العنوان الوعي بتاريخ القدس الشريف (2من 2).. بين احتلال الصليبيين.. واغتصاب الصهاينة
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1874
نشر في الصفحة 19
السبت 24-أكتوبر-2009
من يمتطي صهوة الجواد إليك من جديد؟!!
ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي
لله درك يا صلاح الدين..
تبقى القدس دائمًا تئن من جراحها وتتذكر أيام الناصر صلاح الدين حين قال: «والله إنى أستحيي من الله أن أبتسم والمسجد الأقصى مدنس».
صلاح الدينه ها قدسي تنادي ولا أحــــــــــــــــــــــــــد يــــــــــــــــــــــــــــــرد عـــــــلـــــى نـــداهـا
وتبكي من جراح نازفات وتندب حظـــــــــــــــــــــــــها ممـــــــا أتـــــــــــــــــــــــــــــــــتاها
أخي في القدس لا تأسى وقاوم ولا تيأس وخفف مـــــــــــــــــــــن أســـــــــــــــــاهـــا
ودافع ما استطعت بكل جهد وحــــــــاذر أن تُشارك فـــــــــي شـقــــــــــــــــــــاهـا
تنــادي الــــروح مـعــتــصــمــاه لكن بلا جـــــــــــدوى.. ويـــــــــــأســى مرتجــــــــــاها
ظل المسلمون حريصين على ضفاء جو القداسة على مدينة القدس بين مختلف أصحاب المقدسات في جميع معاملاتهم الحياتية باعتبارها حرما لا يجوز لقتال فيه ولا يجوز سفك الدماء على أرضه واستمر هذا الوضع حتى حررها صلاح الدين الأيوبي عام ٥٣٢ - ٥٨٩هـ بعد قرابة ٩٠ عامًا من الاغتصاب الصليبي لها.
لم يصنع صلاح الدين شيئًا ن ذلك الذي صنعه الصليبيون - من قبلهم الرومان - انطلاقًا من عقيدته الإسلامية في القدس. ضميره الديني إزاء هذا الحرم المقدس.
وهذا الذي صنعه الصليبيون.. ومن قبلهم الرومان صنعه المستعمرون الإنجليز سنة ١٩١٧م عندما اقتحم الجنرال اللنبي (١٨٦١ - ١٩٣٦م) مدينة القدس، معتبرا غزوته هذه نهاية الحروب الصليبية!
وهو الذي صنعته الصهيونية سنة ١٩٦٧م عندما اقتحمت القدس لتهودها وتحتكرها ولتعيد - على أرض القدس - هذا الفصل الدامي والبائس من احتكار هذه المدينة المقدسة ومن تدنيس وتدمير المقدسات غير اليهودية.. ومن تدمير الوجود العربي في القدس. ذلك الوجود الذي يضرب في عمق التاريخ لأكثر من ستين قرنا – أي السابق على وجود اليهودية واليهود بأكثر من سبعة وأربعين قرنا.
وليثبتوا - دون أن يقصدوا - تفرد الموقف الإسلامي من هذه المدينة المقدسة.. عندما - عبر تاريخ الإسلام فيها – معاملة عاملها جميع الحرم المقدس.. الذي لا يجوز فيه القتال ولا سفك الدماء.. والذي تجب إشاعة قدسيته بين أصحاب المقدسات.. أي أن إسلامية القدس والسلطة العربية الإسلامية فيها هي الضمان لبقائها حرما آمنا للجميع.. وميراثا مقدسًا لكل أصحاب المقدسات.. هكذا كانت عروبة القدس، حقيقة صلبة وعنيدة ضاربة في عمق أعماق التاريخ.. وهكذا كانت إسلامية القدس - بشهادة التاريخ وبحكم العقيدة الدينية الإسلامية الضمان لجعلها ميراثًا مقدسًا لكل أصحاب المقدسات... وعن هذه الحقيقة عبر صلاح الدين الأيوبي - في رسالته إلى الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد، (١١٥٧ - ١١٩٩م) عندما قال له القدس إرثا كما هي إرثكم .. من القدس عرج نبينا إلى السماء.. وفي القدس تجتمع الملائكة.. لا تفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة.
أما بالنسبة إلى الأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئًا عرضيا، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء.
و «لن يمكنكم الله أن تشيدوا حجرًا واحدًا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».
إنها مدينة عربية إسلامية عريقة.. شهد تاريخها من الفصول والصفحات ما جعلها رمز الصراع بين الحق والباطل.. و«بوابة الانتصار» في هذا الصراع التاريخي الطويل. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لا تزال من أمتي ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضيرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء - شدة.. ومحنة) - حتى يأتيهم أمر الله وهم طائفة كذلك».
قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟
قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس»، (رواه الإمام أحمد).
وإذا كانت لغة الأرقام هي اللغة العالمية.. وإذا كانت حقائق الأرقام لا تعرف المجاوزات» ولا «التأويلات... فإن حقائق لغة الأرقام هذه تقول: إن ما نواجهه على أرض القدس وفلسطين هو آخر وأعلى مراحل الاستعمار الاستيطاني المزروع قسرا في قلب العروبة وعالم الإسلام.
لقد بدأت الدعوة الإمبريالية إلى هذا الاستعمار الاستيطاني على لسان «بونابرت» (۱۷۹۹ - ۱۸۲۱م) إبان حملته الاستعمارية على مصر والشرق، وذلك عندما أصدر نداءه من حول أسوار «عكا»، ۱۷۹۹م في الذكرى السبعمائة لاحتلال الصليبيين للقدس ۱۰۹۹م أصدر نداءه إلى الأقليات اليهودية كي تتحالف مع مشروعه الإمبراطوري الاستعماري في نظیر «زرعها» في أرض فلسطين.
ثم حمل الاستعمار الإنجليزي راية القيادة لهذا الاستعمار الاستيطاني - بعد هزيمة «بونابرت» - وفي مواجهة مشروع مصر محمد علي باشا (١١٨٤ - ١٢٦٥هـ/ ۱۷۷۰- ١٨٤٩م) لتجديد شباب الشرق وتوحيده - بعد شيخوخة الدولة العثمانية.. فكتب وزير الخارجية الإنجليزي «بالمرستون» (١٧٨٤ - ١٨٦٥م) إلى سفيره في الآستانة في ١٨٤٠/٨/١١م طالبا إقناع السلطان العثماني السماح بزرع اليهود في فلسطين ليكونوا حجر عثرة أمام طموحات محمد علي باشا ومن يخلفه.
وبعد أن رفض محمد علي باشا ۱۸۳۹م تأجير عدد من القرى الفلسطينية للمليونير اليهودي الإنجليزي «حاييم مونتفيوري» (١٧٨٤-١٨٨٥م) لتكون باكورة الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين تم تنفيذ هذا المشروع الاستيطاني ١٨٤٥م، بعد تحالف أوروبا الاستعمارية ضد محمد علي باشا وإخراج الجيش المصري من فلسطين والشام بمقتضى معاهدتي لندن ١٨٤٠م و ١٨٤١م.
ثم تكونت الحركة الصهيونية الحديثة في المؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا ١٨٩٧م وبدأت الوكالة اليهودية تقود النشاط الاستيطاني على أرض فلسطين.
ثم جاء وعد بلفور، في ۱۹۱۷/۱۱/۲م واحتلال إنجلترا لفلسطين في ذات العام.. ليقوم الانتداب البريطاني بتسريع وتيرة الاستيطان اليهودي في فلسطين.
ومع كل هذا النشاط الاستعماري والصهيوني لزرع الاستعمار الاستيطاني اليهودي في أرض فلسطين فإن حقائق الأرقام تقول لنا وللعالم: إن التاريخ العثماني لفلسطين قد حافظ على عروبة سكانها وعلى عروبة أرضها.. فالوجود اليهودي في فلسطين عام ۱۹۱۸م لم يتعد ٥٥ ألف نسمة - أي ۸٪ من السكان.. ولم تتعد ملكيتهم في الأرض نصف مليون دونم - أي ٢٪ من أرض فلسطين.. وفي عام ١٩٤٨م - أي بعد ثلث قرن من محاولات الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية توسيع الاستيطان اليهودي - فإن الوجود اليهودي لم يتجاوز ٦٤٦ ألف نسمة أي ٣١٪ من سكان فلسطين، كما لم تتجاوز ملكيتهم في الأرض مليونًا و ۸۰۰ ألف دونم، أي 6,7% من أرض فلسطين.
لكن قرار التقسيم - الذي فرضته القوات الاستعمارية المتحالفة مع الصهيونية في نوفمبر ١٩٤٧م - قد فرض تعميم الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين وذلك عندما أعطى هذا القرار ٥٤% من أرض فلسطين لليهود، وترك لمن يملكون ٩٣٣٪ من الأرض (العرب) ٤٥% منها!!
ثم تكفلت التطورات اللاحقة والحروب المتوالية بابتلاع الاستعمار الاستيطاني للأغلبية الساحقة من أرض فلسطين.
لقد دمرت العصابات الصهيونية عام ١٩٤٨م ٥٣٨ قرية فلسطينية، واستولت على أراضيها، كما استولت على أراضي الأوقاف الخيرية الفلسطينية.. وعلى أراضي الأملاك الأميرية، وبعد عدوان ١٩٦٧م توحش الاستعمار الاستيطاني ليبتلع كل فلسطين.
ففي غزة تم توسيع الشريط الحدودي على الجانب الفلسطيني - المنطقة الأمنية العازلة بما مساحته ٢٤ من مساحة القطاع كما تم تدمير ٢٧٥ دونم في شهر ديسمبر سنة۲۰۰۷م.
وفي الضفة الغربية تم تقسيمها إلى أربعة أقسام القدس، وعرب الضفة وغور الأردن، وجنوب الخليل، وذلك لتقطيع أوصالها بالمستوطنات.
وأقيم الجدار العنصري العازل الحامي للاستيطان والمبتلع للأراضي الفلسطينية والذي بني منه ٤٥٠ كم، ولم يبق منه سوى ۸۰ - كم رغم قرار محكمة العدل الدولية بعدم شرعيته وتمثيله جريمة حرب تغير طبيعة الأرض المحتلة.
كما تم - على أرض الضفة – تجريف ۸۰۷۱۲ دونم اثناء الانتفاضة الثانية من ۲۰۰۰/۲/۸م وحتى ٢٠٠٦/١/٣١م.
وتم الاستيلاء على ۸٥% من مياه الضفة بحيث أصبح للفلسطيني ٦٠ لترًا وللمستوطن اليهودي ٢٨٠ لترًا.
وفي سنة ٢٠٠٧م وحدها تم اقتلاع وتجريف وحرق ٣٤٦٥٠ شجرة في الأراضي الفلسطينية!
أما القدس - التي بناها العرب اليبوسيون قبل ستين قرنا فقد ابتلعها الاستيطان وأوشك تهويدها واحتكارها وتهديد مقدساتها الإسلامية على التمام
وفي ٢٠٠٤/٢/١٤م أعطى الرئيس الأمريكي «بوش» لـ شارون، «رسالة الضمانات» التي تعهدت فيها أمريكا ببقاء الوقائع على الأرض في المفاوضات النهائية للتسوية... أي بقاء الاستعمار الاستيطاني الذي ابتلع القدس وفلسطين.
تلك هي حقائق التاريخ - القديم والحديث والمعاصر للقدس الشريف و لفلسطين.. وإذا كان الوعي بالتاريخ - وليس مجرد قراءته - هو سلاح من أمضى الأسلحة في «صناعة التاريخ» فإن «الوعي» بمكانة القدس في التاريخ العربي وبمكانتها في العقيدة الإسلامية هو السلاح المحرك للملكات والطاقات والسبيل لإنعاش الذاكرة بالحق السليب.. حتى يأتي اليوم الذي تجتمع فيه للأمة الإرادة والإدارة، التي تعيد لها هذا الحق السليب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل