; فلسطين المحتلة: بعد الفيتو الأمريكي السلطة الفلسطينية تتآمر على شعبها | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين المحتلة: بعد الفيتو الأمريكي السلطة الفلسطينية تتآمر على شعبها

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1243

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-مارس-1997

على الرغم من أن مشروع قرار مجلس الأمن حول الاستيطان في مدينة القدس كان هادئًا، بل وخجولًا، ولم يتضمن أي إدانة من قريب أو بعيد السياسة إسرائيل الاستيطانية وإجراءاتها العدوانية بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن الإدارة الأمريكية- وكعادتها دائمًا- لم تتورع عن استخدام حقها في النقض الفيتو، ضد مشروع القرار الذي تقدمت به دول أوروبية.

أقصى ما تضمنه المشروع هو التعبير عن القلق البالغ إزاء قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير ببناء مشروع استيطاني في جبل أبو غنيم في القدس والتأكيد على عدم قانونية المستوطنات واعتبارها عقبة كأداء أمام السلام، ومطالبة إسرائيل بالامتناع عن اتخاذ إجراءات تغير الأوضاع القائمة على الأرض وبالتقيد باتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي المحتلة، ولم ينس القرار بالطبع أن يؤكد أكثر من مرة حرصه على نجاح العملية السلمية واستمرارها وإزالة العراقيل التي تعترض سبيلها، فلماذا إذن لجأت الإدارة الأمريكية إلى استخدام الفيتو لإجهاض مشروع القرار الذي اعتبرته الأطراف المؤيدة للعملية السلمية متوازنًا، ومعقولًا، حيث لم يتضمن إدانة صريحة لإسرائيل؟.

المواقف المعلنة للإدارة الأمريكية أشارت إلى أنها كانت لا ترغب بقيام حكومة نتنياهو باتخاذ خطوات من شأنها توتير الأوضاع في المنطقة وإضافة عراقيل جديدة في طريق العملية السلمية، ولكن في ظل إصرار الجانب الإسرائيلي على إقرار المشروع الاستيطاني في القدس، فإن الإدارة الأمريكية لم تتردد في الوقوف إلى جانب حليفها الإسرائيلي ودعمه بكل الإمكانات المتاحة.

«الفيتو» الأمريكي الأخير يتضمن العديد من الدلالات والمؤشرات والتي من أهمها: 

  1. انحياز الإدارات الأمريكية المتعاقبة- وبخاصة الحالية- إلى جانب إسرائيل حتى لو تعارض ذلك مع مواقفها المعلنة كما هو الحال بالنسبة لعملية الاستيطان التي كانت ترى فيها الإدارة الأمريكية عائقًا أمام تحقيق السلام في المنطقة.
  2. استفراد أمريكا بإدارة شؤون عملية التسوية والتهميش الكامل لأي دور ولو شكلي للجانب الروسي في رعاية المفاوضات.
  3. إعطاء الضوء الأخضر الحكومة نتنياهو للمضي في سياستها العدوانية واتخاذ أي إجراءات جديدة ما دام الغطاء والدعم الأمريكي متوافرًا في كل لحظة.
  4. الإدارة الأمريكية تعطي الأولوية لمصالح إسرائيل حتى لو كان ذلك على حساب العملية السلمية التي تعاني من أزمات حادة.
  5. معرفة أمريكا وإدراكها التام لطبيعة ردة الفعل العربية على قراراتها وقرارات الحكومة الإسرائيلية، وقناعتها بأن الموقف العربي سيكون هزيلًا وغير مزعج في التعبير عن معارضته لهذه القرارات.
  6. الإدارة الأمريكية لا تهتم كثيرًا بنظرة الشعوب العربية والإسلامية لقرارتها وتوجهاتها المعادية لكل ما هو عربي وإسلامي.
  7. حساسية الولايات المتحدة من الدور والموقف الأوروبي الذي يحاول أن يكون أكثر توازنًا من خلال تبني مواقف أقل انحيازًا لصالح الجانب الإسرائيلي، كما ظهر ذلك في مشروع القرار الأخير بخصوص القدس والذي تقدمت به فرنسا وبريطانيا، والسويد، والبرتغال.

عجز عربي وتآمر من السلطة

رد الفعل العربي على الفيتو الأمريكي كان ضعيفًا ولم يصدر عن الأطراف العربية الرسمية إدانة للموقف الأمريكي المنحاز، فقد كان الموقف الأمريكي متوقعًا لهذه الأطراف التي لم تُفاجأ بالفيتو.

وتواجه السلطة الفلسطينية مأزقًا حادًّا على الصعيدين السياسي والشعبي بسبب الإجراءات الإسرائيلية المتسارعة التي تستهدف السيطرة على الأرض وتفريغها من سكانها الفلسطينيين، وإن كان كثير من الأوساط لا تستبعد أن تكون الخطوات الاستيطانية التي قامت بها إسرائيل مؤخرًا قد تمت في إطار صفقة بين السلطة وحكومة نتنياهو تمرر السلطة من خلالها قرار الاستيطان في القدس مقابل إعادة الانتشار في بعض المناطق الجديدة في الضفة الغربية.

احتجاجات السلطة لم تعد منصبة على قرارات الاستيطان في القدس، حيث تحول اهتمامها باتجاه الحديث عن حجم المناطق التي سيتم إعادة الانتشار فيها، فالجانب الإسرائيلي يتحدث عن إعادة انتشار في مناطق تقدر بنحو 9% من مساحة الضفة في حين تطالب السلطة بأن تكون المساحة ٣٠%.

وكما حصل سابقًا حينما تأمرت السلطة مع حكومة نتنياهو في نقل الاهتمام الإعلامي والسياسي من التركيز على موضوع إغلاق النفق إلى الحديث عن اتفاق الخليل، فإن الأمر يتكرر بنفس الصورة، حيث بات اهتمام السلطة محصورًا في الحديث عن حجم إعادة الانتشار، متجاوزة موضوع القدس والاستيطان في جبل أبو غنيم وهو ما يتطلب إطلاق تصريحات نارية ضد السياسات الإسرائيلية، واتخاذ بعض الخطوات التكتيكية التي تزيد من حالة التغييب والتجاوز المستقبل القدس والخطر الداهم الذي يتهددها.

وفي هذا السياق جاءت استقالة محمود عباس «أبو مازن» التكتيكية من رئاسة الوفد الفلسطيني المفاوض من أجل لفت الأنظار وتسليطها على قضية المفاوضات، وفي هذا السياق أيضًا تأتي تصريحات مجلس السلطة الفلسطينية بأن إعادة الانتشار في 9% فقط من أراضي الضفة «وفق التقديرات الإسرائيلية» تعد «خديعة ومؤامرة»، وبأن الحكومة الإسرائيلية «تمارس الآن سياسة إملاء الشروط والمواقف وتعتبر أن يدها مطلقة على الأرض في محاولة لرسم خريطة الحل النهائي».

السلطة، وكما تؤكد مصادر فلسطينية تبذل جهودًا حثيثة لمنع أي تحركات شعبية للتعبير عن الاحتجاج على الإجراءات الإسرائيلية، خشية تطور مسيرات الغضب بصورة لا يمكن ضبطها والسيطرة عليها، وقد وصل الأمر بأحد قادة السلطة حد تخوين كل من يطلق حجرًا على الإسرائيليين.

هذه المصادر أكدت أن الحكومة الإسرائيلية وجهت تهديدات شديدة اللهجة باقتحام قطاع غزة واعتقال رموز السلطة في حال تكرار ما حدث في انتفاضة النفق التي سقط فيها عشرات الجنود الإسرائيليين بين قتيل وجريح في مواجهات مع بعض أفراد الشرطة الفلسطينية الذين تمردوا على أوامر القيادة.

وعلى الرغم من كل الضمانات التي قدمتها السلطة للحكومة الإسرائيلية بكبح جماح الفلسطينيين، فإن إسرائيل تتعامل بحذر شديد وتخشى من انفلات الأوضاع، وقد حذرت الأوساط العسكرية الإسرائيلية من احتمالات اندلاع مواجهات عنيفة في الأراضي الفلسطينية، وتوقع قائد الضفة الغربية يوسي سدبون اندلاع هذه المواجهات عندما تبدأ الجرافات الإسرائيلية عملها في جبل أبو غنيم وقال: «نحن غير قادرين على التكهن بحجم الاضطرابات، ولكن ذلك قد يصل إلى نفس مستوى الأحداث التي وقعت بعد فتح النفق».

وإضافة إلى المخاوف من اندلاع مواجهات شعبية، فقد حذرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من هجمات مسلحة تعد لها حركتا «حماس»، و«الجهاد» الإسلامي للرد على الإجراءات الإسرائيلية، وكانت حركة حماس قد دعت مقاتليها إلى ضرب الأهداف الإسرائيلية وبخاصة المستوطنين، وأكدت المصادر الإسرائيلية أن تعليمات وأوامر أعطيت الأفراد الشرطة والجيش بأخذ الحيطة والحذر وبإطلاق النار على المتظاهرين في حال اندلاع أي صدامات.

الموقف العربي ضعيف ويتسم بالعجز في مواجهة إجراءات نتنياهو وفيتو الإدارة الأمريكية والسلطة لديها حساباتها المعقدة وصفقاتها السرية الخاصة مع الإسرائيليين، وفي ظل هذه الأوضاع القائمة فمن السهل جدًّا أن يضيع جبل أبو غنيم كما ضاعت قضية النفق تمهيدًا لتهويد القدس فهل تحصل مفاجآت تغير من معطيات المعادلة.

 

الرابط المختصر :