العنوان فضيحة راهب لم تعد مسئولية شخصية
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 28
السبت 07-يوليو-2001
تساؤلات عن موقف الكنيسة القبطية من انحرافات بعض رجالها.. ومراجعات لكثير من المسلمات
لأول مرة: مظاهرات قبطية في الشوارع.. وهتافات تدعو شارون لضرب مصر!
لأول مرة منذ سنوات طويلة.. يتحول موضوع صحفي تنشره جـريـدة مـصـريـة أسبوعية إلى قضية سياسية متوترة شغلت مصر وتسببت في خروج المظاهرات إلىالشوارع ولأن الموضوع المنشور لم يكن عاديًا فقد كان رد الفعل أيضًا غير عادي.
وعاش المصريون أيامًا في حالة من الدهشة: البعض بسبب الموضوع.. والبعضالآخر بسبب رد الفعل عليه.
بدأت القصة يوم السابع عشر من يونيو الماضي حين نشرت جريدة «النبأ» الأسبوعية تحقيقًا مشفوعًا بالصور والعناوين الرئيسية المثيرة يتناول قصة انحراف راهب قبطي يدعى «برسوم المحرقي» الذي استغل شخصيته «الدينية» في الإيقاع بإحدى الأسر النصرانية، وشملت أعماله ممارسة الرذيلة والسرقة والابتزاز.
تلك القصة مثلت نموذجا «مثاليًّا» لحالة الاشتباك والتداخل بين قضايا العقيدة والسياسة والإعلام والمال.
الصحيفة: تصدر جريدة النبأ بصفة أسبوعية عن دار نشر مستقلة (لا تتبع الحكومة ولا أحد أحزاب المعارضة) كما تصدر عن الدار نفسها جريدة يومية باسم «آخر خبر» الجريدة معروفة بتأييدها المطلق للرئيس مبارك.. وتولت في بعض الفترات الترويج لتولي ابنه جمال السلطة من بعده، كما أن كبير مستشاريها من عائلة الرئيس. وفي العدد الذي فجّر المشكلة كتب رئيس تحريرها ممدوح مهران أن الرئيس قال له في لقاء عام: «أنت الوحيد اللي فاهمني». وقد توسعت الدار منذ تأسيسها قبل أقل من سنتين فأصبح لديها شركة توزيع ومطابع خاصة بها وقدمت للسلطة نموذجًا مغريًا لتجربة جديدة؛ فهي لا تحمل الدولة الأعباء المالية الكبيرة التي تدفعها للمؤسسات الصحفية المسماة بالقومية وفي الوقت نفسه فهي لا تقلعنها تأييدًا للسلطة.
التوقيت: قبل نشر قضية الراهب القبطي كان الشارع المصري مشغولًا بقضايا مهمة من قبيل:
1- تحويل عدد من الوزراء والمحافظين السابقين ومسئولين آخرين إلى التحقيق بتهم الفساد المالي والإداري والتربح بطريق غير مشروع، وقد بدا أن الحبل على الجرار وأن التحقيقات يمكن أن تطال آخرين لا يزال بعضهم في السلطة...
وثارت التساؤلات: من أتاح لأولئك المتهمين ارتکاب ما ارتكبوا؟ وماذا عن الآخرين الذين لم ينكشف أمرهم بعد؟
2- الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أصابت قطاعات واسعة من الاقتصاد المصري بالانهيار، وشروع عدد كبير من الشركات في الاستغناء عن العمالة التي تحولت إلى بطالة في ظل غياب أي بديل اقتصادي أو اجتماعي يمكن أن يؤمن مصادر للدخل للعاطلين عن العمل حيث لا توجد فرص عمل جديدة متاحة كما لا توجد أية ضمانات اجتماعية للعاطلين.
3- انتخابات مجلس الشورى التي مورست فيها التدخلات الأمنية الكبيرة لضمان حصر الانتخابات في دائرة الحزب الحاكم أو المنشقين عليه دون غيرهم، وعلى الرغم من نجاح أسلوب التدخل الأمني في الانتخابات، إلا أنه ليس الأسلوب الأمثل حتى من وجهة نظر السلطة، ويتضح ذلك من التوجه لإجراء تغيير جديد على قانون الانتخابات تظن السلطة أنه يمكن أن يحقق لها «مزية استبعاد» الإسلاميين دون حاجة إلى التدخل الأمني السافر. وقد أشارت تصريحات رسمية الأسبوع الماضي إلى توافر نية حل البرلمان بعد إجراء التعديل على قانون الانتخابات.
«وقد جاءت قضية الراهب، مضافًا إليها حادثة انتحار - أو نحر؟ - الممثلة السابقة سعاد حسني والمناحة المفتعلة التي أقامها الإعلام لتغطي على ما عدا ذلك من أحداث.
الكنيسة والدولة: هناك توجه في الكنيسة المصرية يسعى لأن يوجد لها موقع مستقل خارج إطار الدولة المصرية والوصول بها إلى حالة مشابهة لوضع الفاتيكان داخل إيطاليا، وفي الوقت نفسه الضغط من أجل الحصول على المزيد من الامتيازات للأقباط باعتبارهم مواطنين مصريين، وصل بعضها إلى حد المطالبة بتعيين نائب قبطي لرئيس الجمهورية و3 وزراء في كل حكومة ونسبة معينة بين قيادات الجيشوالشرطة. ويتبادل الطرفان جذب طرفي الحبل..
وقد أغرت تلك «المبادرة» أطرافًا خارجية خاصة الولايات المتحدة بالتدخل يضاف إلى ذلك نمو الوجود القبطي في الخارج وتأطره في تنظيمات نشطة تمارس ضغوطًا على مصر.
ويمكن أن تتسبب قضية الراهب في شغل الكنيسة بنفسها وشئونها الداخلية لبعض الوقت.
داخل الكنيسة: أجبرت الأحداث صحيفة «وطني» المعروفة بأنها لسان حال الكنيسة على نشر نص البلاغ الذي قدمه محامي المرأة النصرانية التي وقعت ضحية انحرافات الراهب. قراءة البلاغ يمكن أن تعطي صورة لبعض ما يحدث داخل المجتمع القبطي فالراهب المذكور- وهذا حال غيره أيضًا- كان ينظر إليه على أنه رجل «مبروك» ووصل الأمر أن خصصت الأسرة حجرة في مسكنها يقيم فيها الراهب أيامًا طويلة.. وكان أفراد الأسرة والأقارب يتبركون به.
الراهب استخدم أساليب السحر والشعوذة وهدد بأن «يسخط» رب تلك الأسرة ويجعله شبه رجل ثم إنه سرق -حسب البلاغ- أربعة كيلو جرامات من الذهب وأوهم الأسرة أن الجن هم الذين سرقوها، وكان يعطي زوج المرأة لفائف ويطلب منه التوجه من القاهرة للإسكندرية لإلقائها في البحر لإبعاده عن مسكنه الذي يتواجد فيه الراهب مع الزوجة! وقد تسببت أعمال السحر والشعوذة في زيادة خضوع الأسرة النصرانية للراهب. والأهم أن البلاغ يقول: إن الزوجة توجهت وشقيقتها- بعد أن أعلمتها بمأساتها - لبعض رجال الدين وذلك لوقف هذه المهاترات من جانب الراهب وشقيقه (الذي بدأ في ابتزاز المرأة وطلب 50 ألف جنيه مقابل تسليمها شريط فيديو مسجل عليه لقاؤها مع الراهب) إلا أنهم أعطوا ظهورهم للواقعة لدى علمهم بشخصية الراهب (وطني ٢٤ يونيو).
وتزيد مجلة «الأهرام العربي» الأمر توضيحًا فتنقل عن عادل عدلي شاروبين محامي المرأة قوله إنها «لجأت إلى رجال الدين الكبار منذ شهرين وأخبرتهم بمحاولة الابتزاز لكن أحدهم قال لها بالحرف الواحد: القوي له الأقوى منه، وأنا ما أقدرشي عليه يا بنتي»!
فتوجهت السيدة إلى الكاتدرائية لتقابل البابا شنودة لكنه كان خارج البلاد فقدمت الشكوى للسكرتير الذي لم يعط أي اهتمام للأمر وتعامل مع القضية بلا مبالاة شديدة..
ويضيف أن المرأة طرقت جميع الأبواب لكن دون جدوى (الأهرام العربي ٣٣ يونيو).
وتقول الكنيسة إن الراهب قد تم شلحه - أي عزله- من الرهبنة في عام ١٩٩٦، لكنها لا تبرر عدم اتخاذ أية إجراءات ضد انحرافاته بما في ذلك إبلاغ النيابة، وقد نشرت الصحف المصرية أنه قد عاد إلى الكنيسة مرة أخرى ونقل إلى دير الشهداء في سوهاج رغم أنه لم تتوقف الشكاوى ضده.
وإذا كانت انحرافات الرهبان والكهان معروفة وشائعة في الغرب فإنها من المرات النادرة التي تتعرض فيها الكنيسة المصرية لفضيحة من هذا العيار أحدثت هزة عنيفة واستدعت مراجعات متعمقة عند الكثيرين. ويقول د ميلاد حنا وهو قبطي معروف: إن مشاعر غضب الأقباط كانت تعبيرًا عن اهتزاز مشاعرهم الداخلية، فقد ثاروا على أنفسهم وعلى قيادتهم الدينية بكل مستوياتها والتي أوصلت الأوضاع الداخلية إلى هذا الحد، كما زاد في غضبهم إحساسهم بأنهم كانوا مخدوعين ولو في فرد واحد. ويضيف ميلاد حنا بجلاء: توهمت الكنيسة القبطية أن أسرارها الداخلية غير معروفة إلا لها، وأنها ستظل في طي الكتمان ولكنها نسيت أننا نعيش عصر الشفافية الإعلامية والعولمة (الأهرام العربي 23 يوليو).
الهجوم خير وسيلة للدفاع: لجأت الكنيسة إلى الهجوم باعتباره خير وسيلة للدفاع وتركت لب القضية وتمسكت ببعض التفاصيل من قبيل قول «النبأ» إن الممارسات اللاأخلاقية تمت في «الهيكل المقدس» وأن دير المحرق تحول إلى وكر للدعارة (تؤكد النبأ أن شريط الفيديو يثبت أن الوقائع كانت داخل الدير) ولا يعقل أن تكون المظاهرات قد تمت دون رضا قيادات الكنيسة فقد فتحت الكاتدرائية أبوابها للمتظاهرين وسمحت لهم بالبقاء داخلها.. وخاطبهم الأنبا شنودة بقوله: «خلاص.. صوتناوصل للكل».
وظهرت الكنيسة في صورة من تعرض للإهانة وبدأت تفرض شروط الاعتذار وشكله وصاحب ذلك تزلف مقيت من بعض أجهزة الإعلام.
كما حاولت الكنيسة فرض رؤيتها لـ «المقدس» الذي لا يقتصر على العقيدة بل يشمل رجالها أيضًا وقد كان مثيرًا للاستغراب أن تتزامن قضية الراهب مع نشر كتاب يتهم مجتمع النبوة بأنه مجتمع زنا، ويلمز شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع وصف كاتبه للحج بأنه بقايا وثنية وهكذا بينما يحاول البعض هدم مقدسات الإسلام تحت زعم حرية الفكر والتعبير توضع هالات من القداسة على الانحراف.
والأغرب أن من وقفوا مع التعرض لمقدسات الإسلام وأيدوا المساس بالعقيدة الإسلامية هم أنفسهم الذي انبروا لمعارضة نشر قضية انحراف الراهب.
وإذا كان الأمر متوقعًا - وإن لم يكن مقبولًا- من بعض غلاة العلمانيين واللادينيين فإن القضية كشفت رخاوة السلطة الرابعة - الصحافة -التي أصبحت قابلة للاختراق بشكل بشع.
ويثير البعض الشكوك حول الحماس الكبير لمهاجمة «النبأ» ويتساءل هل كان السبب في ذلك أن عشرات الملايين من الجنيهات قد تم ضخها إلى قنوات إعلامية مختلفة لاتخاذ ذلك الموقف.
ومن المفارقات الواضحة أن الأمن تعامل مع مظاهرات الأقباط بأسلوب حضاري- مطلوب على كل حال- حتى إنه لأول مرة تكون إصابات رجال الشرطة أضعاف الإصابات بين المتظاهرين وهو أمر يستدعي إلى الذهن المقارنة بالطريقة العنيفة التي واجهت بها الشرطة مظاهرات جامعة الأزهر للاحتجاج على نشر رواية «وليمة الأعشاب البحر» حيث قتلت طالبة وأصيب العشرات وتعرض آخرون للاعتقال!!
هناك قضيتان تنظرهما المحاكم المصرية الآن بخصوص الموضوع، فضلا عن قضية الراهب المعتقل الآن:
الأولى ضد رئيس تحرير النبأ.
والثانية من «النبأ» ضد قرارات إغلاق الجريدة بقرار إداري على خلاف القانون.
وأيًا ما كانت الأحكام في القضيتين فإن الأزمة ستكون لها تداعيات كبيرة تتجاوز الحكم ببراءة صحفي أو سجنه أو إيقاف جريدة لن تكون الأولى على قائمة الإيقاف، ولا يمكن أن تمر بسهولة دون تفكر وتمعن من قبل كل مهتم بالشأن المصري عبارات رددها بعض المتظاهرين الأقباط ونشرتها جريدة العربي (24/6/2001) وقالوا فيها يا شارون.. يا رابين.. اضرب اضرب بالملايين!!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل