; الأدمغة المستعمرة | مجلة المجتمع

العنوان الأدمغة المستعمرة

الكاتب شيروان الشميراني

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 2011

نشر في الصفحة 42

السبت 14-يوليو-2012

  • ما يعنيه مراد هوفمان هو أن النقطة الموضوعة في نهاية سطر مقاومة الاحتلال كانت في حقيقتها نقطة إحكام الاستعمار وسيطرته الكاملة.
  • نبه رواد النهضة الإسلامية المعاصرة لهذه الحقيقة ابتداء من جمال الدين الأفغاني ومرورًا بمالك بن نبي.
  • مراد هوفمان يكشف دور الحركات التي كان ينظر إليها على أنها استقلالية في التمكين للاستعمار العسكري الغربي.

الأدمغة المستعمرة هو النصف الثاني من كتاب كتبه الدبلوماسي والمفكر الألماني المسلم «مراد هوفمان»، وكان النصف الأول من الكتاب عن «خواء الذات»، أما الحديث هنا فهو عن خواء ذوات استعمرت أدمغتها، بمعنى أنها أصبحت محتلة فلا يملكونها، وينتظرون حليب المستعمر أو المحتل للرضاعة.

ويربط هوفمان ذلك في كتابه بالحركات التي كان ينظر إليها على أنها استقلالية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في مواجهة الاستعمار العسكري الغربي فأقل ما يقال عن هؤلاء المفكرين العلمانيين في العالم الثالث هو أنهم عملوا لاستقلال بلادهم من داخل حدود الحضارة الغربية، وبهذا استكملت الحلقة النهائية لاستعمار الأمة بمجرد استقلالها.

 ما يعنيه مراد هوفمان هو أن النقطة الموضوعة في نهاية سطر مقاومة الاحتلال كانت في حقيقتها نقطة إحكام الاستعمار وسيطرته الكاملة، ولا يمكن تبرير ذلك إلا بوقوع كثير من العقول «القائدة» في آسيا وأفريقيا في أسر الافتتان بتعاليم أسيادهم السابقين حتى أصبحوا غربيين أكثر من مفكري الغرب أنفسهم.

هذه الحقيقة وإن مرت الإشارة إليها ونبه إليها رواد النهضة الإسلامية المعاصرة ابتداء من جمال الدين الأفغاني الذي سماهم بـ«المقلدين» الذين يتقدمون الجيوش الغربية لاحتلال بلدانهم - واحتلال العقول مقدم على احتلال الأرض - لكن أكثر من ركز على هذه القضية الثقافية الكبيرة هو المفكر الجزائري مالك بن نبي؛ في مجمل كتبه تحديدًا في «مشكلة الثقافة» و«الحديث في البناء الجديد»، وأعتقد جازمًا أن كثافة كتابات مالك بن نبي في هذا الباب لم تأت من فراغ، فلو أخذنا بعين الاعتبار جزائريته والقينا نظرة كاشفة على نمط الحياة الثقافية والاجتماعية في دول المغرب العربي، لتبين لنا حقيقة واضحة للعيان، وهي أن الغالبية العظمى لم تفطم نفسها بعد من الاستعمار.

 الجميع يعلمون أن في المغرب حزبًا هو الأعرق من بين الأحزاب ويحمل اسم الاستقلال فهو حزب الاستقلال، ويتقدم على غيره بأشواط في المناداة بتحرير مدينتي «سبتة» و«مليلية» الشماليتين الجميلتين من الاستعمار الإسباني، لكن هذا الحزب ومع هذه الميزات وقيادته للحكومة الحالية إلا أن له نقطة ضعف كبرى، ففي مدينة طنجة وأثناء الحملة الدعائية للترويج للبرامج الحزبية في الانتخابات التشريعية السابقة التي جرت في شهر سبتمبر الماضي حدثت داخل القاعة حالة من الضوضاء والفوضى والصراخ من قبل الحاضرين من جمهور المستمعين للخطب الحزبية، وكان على المنصة عدد من ممثلي الأحزاب الكبيرة والصغيرة يتحدثون للحضور، هل تعرفون سبب الفوضى؟ 

السبب هو أن ممثل حزب الاستقلال المغربي شرع في إلقاء كلمته باللغة الفرنسية على الجمهور المغربي!! ما أثار استياء كثير من الحاضرين، وكانت النتيجة أن فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بمقعدين من المقاعد الأربعة المخصصة لمدينة طنجة ولا أربط هنا فوز العدالة بهذا السبب. 

فمن غير اللائق أن يتحدث المرء بلغة الآخر مع بني قومه، خاصة إذا كانت اللغة هذه تحمل في طيات مفرداتها نمطًا مغايرًا للثقافة الأصلية القومية، وهذه نقطة تدخل في إطار التعامل بين الذات والآخر.

 وقادت أسبوعية الحياة الاقتصادية «لا في إيكونوميك» الصادرة باللغة الفرنسية حملة على د. أحمد الريسوني في الرباط بسبب إصدار فتوى تتعلق بالربا، ما أثار اللوبي الربوي، ونادت هذه الأسبوعية الفرانكوفونية السلطات والمجلس العلمي التابع لوزراة الأوقاف بإسكات الريسوني والمسألة هنا تتجاوز الريسوني ومجلة «لا في إيكونوميك»، وتتعلق تحديدا بالحياة الاقتصادية وفقا للمنظور الإسلامي أو المنظور الغربي.

إن ما يستهجنه الدبلوماسي الألماني مراد هوفمان في مثقفينا العلمانيين هو أن تستمر المستعمرات «سابقًا» في الافتتان بالاشتراكية والحداثة الغربية، كما لو لم تكن كل واحدة منها قد فقدت مصداقيتها في الغرب، ومن الصعب رؤية الأدمغة المستعمرة بعد انتهاء الاستعمار العسكري، وهنا يكمن سر من أسرار بقاء شعوب العالم الثالث غرباء فلا هم متقدمون علمياً وسياسياً كما هو الغرب، ولا هم قائمون في الحياة في إطار الوحي الإلهي المنزل، مع أنه ليس من الصعب الجمع بين الأمرين، في شيء من جري تيد الدقة والذكاء دقة المفكر وذكاء السياسي.

 إن نضال المفتونين بفكر الغرب هو السبب وراء دعوات النهضة الإسلامية الحديثة, لأن الحكومات الوطنية كانت متجنية على الدين أكثر من الاستعمار الغربي في بعض الحالات، والضياع بين الاتجاهين هو السبب وراء رفع الشعار الإسلامي في الصراع الداخلي وحلوله في مجتمعاتنا الإسلامية. 

إن المثقفين العلمانيين ممن يحملون أفكارًا أجنبية واهمون، ويخدعون الجماهير بأنهم من أصحاب الاتجاه التقدمي، لأن تعاملهم مع الحياة يخلو من البعد الغيبي وقائم على التجربة الحسية مع الكون، ربما هم محقون في الجانب التجريبي بأنهم متقدمون لكن ذلك صحيح بالرجوع إلى الوراء ١٥٠ عامًا. لأن كل ما يحملونه أو غالبيته من نتاج العقل الغربي القديم الذي فشل في الغرب نفسه، وبقي في الأرشيف لمجرد الدراسة التأريخية، مع أن تجاهل البعد الغيبي في الحياة مناقض للعلم الحديث، ولن يكون جزءا من التقدم أبدا، فالحياة غيب ومادة والغيب أساس المادة ولا يعرقل تجريبها .

هذه ليست دعوة لمقاطعة الغرب، وهي ان وردت بهذا المعنى فهي دعوة ساذجة، بل هي دعوة لتحرير العقول المخترقة حالها حال الأرض والحياة، لأن تحرير العقول أهم بكثير، فالاستقلال يجب أن يكون شاملا لأن الاستعمار شامل والعقلاء يفهمون المعادلة والأدوية تنتقى بما لا يترك تلفا أو يدمر عضواً سليمًا.  

يقول مراد هوفمان «دعوتي هي: ألا نرفض الحضارة الغربية من «الألف إلى الياء»، فهناك الكثير الذي يمكن أن نتبناه منها، ولكن أستحلفكم بالله دعونا نأخذ منها أفضل ما فيها».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل