العنوان فقه الثوابت والمتغيرات وأثره في التقارب بين المذاهب الإسلامية والجماعات (1)
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر السبت 08-أبريل-2006
مشاهدات 51
نشر في العدد 1696
نشر في الصفحة 54
السبت 08-أبريل-2006
اتساع مجال الاجتهاد لا يخيفنا، بل يزيد الأمة ثراء وفقها مادام لا يتعارض مع النصوص القطعية
أراد الله تعالى لرسوله محمد أن يكون خاتماً وختماً للأنبياء والمرسلين، ولدينه الإسلام أن يكون آخر الأديان، ولشريعته الإسلامية أن تكون آخر الشرائع السماوية، ولذلك أعلن عن كمال هذا الدين وإتمامه وعدم حاجته إلى أي رسالة أخرى، وصلاحيته للبشرية جمعاء، وشموليته لكل الأزمان والأماكن على مر الدهور والعصور والقرون، فقال تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ (المائدة: 3)، معلناً أنّه بعد هذا الكمال والتمام قد أقيمتْ الحجة على العالمين في أنّ الله تعالى أنزل عليهم ديناً كاملاً يحقّق لهم جميع مصالحهم الدنيوية والأخروية، ويجلب لهم...سعادة الدنيا والآخرة، وراحة البدن وسكون النفس، واطمئنان القلب ورضاء الروح.
وبالمقابل: فإنّ الله تعالى كما جعل دينه خاتم الأديان والشرائع لجميع الأمم والشعوب على مر الدهور والعصور، فإنّه ضمنه كل عناصر الخلود والصلاح والشمولية حتى يصبح ملبياً لجميع حاجات البشرية ومستجيباً لكل ما يريدون من خيري الدنيا والآخرة ودافعاً للتطوير والتنمية والتقدم والبناء. ومن هنا جاءتْ نصوص الشريعة مركزة في نصوصها القطعية على الأسس والأركان التي يبنى عليها هذا الدين وتوضيح العقيدة الصحيحة والقيم والأخلاق الراقية وأسس المعاملات والتعامل مع الناس جميعاً تاركة التفاصيل في معظم الأشياء للأدلة الظنية، أو للاجتهادات الإنسانية في ظل المبادئ العامة والقواعد الكلية.
هداية ربانية
وبذلك جمعتْ الشريعة بين الثوابت التي لا تقبل التغيير (أي بمثابة الهيكل العظمي للإنسان) والمتغيرات التي تشبه أحوال الإنسان العادية القابلة للتغيير، فالإنسان ثابت في حقيقته وجوهره وأصل عقله وروحه ونفسه ومكوناته وضروراته وحاجاته العامة إلى المأكل والملبس والمشرب، ولكن الإنسان متغير في معارفه وفي إمكاناته للتسخير وعلومه وفي أنواع ملابسه ومشاربه وماكله ومساكنه، فقد وصل إلى القمر، ومع ذلك يظل بحاجة إلى الهداية الربانية والعقيدة التي تملأ فراغ روحه ونفسه وإلى قيم وأخلاق ربانية تمنعه من الازدواجية والعنصرية والظلم والإعساف، وتدعوه إلى العدل والمساواة والإنصاف، وتردعه عن إذلال الإنسان وازدرائه وأكل حقوقه وأمواله .
وبهذه الصفة العظيمة الجامعة بين الاستفادة من النقل والعقل وبين الثوابت والمتغيرات يجتمع في الإنسان خير الدنيا والآخرة، ويتحقق له التآلف والمحبة والتقارب الحقيقي
التعريف بالثوابت والمتغيرات
المقصود بالثوابت هنا الأحكام الإسلامية التي ثبتت بأدلة قطعية الدلالة والثبوت أو بالإجماع الصحيح الثابت الذي مضت عليه الأمة في قرونها الثلاثة الأول .
وعلى ضوء ذلك: فالثوابت تشمل أركان الإيمان الستة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأركان الإسلام الخمسة الشهادة والصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج لمن استطاع إليه سبيلاً)، وتشمل كذلك القيم والأخلاق الثابتة والأحكام والأسس العامة للأسرة في الإسلام، والأحكام والمبادئ العامة للمعاملات والجهاد والعلاقات الدولية والقضاء ونحو ذلك . والخلاصة أنّ كل حكم من أحكام الإسلام في جميع مجالات الحياة إذا ثبتَ بدليل قطعي الثبوت والدلالة أو بإجماع الأمة إجماعاً صحيحاً قائماً على الدليل وليس العرف فهو من الثوابت التي يجب الالتزام بها. وأمّا المتغيرات فالمقصود بها هنا .. الأحكام التي تثبت بدليل ظني (سواء أكانتْ الظنية في دلالة النص وثبوته أم في أحدهما أو باجتهاد قائم على القياس أو المصالح المرسلة أو العرف أو مقاصد الشريعة أو نحو ذلك .
وصف للأحكام لا للنصوص
إذن فوصف الثوابت والمتغيرات إنما هو للأحكام المأخوذة من الأدلة مباشرة أو استنباطاً، وليس للنصوص الشرعية لأنّها ثابتة لا يجوز تغييرها ولا تبديلها ولا التحريف فيها حتى ولو كانت ظنية فالنصوص الشرعية الظنية في الدلالة والثبوت أو في أحدهما نصوص ثابتة خالدة.
ولكن التجديد والتغيير في إمكان إعادة النظر فيها من حيث ترجيح حكم مستنبط منها على حكم آخر أو استنباط حكم جديد منها، أو نحو ذلك
منهج الإسلام في علاج القضايا
شاءتْ حكمة الله تعالى أن يتم حل المشاكل والقضايا على مر العصور والأمصار على ضوء منهج قويم يجمع بين جعل الوحي هو الأصل واعتماد العقل وإعطاء دوره الكبير في الفهم والاستنباط والاجتهاد في النصوص الظنية، وإيجاد الحلول الإسلامية للقضايا التي لم يرد ذكر حكمها في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة على ضوء المبادئ العامة والقواعد الكلية، ومقاصد الشريعة، كما أنّه من حكمته أن جعل معظم نصوص القرآن محكمات هن من أم الكتاب ترجع إليها المتشابهات، فقال تعالى : ﴿وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلِيْكَ الكِتَاَبَ مِنهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَ﴾ (آل عمران 7)
ثم إنّ منهج الإسلام في علاج القضايا والحوادث والمشكلات الفردية والجماعية يتم من خلال نصوص القرآن الكريم والسُّنة المطهرة، ثمّ من خلال ترك منطقة لم ينزل فيها نصّ كريم تسمى منطقة العفو، بل ترك أمرها للاجتهاد من خلال المبادئ العامة والقواعد الكلية وضوابط الاستنباط ونحن نتحدث هنا بإيجاز عن هذين الأمرين النصوص ومنطقة العفو .
أولاً: النصوص:
شاءتْ حكمة العلي القدير أن تكون نصوص القرآن الكريم والسنة المشرفة على قسمين:
نصوص قطعية الدلالة بحيث لا تحتمل إلا معنى واحداً، وقطعية الثبوت والوصول بحيث وصلت إلينا عن طريق التواتر كما هو الحال في القرآن الكريم كله، والسنة النبوية المتواترة (القولية أو الفعلية، حيث نجد التواتر في القسم الفعلي أكثر من القولي).
فهذه النصوص هي التي تشكل الثوابت المحكمات القواطع والأسس والمبادئ العامة وكليات الشريعة والقواعد الكلية ومقاصدها العامة، والأحكام العامة الكلية التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال ولا يجوز أن تختلف فيها الرؤى والاجتهادات، ولا أن تتنوع فيها الآراء والجماعات ولا مجال فيها للاجتهاد، وهذا هو المقصود بقول الأصوليين لا اجتهاد مع النص، أي النص القطعي، أو قصد مخالفة نص شرعي وإن لم يكن قطعياً.
ويدخل في هذه الثوابت النصوص القواطع والكليات العامة والمبادئ العامة مبادئ العدل والإحسان والرحمة وكرامة الإنسان ومبدأ الحرية وتحريم القتل بدون حق، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الأعراض ونحوها، حتى إن القوانين البشرية تتفق فيها مع الشريعة الغراء حتى أسماها القدماء القانون السماوي أو القانون الطبيعي أو القانون الخالد، وكتب فيها القدماء مثل أرسطو طاليس وشيشرون وغايوس وغيرهم، وكتب بعدهم من الغرب من الفرنسيين والإنجليز والألمان الذين سموها: قوانين القوانين وأنها نافذة في جميع البلاد وعند جميع الشعوب وفي جميع الأعصار(2)
وهي في حقيقتها بقايا الشرائع السماوية والفطر السليمة التي استقرت في نفوس الشعوب
نصوص لم يتوافر فيها الشرطان السابقان (أي قطعية الثبوت وقطعية الدلالة وهي تشمل ثلاثة أنواع
وهي:
نصوص ظنية الدلالة (أي تحتمل أكثر من معنى) وظنية الثبوت (أي وصلتنا عن طريق غير المتواتر مثل الحديث الذي وصلنا عن طريق ظني (۳).
وكانت دلالته أيضاً ظنية أي تحتمل أكثر من معنى مثل حديث النهي عن صفقتين في صفقة واحدة. (٤ )
نصوص قطعية الثبوت، وظنية الدلالة مثل النصوص القرآنية التي تحتمل أكثر من معني مثل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (المائدة: ٦)، أي جميع رؤوسكم، أو بعض رؤوسكم، أو جزء بسيط منها على اختلاف الفقهاء في تفسيره. ٥
ج . نصوص قطعية الدلالة ظنية الثبوت مثل الأحاديث التي وصلتنا عن طريق ظني ولكن دلالتها قطعية مثل قول النبي : الصلح جائز بين المسلمين (٦) ، فدلالة الحديث على مشروعية الصلح قطعية ولكن الحديث ظني الثبوت حيث لم يصلنا عن طريق التواتر .
فهذه النصوص هي التي تجري فيها اجتهادات الفقهاء والعلماء في مختلف قضايا الحياة وهي تمثل غالبية النصوص حيث هي أكثر مساحة وأوسع دائرة، وأكبر حجماً من النوع الأول، وبالتالي فمجال الاجتهادات والاختلافات الفرعية كبير جداً لا يخيفنا، بل تنفع الأمة وتزيدها ثراء وفقهاً وعلماً وخصوبة ما دامتْ هذه الاجتهادات لا تتعارض مع النصوص القطعية (القسم الأول) وما دامتْ تجري على الضوابط والشروط الخاصة بكيفية الاجتهاد.
الإسلام يعالج القضايا من خلال نصوص القرآن والسنة.. وترك منطقة ليس فيها نص تسمى العفو .
الهوامش
د. القرضاوي: المدخل إلى دراسة الشريعة / ط مكتبة وهبة ص ٢٧٥
د. صبحي المحمصاني: فلسفة التشريع في الإسلام ط دار العلم للملايين (ص ۲۹۱)
لم أقل حديث الأحاد مطلقاً لما فيه تفصيل وخلاف في ظنية بعض أنواعها .
انظر تفصيل ذلك في بحثنا حول أحاديث النهي عن صفقتين في صفقة واحدة المنشور ضمن بحوث المعاملات المالية المعاصرة . ط دار البشائر الإسلامية ببيروت .
يراجع أحكام القرآن لابن العربي ط دار المعرفة ببيروت (٥٥٧/٢
الحديث رواه أبو داود الحديث رقم ٣٥٩٤ وابن حبان الحديث رقم ۱۱۹۹، والحاكم ٤٩/٢) والبيهقي (٧٩/٦