن هذه الفضيحة غير الأخلاقية الأولى في تاريخ الإدارة الصحية الأمريكية، فقد سبقتها فضيحة طالت مواطنين أمريكيين، لكنهم أقل درجة لأنهم من السود؛ ففي الفترة بين عامي ١٩٣٢ و١٩٧٢م، ولمدة ٤٠ سنة متصلة، حرم ۳۹۹ شخصًا من السود الذكور من علاج «الزهري»، بل تعرضوا فوق ذلك للخديعة من قبل دائرة الصحة الحكومية.
كان المزارعون السود في مقاطعة «ماكون» بولاية «ألاباما» يشكلون العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، ومع ذلك كانوا فقراء أميين.
وفي معهد «توسكيجي» «الذي عُرفت الفضيحة باسمه»، جرت دراسة بغرض تسجيل التاريخ الطبيعي للمرض عند السود، شملت ٦٠٠ رجل؛ من بينهم عينة تجريبية من ۳۹۹ شخصًا، وأخرى ضابطة من ۲۰۱ شخص.
لم يكن الزنوج وقتها يحلمون بأكثر من الرعاية الطبية والتأمين على الحياة، وقد أغروا ببعض الحوافز مثل الفحوص الطبية المجانية، ووجبات طعام في أيام الفحص، والعلاج المجاني للأمراض الثانوية وخدمات الدفن بعد الوفاة!
وكالعادة.. لم يخبر الباحثون «فئران التجارب البشرية» بحقيقة الدراسة أو الغرض منها أو الأخطار التي تهدد حياتهم أو أثر ذلك على زوجاتهم وأطفالهم، بل خدعتهم دائرة الصحة العامة، وأوهمتهم بأنهم يعالجون من «الدم الفاسد»، وهو مصطلح شاع آنذاك لوصف أمراض تشمل التعب، وفقر الدم، والزهري.
خداع واستغلال
عند بداية الدراسة، لم يكن هناك علاج ثابت علميًا لمرض الزهري، وفي عام ١٩٤٧م اعتمد «البنسلين» شفاء للمرض، ومع ذلك لم تعط للمرضى أي خيارات بل حجب عنهم العلاج ومات العشرات وانتشرت العدوى بين زوجاتهم وأولادهم وعدد لا يحصى من البشر!
وتكشفت هذه المأساة أيضًا بطريق غير مباشرة؛ ففي ٢٥ يوليو ۱۹۷۲م كتب عنها «جان هيللر» من وكالة «أسوشيتد برس» للأخبار، وأثارت الفضيحة احتجاج الرأي العام الدولي، فتحركت عدة وكالات فيدرالية أمريكية، وعينت وزارة الصحة والبحث العلمي الأمريكية فريقًا استشاريًا لمراجعة الدراسة التي أصبحت رمزًا قويًا للعنصرية في الطب والسلوكيات غير الأخلاقية في مجالات البحث البشري، وسوء الاستخدام الحكومي للمتطوعين.
صحيح أن الضحايا شاركوا دون إكراه، ووافقوا على الاختبارات، لكنهم تعرضوا للخديعة واستغلال جهلهم، وهناك أدلة على أنه تم تجاهل بروتوكول البحث العلمي، أو أنه طبق بشكل معيب.
والغريب أن يقدم البعض تفسيرًا عنصريًا لذلك؛ فالعلماء يعتقدون أن قلة من الناس خارج المجتمع العلمي يمكنهم فهم تعقيدات الأبحاث وطبيعة التجارب العلمية، فكيف نطلب موافقتهم على أمر لا تستوعبه عقولهم، خاصة إذا كانوا من مجتمع فقير غير متعلم كالسود؟!
وفي عام ۱۹۷۳م، أقام أحد المحامين دعوى تعويض جماعية نيابة عن الضحايا وأسرهم، وجرت تسوية خارج المحكمة نالوا فيها تعويضًا بأقل من 10 ملايين دولار.
اعتذار رسمي
ورغم مرور السنين لم تتحرك الحكومة الأمريكية، حتى تشكلت في يناير ١٩٩٦م لجنة باسم «ميراث دراسة توسكيجي» قدمت تقريرًا في مايو ١٩٩٦م، حثت فيه الرئيس «آنذاك» «بيل كلينتون» على الاعتذار عن الأخطاء.. وفي ١٦ مايو ۱۹۹۷م، أي بعد عام من الطلب، أعلن كلينتون الاعتذار قائلًا: إن «ما قامت به حكومة الولايات المتحدة كان مخزيًا»، وأعلن عن زمالات دراسية حكومية لأخلاقيات علم الأحياء، واقترح منحة للتخطيط لإنشاء مركز أخلاقيات علم الأحياء في جامعة «توسكيجي»، ولم يكن قد بقي من الضحايا على قيد الحياة سوى ثمانية أشخاص!
وعلى الرغم من اعتذار «كلينتون»، فإن تداعيات هذا العمل الشائن ظلت قائمة وجاءت فضيحة «جواتيمالا» الأخيرة لتزيد الجرح إيلامًا.
بعد فضيحة «جواتيمالا»، أكد الرئيس «أوباما» «التزام الولايات المتحدة الثابت بضمان أن تكون كل التجارب الطبية البشرية التي تُجرى اليوم مستوفية للمعايير الأخلاقية والقانونية في الولايات المتحدة والعالم».
ولكن إذا التزمت الحكومة الأمريكية فهل يمكنها إلزام شركات الأدوية الأمريكية متعدية الجنسيات التي تجري عمليات تجريب الأدوية على البشر في الدول المتخلفة؟
ففي أفريقيا وآسيا تنتشر مختبرات شركات الأدوية كالسرطان، فهل ذهبت إلى هناك لعلاج المرضى الفقراء أم هربًا من القيود المشددة التي فُرضت عليها في بلدانها؟
في عام ٢٠٠٦م، أجرت شركة «جلاكسو سميث كلاين» أكثر من نصف تجاربها خارج الأسواق الغربية، خاصة في الدول الفقيرة.
وفي مايو ۲۰۰۷م، ذكرت مجلة «لوموند ديبلوماتيك» أن «الأبحاث التي تُجرى هناك تستهدف التوصل لأدوية لمرضى الدول الغنية»، أما أمراض الدول الفقيرة فلا تدخل ضمن أولويات الشركات، إذ يجب أن يكون عائد العملية التجارية كبيرًا للدرجة التي تثير اهتمام الشركة.
قصة التجارب
الواقع أن التجارب العلمية لإنتاج أدوية جديدة لها وجهان متناقضان؛ فهي تسعى لتخفيف معاناة البشر، لكنها تحقق ربحًا يفوق أرباح أي نشاط صناعي أو تجاري آخر أضعافًا مضاعفة، ولذا فقد أصبحت شركات الأدوية من أكبر الكيانات الاقتصادية في العالم.
وتستخدم معامل التجارب ما بين ٥٠ إلي ۱۰۰ مليون حيوان فقاري سنويًا، وأعدادًا أكبر من اللا فقاريات، أما استخدام البشر کفئران تجارب فيعود لعام ١٧٩٦م، حين قام «إدوارد جينر» -مكتشف التطعيم- بحقن صبي بفيروس «جدري البقر» عمدًا، بعد أن لاحظ أن الأشخاص المصابين بجدري البقر لا يُصابون بالجدري، وهو أشد فتكًا بالبشر... وبعد شفاء الصبي حقنه بفيروس الجدري، فلم يتأثر به، وشجع ذلك على تطوير اللقاح الذي أنقذ البشرية.
لكن الأمر لا يخلو من الأخطار الجسيمة، فالتجارب تحتمل النجاح والفشل، بل احتمال الفشل أكبر، كونها لا تزال في طور التجربة، وفشلها يلحق الأذى بـ«الفأر البشري» حتى في البلدان المتقدمة، رغم كل الاحتياطات.
وفي عام ٢٠٠٦م، أصيب ستة متطوعين في بريطانيا بمضاعفات خطيرة بعد خمس دقائق من تعاطي دواء مضاد للالتهابات، حتى أن رأس أحدهم تضخم إلى ثلاثة أضعاف حجمه الطبيعي، ودخل البعض في غيبوبة، كما حدثت حالات وفاة عام ١٩٨٧م في أيرلندا، وعام ۱۹۹۹م في الولايات المتحدة.
وأصبحت شركات الأدوية أمام تحديين قاتلين:
- رغم أن مواطني الدول المتقدمة هم الأكثر استفادة من الأدوية الجديدة، إلا أنهم الأقل استعدادًا للمشاركة في اختبارات التطوير، علمًا بأن كل دواء جديد يحتاج للتجربة على أكثر من ٤٠٠٠ شخص حتى تتم الموافقة عليه، وهناك أدوية بحاجة لعدد أكبر.. ففي الولايات المتحدة يوافق أقل من ٥% على المشاركة في الاختبارات، ومن بين خمسة أدوية جديدة ينجح دواء واحد في جمع عدد كاف من المتطوعين، لذا لم يعد غريبًا أن نقرأ إعلانات مغرية للغاية تدعو الناس إلى التطوع للخضوع للتجارب.
- زيادة الاهتمام بـ «الأخلاقيات البيولوجية» والضوابط الرقابية على التجارب، وقد برزت أهمية الأخلاقيات البيولوجية إثر الكشف عن تجارب النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، وظهرت كفرع أكاديمي في بعض الجامعات، كما ظهرت كتب ودراسات حول قواعد العمل وحماية المتطوعين، ونظمتها وثائق دولية مثل قانون «نورنبيرج» لعام ١٩٤٧م، وإعلان «هلسنكي» الصادر عن الجمعية الطبية العالمية في عام ١٩٦٤م والمعدل عام ٢٠٠٤م.
لكن قواعد البحث العلمي تختلف من دولة لأخرى، فهي في بريطانيا أقل صرامة منها في دول أوروبية أخرى أو الولايات المتحدة، والسبب أن الهيئة التنظيمية للأدوية البريطانية تتلقى تمويلًا من شركات الأدوية التي يُفترض أنها الرقيب عليها(!!)، ولذا تُجرى في بريطانيا وحدها نصف التجارب الأوروبية لاختبار عقار جديد على أشخاص أصحاء.
وقبل عرض الدواء في الأسواق ينبغي تجربته عبر مراحل تبدأ في أنابيب المختبرات وبرامج الحاسوب، وعادة ما تفشل غالبية الأدوية في تجاوز هذه المرحلة.. وهناك التجارب على الحيوان والمرحلة الأخيرة هي التجارب على البشر، وهؤلاء يكونون من «المتطوعين» أو هكذا يُقال عنهم، والواقع أنهم إما مغرر بهم لا يدرون ما يفعل بهم، وإما أجراء يوظفون أجسادهم حين تنعدم أمامهم فرص العمل، أو تغريهم الحوافز المقدمة لهم، وربما قلة من المتحمسين لخدمة البشرية.
«مقاول من الباطن»
ولمواجهة التحديات السابقة، لجأت شركات الأدوية إلى الدول «المتخلفة» «النامية»، وتخصصت شركات في تنفيذ التجارب الطبية هناك لحساب شركات الأدوية، أي أصبحت تعمل بمثابة «مقاول من الباطن».
قد يتطلب جمع العدد المطلوب من «المتطوعين» أعوامًا؛ مما يعطل أعمال تطوير الدواء، لكن «مقاولي الباطن» يستطيعون توفيرهم بسرعة؛ بسبب خبرتهم بالسوق ومعرفة الزبائن.. وقد جمعت شركة «كينتيل» ۳۰۰۰ مريض خلال تسعة أيام في جنوب أفريقيا، وتؤكد شركة «كافانس» قدرتها على إدارة تجارب في ٢٥ ألف مركز مختلف في عدة بلدان.
ومع الوقت، تتوثق العلاقات بين الشركة والزبائن حتى أن بعضها يحافظ على نفس المتطوعين بنسبة ٩٩,٥%، فقد أصبح الفقراء موظفين لدى تلك الشركات يعيشون على الأجر الذي يحصلون عليه منها.
ومع خروج الشركات من بلدانها، أصبحت غير ملزمة بالتصريح عن تجاربها بالخارج، وما يلزمها فقط هو إعلان «هلسنكي» السابق الإشارة إليه، والقوانين المحلية إن وجدت.. وحتى إن وجدت القوانين المحلية، فهناك جيوش من المنتفعين والمرتشين الذين يقومون بتسهيل كل عسير، وقد تجد من المتطوعين أنفسهم من يداري طمعًا في الحصول على الدخل الجاري.
وفي حال فشل التجارب، وهو أمر متكرر الحدوث، يختفي الباحثون، وتُغلق المكاتب لتُفتح بأسماء أخرى..
ففي مصر، تقوم بالأبحاث شركات غير مرخصة، ويتم إخضاع الشباب للتجارب مقابل أقل من ٣٠ دولارًا.
وفي الهند:
- وزّع في سبعينيات القرن الماضي دواء لمعالجة الحمى على مئات الآلاف من النساء فأصبهن بالعقم.
- وفي الثمانينيات، حقنت نساء بدواء لمنع الحمل تبين أنه يسبب أورامًا.
- وفي عام ٢٠٠٣م، أعطي دواء مضاد للسرطان لأكثر من ٤٠٠ امرأة كن يسعين لتحسين خصوبتهن، وكان الدواء سامًا للجنين.
ورغم تناقل هذه الفضائح وغيرها إعلاميًا إلا أنه لم يتم إجراء تحقيق قضائي؛ فغياب القانون أمر عادي، والرقابة السياسية والقانونية شبه منعدمة في العالم الثالث.
فوائد قليلة وأضرار جسيمة
وتقلل شركات الأدوية من الآثار الجانبية الخطيرة التي تحملها المركبات الجديدة، ويكشف تقرير حديث أعده البروفيسور «دونالد لايت» أستاذ الصحة المقارنة بجامعة «نيوجيرسي» أن نسبة ٨٥% من العقاقير المطروحة في السوق تقدم فوائد قليلة للمرضى، فيما يُحتمل أن تسبب لهم أضرارًا جسيمة، واتهم شركات الأدوية بخداع الجمهور.
وفي تصريحات لصحيفة «دايلي تليجراف» البريطانية، قال: «تقوم شركات الأدوية في بعض الأحيان بإخفاء معلومات تتحدث عن احتواء العقاقير الجديدة على آثار جانبية خطيرة أو التقليل من شأنها، وتبالغ في الوقت ذاته في فوائدها.. ينفقون أموالًا على التسويق تزيد بضعفين لثلاثة أضعاف عما ينفق على البحوث؛ لإقناع الأطباء بأن يكتبوا الأدوية الجديدة للمرضى وقد يحصل الأطباء على معلومات مضللة ثم يضللون المرضى بشأن أخطار الأدوية الجديدة.. إنها في واقع الأمر «سوق ليمون» يعرف فيها البائع أكثر من المشتري».
وأشار «لايت» إلى أن الآثار الجانبية السامة وسوء استخدام العقاقير جعلا من الأدوية سببًا مهمًا من أسباب الوفاة، وقال: إن «الترويج لأحد الأدوية يبدأ من خلال تجارب سريرية مصممة للحد من الأدلة التي تشير إلى وجود ضرر، وكذلك نشر مواد مطبوعة تؤكد المزايا.. وقد أصبح الأطباء -عن غير قصد- «عملاء مزدوجين»، فهم من ناحية يروجون للدواء الجديد، ومن ناحية أخرى ينظمون بصورة موثوق بها صحة المرضى».
وكشف «لايت» أن شركات الدواء «تحكم سيطرتها على توليد المعرفة العلمية، وكذلك النتائج التي تذهب للسلطات المانحة لتراخيص الإجازة الطبية أو تلك التي يتم نشرها.. والنتيجة أن الأدوية تحصل على مصادقة دون أن يتمكن أحد من معرفة مدى الفاعلية التي تتمتع بها في واقع الأمر، أو مدى الأضرار الجسيمة التي ستسببها»!
انهيار أخلاق المهنة!
ويقول «جان فيليب شيبو»، الباحث النشط في «مؤسسة الأبحاث التنموية» بالعاصمة السنغالية «داكار»، والذي كتب أكثر من دراسة عن شركات الأدوية في أفريقيا: «تنظم شركات تصنيع الأدوية، في كافة دول الجنوب اختبارات طبية تستهتر بالأخلاق وبصحة المرضى من خلال غياب موافقة الأشخاص الذين تشملهم التجارب وإعطائهم معلومات مختصرة، إضافة إلى عدم وجود مراقبة كافية للعلاج، والانتفاع الضئيل الذي يعود على المريض أو الشعب».
ويتابع: «في أفريقيا، القوانين المتعلقة بالطب وصناعة الأدوية تبدو مهملة أو غير مناسبة، وقد أصبح احتمال التقصير في أخلاق المهنة كبيرًا بسبب نقل المختبرات لتجاربها أكثر فأكثر إلى أفريقيا.. إن كلفتها هناك تقل إلى خمس كلفتها في الدول المتطورة، كما أن ظروف انتشار الأوبئة في أفريقيا مناسبة أكثر لإجراء الاختبارات».
ويشير «شيبو» إلى اختبار دواء «تروفان» الذي جرى في نيجيريا دون استشارة السلطات أو لجنة أخلاق المهنة فيما يتعلق بالمعلومات التي تعطى للعائلات والحصول على موافقتها، كما أن اختبارات مضاد الجراثيم «التينوفوفير» التي أجريت مع ٤٠٠ «بائعة هوى» كاميرونية، بين يوليو ٢٠٠٤ ويناير ٢٠٠٥م، لا تتطابق مع المقتضيات الأخلاقية، «واعتقد بعض النساء أن الاختبار مجرد تطعيم».
وفي مواجهة ذلك، تنشط شركات الأدوية للغاية في مجال الدعاية والتسويق والعلاقات العامة، وفي عام ۲۰۰۱م نشر باحثان من جامعة «بوسطن»، دراسة أظهرت أن شركات الأدوية الأمريكية تستخدم موظفين في مجال التسويق ضعفي ما تستخدم في مجال الأبحاث، وأن إحدى الشركات أنفقت عام ۲۰۰۰م قرابة أربعة مليارات دولار للتسويق والإدارة مقابل ۱٫۹۳ مليار دولار للأبحاث والتطوير، كما أصبح لشركات الأدوية مجموعات ضغط «لوبيهات» تدافع عن مصالحها، ومصالح مشتركة مع مؤسسات أخرى كالجامعات التي تبيع براءات الاختراع للشركات.
صحيح أنه يمكن وضع حد لهذه التجارب إذا ما تصاعدت الاحتجاجات عليها، لكن -كما يقول عالم الأخلاقيات الحيوية «جوناثان مورينو»- سيكون ذلك جزءًا من الثمن الذي يجب دفعه إذا أردنا الاعتراف بوجود فرق بين فأر تجارب وكائن بشري، أي إذا أردنا أن نرتقي بالإنسان المرتبة أعلى من الفأر.
طب بديل وأدوية شخصية
ومع زيادة إدراك الشعوب الفقيرة للاستغلال البشع الذي تتعرض له، ظهرت اتجاهات لإعادة النظر في شرعية الطب الغربي، فقد وصفت وزيرة الصحة في جنوب أفريقيا الأدوية المضادة لمرض نقص المناعة بأنها «سم»، ورفض مسؤولون نيجيريون لقاحًا ضد الشلل اعتبروه خطيرًا.
ويلقى الطب البديل قبولًا شعبيًا واسعًا في البلاد العربية، وهناك اتجاه للطب الصيني، وهناك -أيضًا- علم الصيدلة الجيني الذي يهدف إلى إنتاج وتصنيع الأدوية حسب المحتوى الجيني للفرد والمورثات الخاصة به؛ إذ يختلف رد فعل كل منا تجاه الدواء الواحد فالدواء الذي يعالج شخصًا لا يعالج آخر بل ربما يصيبه أو يؤدي إلى الوفاة..
وهناك من يستفيد بالدواء سريعًا نظرًا لسرعة استجابة خلاياه وتفاعلها مع الدواء وامتصاصها له، وهناك من لا يستجيب بنفس القدر، لأننا مختلفون في محتوانا الجيني.
وتربط الصيدلة الجينية علومًا كالكيمياء الحيوية والعقاقير بعلوم حديثة كالوراثة ويطمح علماء هذا المجال إلى صنع دواء شخصي لكل إنسان طبقًا لمحتواه الجيني وسيؤدي ذلك إلى تلافي العديد من الآثار غير المرغوبة لاستخدام الأدوية العادية، ويوفر الكثير من الوقت في التجارب.
الأسرى والمعتقلون.. في حقول التجارب!
إلى جانب الفقراء والمغرر بهم ممن يخضعون للتجارب، هناك الأسرى والمعتقلون الذين يخضعون لتجارب رغمًا عنهم، وقد كشف «المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة» عن تجارب أجراها الصهاينة في فلسطين المحتلة على ٦٠ مريضة بداء السكري، غالبيتهن نساء عربيات، دون الحصول على موافقتهن!
وقد أجرى التجارب أطباء في مستشفى «مائير» في «كفار سابا» خلال السنوات (۲۰۰۱- ۲۰۰۳م)؛ من أجل المقارنة بين نوعين من الأدوية ومدى تأثيرهما على إفراز البروتينات لدى مرضى السكري، دون الاستناد إلى أي أساس قانوني.
كما كشف تقرير فلسطيني عن استغلال أسرى فلسطينيين لتجريب أدوية جديدة في مختبرات وزارة الصحة الصهيونية، وقياس تأثيراتها على الوظائف الحيوية لأجسام الأسرى.
وتحدثت «مؤسسة التضامن الدولي» عن استخدام الأسرى الفلسطينيين حقولًا للتجارب على الأدوية والمستحضرات الطبية، ونقلت عن عضوة الكنيست «البرلمان» الصهيوني ورئيسة لجنة العلوم البرلمانية سابقًا «داليا إيزك»: إن «ألف تجربة لأدوية تحت الاختبار كانت تنفذ سنويًا بحق الأسرى الفلسطينيين والعرب».
وقبل ذلك، شهدت محاكم «نورنبيرج، التي كانت تحاكم قيادات النازية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، محاكمة الأطباء الذين أجروا تجارب طبية على البشر.. وبعد استسلام اليابان إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، اكتشف السوفييت منشآت سرية لتجربة وإنتاج أسلحة الدمار الشامل. وفي تلك المواقع، كان جيش «كوانتونج» -وهو فرع للجيش الياباني كان متمركزًا في شمال الصين- مسؤولًا عن بعض أسوأ جرائم الحرب، بما في ذلك إجراء عدد من التجارب على مدنيين وأسرى حرب من الصين وأمريكا وروسيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل