; فضل الحج | مجلة المجتمع

العنوان فضل الحج

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012

مشاهدات 61

نشر في العدد 2024

نشر في الصفحة 36

الأحد 14-أكتوبر-2012

  • أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال والصيام كذلك، والحج يجهدهما فرأيته أفضل.
  • الحج اعتبر جهادًا لأنه يجهد المال والنفس والبدن.

الحمد لله الذي فرض الحج إلى البيت الحرام، وشوق القلوب إلى تلك المنازل والديار الفخام، وأجاب دعوة شيخ الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فقدم الناس إلى الساحات المقدسة راغبين، والبقاع المطهرة ممتثلين طائعين، يهتف بهم داعي الشوق والحنين: هلموا إلى مطاف النبيين، ومتنزل الملائكة المقربين، ومهوى أفئدة الصالحين.

والصلاة والسلام على من طهر تلك المنازل المقدسة من شوائب الوثنية، وعاد بالشرائع إلى ما كانت عليه أيام الرسالة الإبراهيمية، وأكمل بسنته الشريفة هذه الشعيرة الحنيفية، فاقتفى حجته كل راغب في الحسنات، وممني النفس بالوصول إلى تلك المزارات العظام الرائعات، فيسكب هنالك العبرات، ويرجو إقالة العثرات، ومغفرة السيئات ورفعة الدرجات، والتجاوز عما سلف وكان من التقصير في جنب الملك الرحيم الرحمن.

فريضة عظيمة

والحج فريضة عظيمة، وشعيرة فخيمة وزمان للغفران، ومكان لدحر الشيطان، يمحو الله لعباده صحائف السيئات، فإذا بها صارت حسنات، كرمًا من الله وجودًا وإحسانًا، وتلطفًا منه جل جلاله وبرًا وغفرانًا، فما أحرانا أن نتعرض لهذا الكرم العظيم، ونرد البيت الحرام حينا بعد حين، عسى أن نكتب في السعداء الفائزين.

وقد قال الحافظ ابن رجب عبد الرحمن بن أحمد الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥هـ يرحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور». 

هذه الأعمال الثلاثة في الحقيقة ترجع في إلى عملين: أحدهما الإيمان بالله ورسوله، وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر -كما فسر النبي ﷺ الإيمان بذلك في سؤال جبريل له وفي غيره من الأحاديث- وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه كأول البقرة ووسطها وآخرها، والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين مواضع هذين الأصلين في من كتابه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف: 10- ١١)، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: 15)، وإنما كان الحج والعمرة جهاداً لأنه يجهد المال والنفس والبدن كما قال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال، والصيام كذلك، والحج يجهدهما فرأيته أفضل.

الحج تطوعًا أم الصدقة؟، وقد اختلف العلماء في تفضيل الحج تطوعًا أو الصدقة، فمنهم من رجح الحج كما قاله طاوس وأبو الشعثاء وقاله الحسن أيضًا، ومنهم من رجح الصدقة وهو قول النخعي، ومنهم من قال: إن كان ثم رحم محتاجة أو زمن مجاعة فالصدقة أفضل وإلا فالحج. 

وهو نص أحمد، وروي عن الحسن معناه: وإن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع بالحج.

وسئل سعيد بن جبير: أي الحاج أفضل؟

قال: من أطعم الطعام وكف لسانه.

وقال أبو جعفر الباقر: وما يعبأ بمن يوم هذا البيت إذا لم يأت بثلاثة: ورع يحجزه عن معاصي الله تعالى، وحلم يكف به غضبه، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين، فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار خصوصًا في سفر الحج، فمن كملها فقد كمل حجه وبر.

خير الناس

وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134) والحج يحتاج إلى مخالطة الناس، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.

قال ربيعة: المروءة في السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله عز وجل.

وجاء رجلان إلى ابن عون يودعانه ويسألانه أن يوصيهما، فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ وبذل الزاد، فرأى أحدهما في المنام أن ابن عون أهدى إليهما حلتين.

والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه.

خدمة الأصحاب

وكان كثير من السلف يشترط علي أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتنامًا الأجر ذلك منهم عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان.

وترافق بهيم العجلي -وكان من العابدين البكائين- ورجل تاجر موسر في الحج، فلما كان يوم خروجهم للسفر بكي بهيم حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض، وقال: ذكرت بهذه، الرحلة إلى الله، ثم علا صوته بالنحيب، فكره رفيقه التاجر منه ذلك، وخشي أن يتنغص عليه سفره معه بكثرة بكاته، فلما قدمًا من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلم عليه وسأله عن حاله مع بهيم، فقال له: والله ما ظننت أن في هذا الخلق مثله، كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معسر وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مقطر، فسأله عما كان يكره من كثرة بكائه فقال: والله ألفت ذلك البكاء وأشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة، ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا والمصير واحد فجعلوا والله يبكون ونبكي، ثم خرج من عنده فدخل على بهيم فسلم عليه وقال له: كيف رأيت صاحبك؟ قال: خير صاحب، كثير الذكر لله، طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة متحمل الهفوات الرفيق، فجزاك الله عني خيرًا.

حج ابن المبارك

وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطعام وهو صائم، وكان إذا أراد الحج من بلده مرو جمع أصحابه وقال: من يريد منكم الحج؟ فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه، ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعامًا ثم جمعهم عليه ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم، فرد إلى كل واحد نفقته. 

وقد كان السلف يواظبون في الحج على نواقل الصلاة، وكان النبي ﷺ يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويوتر عليها، وحج مسروق فما نام إلا ساجدًا، وكان محمد بن واسع يصلي في طريق مكة ليله أجمع في محمله يومئ إيماءً. 

وكان المغيرة بن الحكم الصنعاني يحج من اليمن ماشيًا، وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده ثم يلحق بالركب متى لحق، فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار: سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم             ونزلت بالبيداء أبعد منزل

الحرص على الصلاة: ومتى علم الله من عبده حرصه على إقام الصلاة على وجهها أعانه، قال أحد العلماء: كنت في طريق الحج، وكان الأمير يقف للناس كل يوم لصلاة الفجر فينزل فنصلي ثم تركب، فلما كان ذات يوم قرب طلوع الشمس ولم يقفوا للناس فناديتهم! فلم يلتفتوا إلى ذلك، فتوضأت على المحمل ثم نزلت للصلاة على الأرض ووطنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى، وكانوا لا ينزلون إلى قريب الظهر مع علمي بمشقة ذلك علي وأني لا قدرة لي عليه فلما صليت وقضيت صلاتي نظرت إلى رفقتي فإذا هم وقوف وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه، فسألتهم عن سبب وقوفهم فقالوا: لما نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض، فنحن في تخليصها إلى الآن، قال: فجئت وركبت وحمدت الله عز وجل، وعلمت أنه ما قدم أحد حق الله تعالى على هوى نفسه وراحتها إلا ورأى سعادة الدنيا والآخرة، ولا عكس أحد ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا ورأى الشقاوة في الدنيا والآخرة.

ذكر الله تعالى

ومن أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه، وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى، وخصوصًا كثرة الذكر في حال الإحرام بالتلبية والتكبير، وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: «أفضل الحج العج والثج»، وفي حديث جبير بن مطعم المرفوع: «عجوا التكبير عجًا وثجوا الإبل ثجًا»، فالعج رفع الصوت بالتكبير والتلبية، والتج: إراقة دماء الهدايا والنسك، والهدي من أفضل الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ ﴾ (الحج : ٣٦)، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32)، وأهدى النبي ﷺ في حجة الوداع مائة بدن، وكان يبعث بالهدي إلى منى فتنحر عنه وهو مقيم بالمدينة.

اجتناب الإثم

والأمر الثاني مما يكمل بر الحج اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ﴾ (البقرة: ۱۹۷)، فما تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى، ولا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى.

ومن أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام، وأن يطيب نفقته في الحج وآلا يجعلها من كسب حرام.

ومما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتم بر حجه الا يقصد بحجه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرًا ولا خيلاء، ولا يقصد به إلا وجه الله تعالى ورضوانه ويتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه. 

وفي حديث المباهاة يوم عرفة أن الله تعالى يقول لملائكته: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ضاحين، اشهدوا أني قد غفرت لهم». 

قال عمر يومًا وهو بطريق مكة:

تشعثون وتغيرون وتتفلون وتضحون (1)[1] لا تريدون بذلك شيئًا من عرض الدنيا، ما تعلم سفرًا خيرًا من هذا، يعني الحج.

سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنًا يترددون إليه، ويرجعون عنه ولا يرون أنهم قضوا منه وطرًا لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله عز وجل لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج: 26)، تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا، وكلما تذكروا بعدهم عنه أتوا، انتهى كلام الحافظ ابن رجب يرحمه الله تعالى.

تلك كانت بعض فضائل الحج، أوردتها على وجه الإيجاز، وإلا فهي بحر خضم، والله الموفق.

---------------------------------

الهامش

 (1)      الشعث: انتشار الشعر واغبراره، والتفل هو تغير الرائحة بسبب ترك الطيب، وتضحون أي تتعرضون للشمس.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

98

الثلاثاء 12-يناير-1971

الرحلة المباركة

نشر في العدد 45

94

الثلاثاء 26-يناير-1971

هذا الأسبوع (45)

نشر في العدد 182

213

الثلاثاء 01-يناير-1974

أسرار الحج وحكمته ومعانيه