العنوان فقه الاستئصال.. هل هو الحل؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
معالم على الطريق
في رأي كل الباحثين والعقلاء والعلماء الساسة والخبراء، أن السياسات الاستئصالية تمثل كارثة على الأمم والشعوب والدول والأفراد على حد سواء، وتمثل نكبة على الفكر، والثقافة والحضارة والتقدم والازدهار على كل المستويات، وقد أخذ سدنتها في الآونة الأخيرة يتجذرون في المجتمع، ويصبغون الحياة بلونهم الأسود، وجنوحهم المرذول، حتى كادوا أن يستأصلوا كل قيمة في الأمة، وكل إبداع في الشعوب، وقد سرى هذا المرض الخبيث، وانتشر هذا الوباء المبيد في الأجواء والآفاق العربية والإسلامية بصورة لم يسبق لها مثيل.
وإذا أردنا أن نحدد بَدْء هذا الزخم، ومركز هذا الزلزال، وجدناه، بدأ من قديم في السلطات، وحمل جرثومته المنتفذون في الأمة، ثم استشرى في الجسد كله، لأن مرض الرأس، ووجع العقل، ينسحب بسرعة على سائر الجسد في خداع غير مسبوق، بمثل هذه السرعة، وغير ملحوق بمثل هذا الحجم، وبخاصة في الرؤساء، وقد عبر عن هذا الجواهري حيث قال:
خدعوا جندنا بزاهي اللباس *** واستمالوا أشرافنا بالكراسي
فغدونا تختال تيها وعجبًا *** وكأننا في سكرة أو نعاس
ثم يقول:
جسم شعبي عليل يبغي شفاء *** كيف يشفى وداؤه في الرأس
سقطت دولة فجاءت سواها *** فجرت مثل أختها في القياس
نحن نبغي الصعود دون فِرَاق *** ونروم البناء دون أساس
نحن من موت شعبنا في مآس *** وكأنا للهو في أعراس
وكم كان لسياسة «الضرب في المليان» على قارعة الطريق من كوارث أدت إلى موت الكثير واستئصالهم ليس من الحياة السياسية فقط، ولكن من الدنيا، وهذا قد تم مع سبق الإصرار والترصد، وبسياسة ثابتة ومقصودة من جهة كان يفترض أن تكون هي راعية العدالة، وحارسة القانون، وحافظة لأموال الناس، ودمائهم، وكم رأينا في بعض البلاد العربية والإسلامية من غرائب في الشأن وتنوع في تلك الأساليب، فالبعض كان يستأصل بالإيدز، والبعض كان يستأصل بالسموم، وآخرون بالاغتيال الذي كان يطول الخصوم في آخر الدنيا بعد أن تركوا البلاد وخلفوها لخصومهم والبعض بالمحاكمات الهزلية والقضاء العسكري الذي يغتال هو الآخر، بغير ضمانات ولا حصانة ولا حقوق للمتهمين، وتعددت الأساليب والموت واحد.
والحق أن هذا كان إيذانًا ببدء مهمة الاستئصال من الجميع ما دامت قد انهارت القيم من حامي القيم، وانتهك القانون من راعي القانون، وخربت العدالة من حراس العدالة، ولم يبقى شيء كرامة، ولا حصانة، في الدماء والأموال، وحتى الأولاد والزوجات والأهل، فرأينا الجماعات المستأصلة تلجأ إلى المعاملة بالمثل.
إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ورأينا الأعاجيب في تلك المعركة الخاسرة للطرفين والمفيدة للأعداء، وقد تناثرت الأشلاء، هنا وهناك، ومر الناس على ذلك ومردوا عليه، حتى صار ذلك أمرًا شبه عادي، تحاول كل طائفة، وكل فعاليات الأمة أن توطن نفسها عليه، وتهيئ طبيعتها له، حتى عم ذلك الأمة كلها في وباء لم يسبق له مثيل، ونحاول في هذه العجالة أن نلقي الضوء على بعض الممارسات التي منها:
1- الأمة مع شعبها: قد يوقن الناظر إلى صراع تلك السلطة مع الشعب، أن الجماهير قد استؤصلت تمامًا من الحياة العامة والخاصة، فلا رأي لها في ولاية حاكم، ولا رأي لها في عزلة، ولا رأي لها في تمثيلها النيابي والحياة السياسية، ولا رأي لها في نظامها الاجتماعي ولا في سلم، أو حرب، أو مصير.
2- الدول بعضها مع بعض: وذلك العداء المستحكم التي تحاول بعض الأنظمة به أن تفرض رأيها، بل ومذهبها وإرادتها ومصالحها على الآخرين، بل في بعض الأحيان تحاول التآمر على جارتها وأخذ أرضها وإلغاء السلطات فيها.
3- المتقفون: الذين يحاول بعضهم أن يكون هو الذي يملك الساحة فقط رأيًا، ووجودًا، وعملًا، ولا يقبل الرأي الآخر، أو المنافسة، أو التشاور، ويكيد لخصومه ويحرض عليهم ويفرح لمصابهم.
4- الأحزاب: وحتى التي تدعو إلى الديمقراطية، وإلى الدولة المدنية، لا تحاول أن تفسح مجالًا لغيرها، أو تتعايش مع سواها، أو تقبل بتبادل السلطة فعليًا، وحتى في الحزب الواحد، يتعمق الصراع بين أفراده، وكل يتمنى إزاحة الآخر أو تهميشه أو إبعاده بطرق غير مشروعة لا عقلًا ولا نقلًا.
5- الجماعات الدينية مع بعضها البعض: تتعشق بعض الجماعات الخلاف وتهوى الاستئصال بالاتهامات، التي قد تصل أحيانًا إلى التبديع وأحيانًا أخرى إلى الخروج والتكفير، وبث ذلك بشتى الوسائل إلى عامة المسلمين وخاصتهم، ثم ادعائها بأنها هي التي تملك الحل السحري للمسلمين، والحقيقة والحق للمؤمنين.
6- النصارى والمسلمون: فالنصارى في الأمة، يودون أن تدور الدائرة على المسلمين، ويتعاون البعض منهم مع الأعداء، ويودون أن يأخذوا الصرب مثلًا أعلى، واليهود قدوة عظمى للمنطق الاستئصالي والإبادي، والمسلمون قد ضاقت صدورهم بالنصارى، متناسين سماحة الإسلام، وبر أهل الكتاب، ووصايا القرآن والسنة بهم.
والحقيقة التي لا جدال فيها، أن ذلك قد ولد طبيعة خاصة لدى تلك الفعاليات والقوى الوطنية، وكون فقهًا معينًا، أصبح الآن يدرس على أنه فقه الواقع السياسي المريض، وفقه الاستئصال الشرقي، والشرق أوسطي، الذي ولده، عدم الإخلاص، وقصر النظر، والسفه العقلي، والجهل بأسباب التقدم الحضاري، وعدم القدرة على الإبداع والاستفادة من الطاقات، والقصور الريادي، والإعياء القيادي، ومع ذلك وقبله الحقد الأعمى، والحسد الماحق، الذي يأكل الصدور، كل ذلك خلف فقهًا مبغوضًا، وعرقًا ممقوتًا، سيقضي على البقية الباقية في الأمة من أمل، ويحلق حتى الثمالة العالقة في النفوس من خير، ويستأصل هذه البقية الباقية من عزم، لكثرة القرح، وعظم الإبادة، وشدة الكرب، ولكن ألا ترى معي أن هذا البلاء، وهذه الجوائح لا يصلح لها إلا رسالة ودين ومنهج يشفي الصدور، ويزيح العلل، ويحيي العزائم، ويرجع المثل، ويصل الناس بالله، حتى يستقيم الفكر، ويستنير الدرب، نسأل الله الهداية.. أمين.