العنوان قراءة في قانون الأحوال الشخصية لدولة عربية ثورية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990
مشاهدات 78
نشر في العدد 966
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 15-مايو-1990
·
القوانين
التي يصدرها الحكام المتسلطون على رقاب شعوبهم ستلغي بمجرد ذهاب الحاكمين
لقد تعرضت أحكام الشريعة الإسلامية للهجوم والانتقاد منذ وطأهُ أقدام
المستعمرين بلاد الإسلام وقام الاستعمار بإلغاء الأحكام التي تتعلق بالنواحي
الاقتصادية والجنائية وأبدلها بقوانين غربية وابقى ما يتعلق بالأحوال الشخصية من
زواج وطلاق ومواريث على حالها وذلك لما لهذه القضايا من صله وارتباط أكثر بالدين
ولأنها تعتبر من الأمور الشخصية والدينية ويحرص المستعمرون على عدم التدخل في هذه
الشؤون بصورة مكشوفة مراعاة لمشاعر الشعوب التي يحكمونها حتى لا يدخلون معها في
مشاكل هم في غِنًى عنها لذلك لم تمتد يد الحكام المستعمرين إلى قوانين الأحوال
الشخصية في البلاد التي حكموها.
- تلاميذ
المستعمر أوقح منه
ولكن
الاستعمار عندما رحل كان قد أوجد تلاميذ له من أهل البلاد كانوا أجرأ من
المستعمرين في تحدي مشاعر شعوبهم وكبتها واضطهادها وتحت ستار التقدمية ألغوا أحكام
الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية ووضعوا بدلا عنها قانونا سموه قانون الأسرة
وأخذوا موادَّهُ من هنا وهناك، من الشرق ومن الغرب ومن اليسار ومن اليمين كل ذلك
بحجه التقدمية والمساواة بين الرجل والمرأة، كما وضع قوانين أخرى بحجة إنصاف
العمال والفلاحين وكلها فشلت في التطبيق لأنها بنيت على تقليد أعمى للغير ليقال
إنهم متقدمون ومتحررون وهذه القوانين في زعمهم تمثل النضال المستمر لحماية
الجماهير ولذلك جاء في مقدمة قانون الأسرة الذي نحن بصدده ما يلي:
«فإذا
كان قانون التأميم يحميه العمال في المدينة ويحمي الفلاحون قانون الإصلاح الزراعي
في الريف فإن قانون الأسرة يتطلع إلى حماية من جماهير المدينة والريف على السواء».
وغنِي عن
البيان أن نقول إن الجماهير في كل الدول التي حكمت بالقسر قد رفضت هذه القوانين
لأنها لم تحقق غير مزيد من الفاقة والفقر والتخلف وتعقيد المشاكل وهي تنتظر الفرصة
للتخلص نهائيًّا من هذه القوانين التي فُرضت عليها من قِبَل أشخاص لا وعي ولا عِلم
ولا قيم لهم، وبدوافع أجنبية خارجية عن محيطهم.
- قانون
يتعارض مع الإسلام
وتعالوا
نقرأ بعض مواد القانون المشار إليهم الذي يسمى قانون الأسرة لنرى كيف أن هذا
القانون يتعارض مع دين الإسلام بصورة واضحة في بلد مسلم عريق في إسلام وعروبته وقد
يتساءل المرء من أي مصادر أخذ هذا القانون؟ ولم يدَعْك المشروعون في حيرة من هذا
السؤال فإن مذكرتهم التفسيرية تجيب عليه بكل وضوح إذ تقول: «من أجل وضع نظام
قانوني لعلاقات الأسرة بنقلها من مجال الخضوع للاجتهادات إلى مجال التنظيم
القانوني الكامل الذي ينظر إلى علاقات الأسرة على أنها علاقات اجتماعية بالدرجة
الأولى تخضع في تطورها وتغيرها وثباتها إلى العوامل التاريخية المؤثرة في تطور
المجتمعات لا إلى مجرد قواعد قديمة وجامدة وعلى أساس هذا الفهم تم وضع هذا القانون
والذي يحتوي على أحكام تنظيم علاقات الأسرة تنظيما يتفق مع دورها ومكانها في مرحلة
الثورة الوطنية الديمقراطية ولقد كان المرجع الأساسي في وضع هذا المشروع هو دستور
الدولة، وبالإضافة إلى ذلك فقد تم الاسترشاد بقوانين الأسرة في بعض البلاد العربية
وبعض البلاد الاشتراكية، كما أن بعض مواده استندت إلى الآراء الجيدة في الشريعة
الإسلامية».
- نماذج
من التعارض
أ- في
النفقة
أما معرض
هذا القانون للشريعة الإسلامية ومخالفته للقرآن فتتمثل في أغلب موادِّه، فهو مثلا
جعل النفقة واجبا مشتركا بين الرجل والمرأة، ولم يجعلها على الرجل كما هي في
الإسلام؛ وذلك لأن واضعيه ينطلقون من عدم التفرقة بين الرجل والمرأة في وجوب
الخروج للعمل خارج البيت وفي ذلك تقول المادة (٢) من القانون: «الزواج عقد بين رجل
وامرأة متساويين في الحقوق والواجبات». وبخصوص النفقة تقول
المادة (17) من القانون: «يشترك الزوجان في تحمُّل نفقات الزواج وتوفير
متطلبات منزل الزوجية حسب قدراتهما». وفي المادة (20) من القانون: «يشترك
كلٌّ من الزوج والزوجة في تحمُّل تكاليف حياتهما المشتركة بعد الزواج فإذا كان
أحدهما غير قادر على ذلك كان الآخر ملزما بالإنفاق وتحمل أعباء الحياة الزوجية».
وفي المادة (23) من القانون: «يشترك الأب والأم في تحمل نفقة أطفالهما حسب
قدراتهما فإذا استحال على أحدهما ذلك كان على الآخر تحمُّل تلك النفقة لوحده».
هذه
الأحكام مخالفة للشريعة الإسلامية التي أوجبت على الرجل النفقة لزوجته ولا تكلف
المرأة بالإنفاق على البيت بأي حال، هذا ما دل عليه الكتاب والسنة وما انعقد عليه
إجماع المسلمين، إذ الزوجة عليها أن تقوم بتربية الأولاد وشؤون المنزل وعلى الرجل
الكد والكدح في الحياة ولا تعمل المرأة إلا عند الحاجة، وإذا كان عندها مال من عمل
أو إرث أو غيره، فلا يلزمها الإنفاق على البيت إلا برضاها واختيارها، فإذا عجز
الزوج عن الإنفاق عليها فلها حق طلب فسخ الزواج.
وإلزام
المرأة بالعمل والإنفاق على البيت ليس من الإسلام في شيء، وإذا خرج كل من الرجل
والمرأة إلى ميدان العمل معا؛ فمن يبقى لرعاية الأولاد وشؤون البيت؟ وإذا اختلفا
على ذلك فمن يلزم منهما بالعمل؟ ومن يلزم برعاية شؤون البيت وتربية الأطفال؟ وإذا
كان الاثنان قادرين على العمل وأصر كلٌ منهما على الخروج أو البقاء كيف يحل
الإشكال؟
ب- في
الطلاق
ومن
المخالفات الشرعية في هذا القانون أنه منع الطلاق ولم يجعله بيد الرجل جاء في
المادة (25) من القانون: «يمنع الطلاق من طرف واحد». وفي المادة(29) من
القانون يحق لأي من الزوج والزوجة تقديم طلب إنهاء العلاقة الزوجية في إحدى
الحالات التالية:
1- إذا
كان الآخر مصابا بمرض غير قابل للشفاء تستحيل معه العشرة الزوجية شريطة أن يدعم
ذلك بتقرير طبِّي رسمي وألَّا يعرف به مقدم الطلب قبل الزواج.
2- إذا
غاب أحدهما لمده تزيد عن ثلاث سنوات كاملة.
3- إذا
امتنع القادر منهما على الإنفاق على الآخر غير القادر أمهله القاضي مهلة مناسبة لا
تتجاوز شهرا واحدا فإن لم ينفق فرقت المحكمة بينهما.
وكما نرى
فقد نُزع من الرجل حق الطلاق وأعطي للطرفين بصورة متساوية وبقيود معينه وقد أدى
هذا الأمر إلى أن الرجل لم يستطع أن يطلق زوجته المنحرفة إذ الانحراف في نظر
القانون ليس سببا للطلاق، والذي حدث أن كثيرا من المنحرفات لهن نفوذ في السلطة ولم
يستطع الرجل أن يمنع الداخلين والخارجين في بيته الذين تستقبلهم زوجته في البيت
وخاصة إذا كان من أصحاب النفوذ الذين يرون أن الأمر بالنسبة لهم عادي لمقابلة
زميلة في العمل أو عضو في الحزب، وأدى ذلك الأمر إلى أن بعض الرجال قد ماتوا كمدا،
أو تركوا بلادهم واعتبروا نساءهم مطلقات وبعضهم تعرض للسجن والاعتقال بسبب رفضه
لهذه الحال، فقد اعتبرت مواقفه هذه رجعية متخلفة تتعارض مع أهداف السلطة.
ج- في
ثبوت النسب
أيضا
بالنسبة لثبوت النسب في هذا القانون فقد جاء في المادة (24) منه ما يلي: «إذا
جاءت امرأة بعد اتصال برجل بولد ما بين أقل من مدة الحمل أو أكثرها يثبت نسبه من
هذا الرجل».
تلاحظ في
هذه المادة أنه لا يشترط الزواج بين الرجل والمرأة لإثبات النسب!
د- في
تعدد الزوجات
كما أن
القانون منع تعدد الزوجات فقد جاء في المادة (11) ما يلي:
«لا
يجوز الزواج من ثانية إلا بإذن كتابي من المحكمة المختصة ولا يجوز للمحكمة أن تمنح
الإذن الكتابي إلا إذا ثبت لديها أحد الأمور التالية:
1- عقم
الزوجة بتقرير طبِّي شريطة ألا يكون الزوج قد عرف به قبل الزواج.
2- مرض
الزوجة مرضا مزمنا أو شديدا بتقرير طبي شريطة ألا تكون قابلة للشفاء، كما يحق
للزوجة طلب التفريق من المحكمة إذا تزوج زوجها بأخرى بموجب هذه المادة.
ولا ريب
أن في ذلك مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية، وإذا كان هناك للتعدد سلبيات ففي
الإمكان معالجتها في إطار الشريعة إذا خلصت النيات وأريد أن تحل المشاكل فعلا،
فالتعدد في الشرع الإسلامي يجوز بشرطين الأول: القدرة والاستطاعة على تحمل
المسؤولية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. والثاني: العدل بين الزوجات.
وفي استطاعة
ولي الأمر أن ينظم ذلك لتحقيق هدف الشريعة وله أن يفرض العقوبات التعزيزية على
المخالفين الذين يهملون مقاصد الشريعة، أما أن يمنع التعدد إطلاقا أو تحت شروط ما
أنزل الله بها من سلطان فذلك لا يجوز شرعا ويصادم النصوص القطعية الصريحة للقرآن
والسنة.
- قانون
ضد الدين والمجتمع
ويلاحظ أن
الاتجاه العام لهذا القانون هو عدم التقيد بأي أحكام شرعية فهو قانون لا يمت بأي
صلة للمجتمع الذي سن من أجله، لا من حيث الدين ولا من حيث العادات والتقاليد، ولم
ينظر إلى قيم المجتمع التي لا تسن القوانين الوضعية إلا للمحافظة عليها وطبقا
لأهدافها، وقد اتجه القانون إلى بث عادات وتقاليد شعوب أخرى بعيدة عن الإسلام، فهو
مثلا حاول الاعتراف بما يجري في المجتمعات غير الإسلامية من علاقه بين الخاطب
والمخطوبة فقد عرف الخطبة في المادة(3) بقوله: «الخطبة هي اتفاق يسبق عقد الزواج
غايته توفير الظروف الملائمة للطرفين الراغبين للزواج ضمانا لإنشاء حياة زوجيه
مستقرة». هذه المادة في ظاهرها قد لا تثير ما يستغرب ولكن مقصدها في أذهان واضعها-
كما يدل على ذلك الواقع- أنهم أرادوا إزالة الحواجز بين الخاطبين لتكون العلاقة
بينهما على حسب عادات وتقاليد الغرب.
- رفض
الزوجة الثانية وتحليل العشيقة
إن هذه
القوانين التي يصدرها الحكام الذين تسلطوا على رقاب شعوبهم والتي تشتمل على التعسف
والخروج على القيم لا ريب أنها ستلغي بمجرد ذهاب الحاكمين الذين فرضوها؛ لأنها في
الأصل مرفوضة من الشعوب، ويلاحظ أن الذين يصدرون هذه القوانين من الأحكام لا
يتقيدون بها بالنسبة لأنفسهم إذا تعارضت مع أيه رغبة خاصة لأحد منهم، فعندما أراد
أن يتزوج أحد المسؤولين من زميلة له عضو في القيادة، وفي ذلك مخالفة للقانون لأنهم
متزوج بزوجة أخرى لم يمنعه القانون، وأفتاه القائمون على تنفيذ القانون بأننا
نفترضها خليلة، وبالتالي لا ينطبق عليها القانون، وقد كان الرئيس سوكارنو رئيس
جمهورية إندونيسيا وهو زعيم ثوري متزوج من امرأتين وهو معروف بشغفه بالنساء ومع
أنه لا يوجد في إندونيسيا قانون يمنع التعدد، فعندما أراد الزواج بامرأة كان على
علاقة بها اعترضه بعد زملائه باعتبار أن ذلك لا يليق بالزعماء الثوريين قال لهم
إنه في هذا سيتبع الإسلام! وهذا شان كل الثوريين يجيزون لأنفسهم ما لا يجيزونه
لغيرهم فقد منعوا غيرهم من الثروة، ولكن بالنسبة لهم لا تعتبر الثروة من
الرأسمالية الممقوتة عندهم وقد افتضحوا الآن أمام العالم.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفي على الناس تعلم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل