; شؤون إسلامية | مجلة المجتمع

العنوان شؤون إسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1487

نشر في الصفحة 36

السبت 02-فبراير-2002

فلسفة المقاطعة الاقتصادية: عقيدة الولاء والبراء

وسام فؤاد

حيوية الأمة متعطلة، مع أن موارد هذه الحيوية متاحة، وأهمها موردان اثنان: العقيدة والتماسك. أما العقيدة فهي التي عزت بها الأمة، وتحولت على إثرها أمة العرب من أمة مقهورة من جانب القوى الدولية آنذاك «الفرس والروم» إلى أمة تمكنت من إخضاع العالم لكلمة العدل، وللمفهوم الإنساني الواسع لكلمة حقوق الخلق، التي لا تربط حقوق الخلق بنسبية تفوق دولة معينة، أو قطب معين أو عصبية معينة، بل تربطها بتوحيد الخالق رب كل الخلق، بلا استثناء لعرق أو لغة أو غيرهما. لقد حررت العقيدة الخلق جميعًا من المفهوم اليهودي الذي يقصر الحقوق على اليهود وحدهم، ويعتبر بقية الأمم هم والحيوانات سواء، حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: 75). لكن التزام عقيدة الإسلام رتب للمسلم المزيد من الواجبات في أعناق إخوانه المسلمين. 

المورد الثاني من موارد حيوية الأمة وقوتها هو تماسكها. والرابط بين الموردين حاضر، فالتماسك نابع من الواجبات التي رتبها الدين على المسلمين لصالح إخوانهم. وتلك الواجبات تجد مصدرها في عقيدة الولاء والبراء التي تعد ضمن العقائد التي يقاس بها إيمان المؤمن من حيث تمامه أو وجوده أساسًا.

من العقيدة إلى الواجب العملي

الولاء والولاية تعني النصرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ (الأنفال: ۷۲)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (التوبة: ۷۱)، وغيابها يمنع تمام الإيمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» )رواه الشيخان والترمذي والنسائي)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا..» )رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه). وأما عن النصرة فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75). وقد ركز النبي ﷺ- على ذات القضية بقوله: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (رواه الشيخان والترمذي وأحمد)، وكان المعنى بنصره ظالمًا رده عن الظلم. 

لقد أوجب الله تعالى نصرة المسلم لأخيه المسلم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75)، وأمر النبي ﷺ بهذه النصرة... فلماذا إذن نجد بعض المسلمين لا يتألم لما يفعله الاحتلال الصهيوني بإخواننا في فلسطين، الذين لا ذنب لهم إلا أن السياسة الاستعمارية في مطلع القرن العشرين وضعت أرضهم على خريطة المصالح الاستعمارية؟ وقد يرى البعض أن معاقبة من يخطئون في حق الأمة الإسلامية متعذر، وقد يقول قائل: وكيف لنا بمقاتلة من يناصبوننا العداء؟ لكن هذا ليس بعذر. فليس هناك ربط بين العقاب والقتال، وسبل الجهاد كثيرة لا تحصى، وسبل النصرة متعددة متوافرة لمن أراد.

مراتب الجهاد

ميز العلماء بين الجهاد الأصغر، والجهاد الأكبر، مستندين في ذلك لقول الرسول ﷺ: «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (الحديث في الإحياء مروي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر أيضًا). فالجهاد الأصغر هو بذل النفس أو المال أو كليهما لجعل كلمة الله هي العليا، الجهاد هو بذل النفس أو المال في ميدان الشرف، حيث يسترخص المسلم روحه لإعلاء كلمة الله، ولنصرة المستضعف سواء أكان مسلمًا- استناداً إلى حقوق المسلم- أم غير مسلم، استنادًا إلى حقوقه إنسان- وجب على أمة الإسلام إخراجه من العبودية للعباد والمصالح والشرائع التي تنتهك كإنسانيته إلى رحاب شرعة الله التي كفلت له حقوقًا، ولو كان غير مسلم. فما كانت الدعوة إلى دين الله، والفتوحات الإسلامية، إلا سعيًّا؛ لتحقيق إنسانية الإنسان في مواجهة طاغوت بشري أنكر هذه الحقوق. هذا هو الجهاد الأصغر.

 أما الجهاد الأكبر الذي ورد في الحديث السابق فينصرف إلى تحصين المسلم نفسه من أسباب الوهن الأربعة: النفس والهوى والشيطان والدنيا. وكلها أدواء متداخلة لا يكاد يفصلها عن بعضها فاصل.

أما عن الدنيا: فقد أمر الله المسلم بإعمارها وامتلاكها، لكن البعض قد تمتلكه الدنيا فيركن لها وينسى أن له رسالة في ترشيدها وتقويمها وإعمارها، وإذا امتلكته الدنيا سعى لها على حساب آخرته، بدلًا من أن يبتغي بإصلاحها الفوز بآخرته.

والشيطان: يزين حب الدنيا لذاتها، كما يزين للإنسان الجور على حقوق الآخرين عبر الإفساد والتباغض.

والنفس: هي ميل الإنسان إلى إشباع غرائزه دون أن يدرك أن هذه الغرائز وسيلة لاستمرار الحياة، فتتحول النفس بفعل أثر الدنيا إلى تأليه الغرائز واتخاذها غاية.

وأما الهوى: فيجمع ذلك كله، حين يرد صوت العقل والضمير عن الصواب لصالح ميل إلى امتلاك الدنيا وإعلاء الغرائز. 

فالدنيا تصير نقيض الآخرة إذا امتلكت الإنسان، والشيطان يصير عدو إنسانية الإنسان إذا تسلط عليه، والهوى يصير عدو العقل إذا ما لم يقيد الإنسان نفسه بالشريعة، والنفس تصيرعدوة حكمة الشرع إذا ما صارت غرائزها هي الغاية، وكل هذه الأدواء تحتاج إلى جهاد أكبر لمداواتها، وتحصين المسلم منها. إن خضوع أفراد الأمة وشعوبها لعوامل الوهن هذه يجعلهم موضوعًا لتداعي الأمم، على نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (رواه أبو داود).

 وهدف هذا التداعي إقصاء الأمة عن دورها الرسالي في تحرير العالم من العبودية للمادة والمستكبرين الطواغيت، ووقوع أفراد الأمة في براثن هذا الوهن هو مفتاح عدم اكتراثهم بتداعي الأمم على أمة الإسلام، بل ربما يكون سببًا في موالاة المسلم لغير المسلمين في تداعيهم على أمة الإسلام.

أما الجهاد المستطاع فهو شرعة التيسير إذا ما تعذر الجهاد الإصغر. لقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16)، و فسر لنا النبي الكريم تلك الآية فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك أهل الكتاب قبلكم، أو من كان قبلكم، كثرة اختلافهم على أنبيائهم، وكثرة سؤالهم، فانظروا ما أمرتكم به فاتبعوه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فدعوه» ولو نظرنا لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ۷۱)، ولو جمعنا الأحاديث النبوية معًا لما وقفنا مكتوفي الأيدي عند حدود قصور المقدرة العسكرية عن مقاتلة البغي الصهيوني، بل لقمنا نفتش عن المقدور والمستطاع، والمستطاع كثير، وعلى رأسه الدعاء، كما أن من أولوياته المقاطعة الاقتصادية.

مستويات قرار الجهاد

الحياة- كل الحياة- لا تسير إلا عبر اتخاذ مجموعة من القرارات، فالحكومات لكي تضع سياساتها موضع التنفيذ فهي تترجم هذه السياسات في صورة قرارات، والشركات لكي تحقق مستهدفاتها لابد لمجلس إدارتها من إصدار قرارات تحمل الأهداف لحيز التنفيذ. وكذا المنظمات الأهلية والأفراد، فحياة الأمم والشعوب والأفراد لا تسير إلا وفق قرارات تصاعدية، والفرد يتخذ قرارات في كل لحظة من لحظات حياته لتحقيق طموحاته ولتسيير حياته. وعندما تتطابق قرارات مجموعة من الأفراد فإنهم يشكلون جماعة منظمة أو تجمعًا غير منظم وقرارات أمة من الأمم هي تقاطعات قرارات جميع أفرادها ومن بين هذه القرارات قرار الجهاد.

إن قرار القتال لا يمكن أن تتخذه سوى سلطات كبرى، لها القدرة على تعبئة موارد الخاضعين لها، سواء أكانت بشرية، أو مالية، لكن بصرف النظر عن استطاعة الحكومات اتخاذ هذا القرار من عدمه، يظل التكليف الإلهي بالجهاد قائمًا، لا يقدح في مخاطبة الأمة به، أن القرار السيادي تعوقه معوقات كثيرة، منها ما هو معتبر، ومنها ما هو غير معتبر. لكن هناك أمور لا تخضع لقرارات سيادية، وهذا ينقلنا للجهاد المستطاع كأحد مراتب الجهاد التي يمكن وصفها بأنها «جهاد الساعة»، وهي القرار الفردي.

القرار الفردي

الجهاد المستطاع جهاد لا يخضع لرقابة حكومات، إنه يتم في إطار قرارات المسلم العادي اليومية، ونعني بها قراراته الاستهلاكية، فمثل هذه القرارات غير خاضعة لقوانين الحكومات، فلا توجد حكومة تملي على مواطنيها ما يأكلون، وما يشربون، وما يلبسون، ومن ثم يكون مستوى الجهاد عبر القرارات الفردية الاستهلاكية متاحًا للجميع، يأثم من لم يراع فيه عقيدة الولاء، إنها أمر يمس جوهر الاعتقاد. هنا لم يعد الأمر مجرد حكم فقهي، بل صار الأمر ميزانًا لعقيدة المسلم. هل يحب المسلم ربه ورسوله حقًا؟ وهل يوالي حقًا من يواليه الله ورسوله، ويعادي من يعاديه الله ورسوله؟ ألا يعلم المسلم أن الله لا يرضى بانتهاك حرمة المسلم وحرمة الإنسان عمومًا على نحو ما يحدث في أكثر من مكان في العالم؟ لقد قرن الله ولايته، أي: حبه ونصرته بنصرة رسوله ونصرة المؤمنين على أقل تقدير، ونصرة المستضعفين على أكثر تقدير، قال تعالى في نصرة المؤمنين: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: 257)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (محمد: 11). كما قال في نصرة المستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75). أبعد هذا يصير لدى المسلم المؤمن شك في أن الولاء لله يعني موالاة المؤمنين والذود عن المستضعفين.

نواقض عقيدة الولاء

في بيان ما ينقض عقيدة الولاء ويهدمها أوضح علماء الأصول أن أكبر هذه النواقض أن يستحل المسلم دم المسلم أو عرضه أو ماله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا» متفق عليه. 

كما أوضح علماء الأصول أن من أكبر نواقض عقيدة الولاء موالاة المسلم لغير المسلم، وإعانته للنيل من الإسلام والمسلمين، فالله تبارك وتعالى قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 28)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أولياء﴾ (الممتحنة: 1)، وهذا نص قاطع بتحريم موالاة أعداء المسلمين، وأما نص سورة آل عمران: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:28)،  فقد أكمله الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (آل عمران: 28)، فهذا هو الاستثناء الوحيد، أي اتقاء شر أعداء المسلمين وعموم الكفار ومداراتهم، وردهم عن النفس والأمة في حال الضعف، وهذا الحكم الشرعي لا يشمل- قطعًا- القرارات الاستهلاكية، فأية مداراة في استهلاك سلع أعداء المسلمين، وبلا أي ضغط لشرائها؟

عقيدة البراء.. الوجه الثاني للعملة

الأصل في عقيدة البراء قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ (المجادلة: 22)، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ (الممتحنة: ۱)، وقد نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة- رضي الله عنه- الذي كان قد حاول إخبار كفار قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم ينوي حربهم، فنزل الأمر الإلهي موجهًا إلى السلوك القويم، ألا وهو وجوب البراءة من المشركين.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى سورة كاملة هي سورة التوبة، وأولها: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة: 1)، وقال تعالى فيها: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: 3)، ثم يوضح الله تعالى سبب البراءة، وسبب تحذير المؤمنين من هؤلاء القوم، فيقول عنهم في الآية الثامنة من السورة: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (التوبة: 8)، ويقول في الآية العاشرة: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (التوبة: 10). فهم معتدون على أمة الإسلام، لا يرقبون في أهلها أي عهد أو وثيقة حقوق، ولا يعترفون لهم بحق الوجود. ولذا نجد الله تعالى يقول في الآية الرابعة عشرة من السورة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14)، فهذه الصدور المؤمنة التي ثكلت أبناءها أو آباءها أو إخوانها تريد أن تتشفى ممن نقض كل عهد ومزق كل وثيقة حق. وما لم يكن التشفي منهم في ساحة الجهاد الأصغر ممكنًا فإن الله تعالى جعل مراتب الجهاد المستطاع متاحة لكل مؤمن؛ لتبرز المقاطعة الاقتصادية كأكثر الوسائل فاعلية في مجال إيقاع الحسرة بالخصوم على أموالهم التي خسروها بمناصبة المسلمين العداء. وهذا المعنى لفت الله إليه أفئدة أولي الألباب من المؤمنين. ففي نفس السورة عرض المولى جل وعلا لذات المعني، حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24). فالله جل وعلا هنا ذكر الأموال التي يقترفها المسلمون، والتجارة التي يخشون كسادها، وقارنها جل شأنه في حب المسلم لها بحبه لله ورسوله. فأيهما يرجح لديه؛ حب الله رسوله؟ أم حب التجارة والمال؟ هذا بالنسبة للتاجر.

أما بالنسبة للمستهلك فالأمر أخطر، فإحدى كفتي الميزان بها حب الله وسوله، والكفة الأخرى بها رغبة في استهلاك سلعة ينتجها الخصم. فكيف يجتاز المسلم مثل هذا الابتلاء الميسور، مع العلم أن الله تبارك وتعالى وفر لنا مجموعة وفيرة من السلع البديلة تعيننا على اجتيازه؟!.

 

أيام الصبر

وقفة مع اليورو!

مدريد: نوال السباعي

لا توجد كلمتان في القاموس المحيط مثل «حيص.. بيص»، تصلحان للتعبير عن حال الشعب الأسباني- على الأقل- في جملة الشعوب الأوروبية، يوم دخلت العملة النقدية الأوروبية الجديدة «اليورو» حيز التنفيذ مطلع هذا العام الميلادي. 

كثافة منقطعة النظير في الإعلانات الخاصة بتوعية الجمهور حول العملة الجديدة، أرتال وأرتال من المواطنين المصطفين لشراء «حافظة اليورو» التي طرحت للبيع في جميع المصارف قبل خمسة عشر يومًا من طرح العملة للاستعمال بشكل رسمي في الأسواق التي هي عبارة عن أكياس بلاستيكية صغيرة تحوي جميع القطع المعدنية التي تشكل أجزاء هذه الوحدة النقدية في إسبانيا، والتي يميزها عن أخواتها في بقية الدول الأوروبية صور «الملك الإسباني خوان كارلوس والأديب الأسباني العالمي «ثيربانتس» صاحب «دون كيشوت دي لاماتشا»، وكذلك صورة لكاتدرائية «سانتياجو دي كومبوستيلا» با عتبارها قد أصبحت في الآونة الأخيرة رمزًا لإسبانيا، وقد حلت في ذلك محل «قصر الحمراء الغرناطي» الذي بقي رمزًا تاريخيًّا وسياحيًّا متميزاً لهذه البلاد خلال أكثر من مائة عام، حتى دخلت إسبانيا العهد الأوروبي الاتحادي الحديث. 

وعلى الرغم من أن العملة الأوروبية «اليورو» هي نفسها التي تستعمل في جميع بلدان الاتحاد، إلا أن البلدان الأوربية المختلفة استأثرت بأحد وجهي اليورو لتنقش عليه رموزها التاريخية والثقافية المختلفة، فيما جمع بينها الوجه الآخر الذي رسمت عليه خريطة الاتحاد الأوروبي المعروفة اليوم.

كثيرون كانوا يظنون قبل مجيء اليورو، وربما يتمنون أن تصاب الخطط الأوروبية الاقتصادية الوحدوية بالفشل، أو بضربة قاصمة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، إلا أن الرئاسة البلجيكية للاتحاد استطاعت وبمهارة فائقة إنقاذه من الانهيار، وخرج اليورو صلبًا متماسكًا، معبرًا عن إرادة أوروبية صلبة تصب في مجرى إقامة صرح وحدة تخدم وجود ونمو هذا «القزم السياسي والعملاق الاقتصادي»، الذي يدعى أوروبا، بل تفرضه في الأسواق العالمية ككيان موحد بسياسات اقتصادية موحدة، وذلك على الرغم من الفروق الثقافية واللغوية والفكرية والسياسية والتاريخية الهائلة، بين شعوب البلدان الأوروبية الإحدى عشرة التي دخلت هذه المنظومة في الأول من يناير من هذا العام الميلادي.

بالنسبة لإسبانيا على وجه الخصوص تشكل قضية اليورو هذه محطة استثنائية؛ لأنها تتزامن مع استلامها الرئاسة الأوروبية المرحلية في نفس اليوم، وقد جعلت الحكومة الأسبانية قضية اليورو من أهم الأولويات على سُلم اهتماماتها الأوروبية، إضافة بالطبع لقضية مكافحة الإرهاب والإرهابيين ممن نعلم وتعلمون، ولا نعلم ولا تعلمون!. 

هذا من جهة الحكومة، أما من جهة الجمهور فإن اليورو يكاد يصيب الناس بخلل في أدمغتهم، وارتجاج في أمخاخهم، وهم يتهافتون على شراء الحاسبات الآلية التي يستطيعون من خلالها معادلة اليورو بسعر «البيسيتة»-  وحدتهم النقدية القديمة- بينما لم تقصر وسائل الإعلام ليلًا ونهارًا في وجود من يستغل هذا التغيير في النصب والاحتيال على عباد الله، خاصة أن الأجزاء العشرية في هذه المعادلات الحسابية تستعصي إلا على ذوي التفوق الاستثنائي في علمي الجبر والرياضيات.

أما عن الجاليات العربية في أوروبا... وحالها مع اليورو، فحدث ولا حرج، فقد غرق القوم في شبر أو قبضة من السنتيمرات من اليورو، وزادت همومهم همًا، وكأنه لا يكفيهم انشغال أدمغتهم في قضية معادلة عملات بلادهم بالدولار من جهة، وبالعملات الأوروبية المحلية من جهة أخرى، حتى وجدوا أنفسهم غارقين في «حيص بيص» من العمليات الحسابية المعقدة التي تجعل من يكن لنفسه أدنى قدر من الاحترام يجلس في بيته، ويضرب عن الشراء ونزول السوق، حتى تستقيم لديه عمليات الضرب والتقسيم على الأقل. لم يكفنا ذلك كله، حتى وجدنا أنفسنا بين عشية وضحاها نحن العاملين في الإعلام، وقد نزلت بساحتنا مصيبة ومعضلة تصريف اليورو وجمعه وتثنيته وإعرابه والنحت منه باللغة العربية المستعصية على لفظه أصلًا!! وليس لنا أمام هذه الحقيقة «الإيرورية» أو الأوروبية اليوم، إلا اللجوء إلى من يسترعورات الكرام وعثرات المبتلين من أمثالنا، أن يلهم حكامنا رحمة منه تنزل عليهم أفكارًا يوحدون من خلالها العملات العربية، ويريحون مواطنيهم من مثل هذا العناء النقدي الثقيل في بلاد الغرب والغربة، وما ذلك على الله ببعيد.

 

ماذا يراد للبلقان؟

مصطفى محمد الطحان

في عهد حكومة بوش الأب، وبعد تفرد أمريكا كقوة وحيدة تتحكم بالعالم وتعيد صياغة دوله، ذهب وزير خارجيته جيمس بيكر إلى يوغوسلافيا «وكانت يومها موحدة»؛ ليدرس الأمور على الأرض.. وبعد عودته من زيارته صرح أن يوغوسلافيا ينبغي أن تقسم.

ولكن لماذا؟ الأسباب نوجزها فيما يلي:

  • ثلث الاتحاد اليوغوسلافي من المسلمين، فقد كانوا 8.5 مليون مسلم مقابل قرابة الـ ٢٤ مليونًا، ولقد صرح الرئيس اليوغوسلافي المخلوع ميلوسوفيتش أن المسلمين بعد عدة سنوات سيكونون الأغلبية ويحكمون يوغوسلافيا.. لهذا فلابد من إبعاد شبح هذا الخطر.

  • الحلف الأرثوذكسي الروسي الصربي ومعه اليونان وبلغاريا.. لا تعتبره السياسة الأمريكية التي تؤمن بصراع الحضارات، جزءًا من الحضارة الغربية، ولهذا فلابد من تحطيم هذا الحلف المعادي لها.

  •  قيام دولة إسلامية في أوروبا يهدد حسب المنطق الغربي- سلامتها ووحدتها وتجانسها في المستقبل، ولهذا فلا بد من تفتيت الكيان المسلم إلى أجزاء تواجه عداءات عرقية في كل جزء من أجزاء الكيان اليوغوسلافي.. خاصة وأن بدايات صحوة إسلامية في البلقان بدأت على يد حزب العمل الديمقراطي- الإسلامي.. الذي أسسه المناضل المسلم الرئيس علي عزت بيجوفيتش الذي قضى شطرًا من حياته في سجون تيتو.

  • أما السيناريو الذي وضعته دوائر الغرب فهو تقسيم الاتحاد اليوغوسلافي، وإغراء كل طرف ضد الطرف الآخر، وقد انساق الجميع خلف هذا السيناريو.. الكل يحلم بصربيا الكبرى، وكرواتيا الكبرى، والبوسنة والهرسك، وألبانيا الكبرى.. وبدأت الخطة تؤتي ثمارها...فماذا كانت النتيجة؟

  • قتل وتشريد أكثر من مليون مسلم في البوسنة.. وتوقيع اتفاق دايتون الذي حصل المسلمون بموجبه على أقل من 33% من الأرض، وخسروا كثيرًا من الأرواح والممتلكات والمدن والأراضي.. واستمرت المعاناة حتى عام ١٩٩٥م، ويوم علق الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش على اتفاقية دايتون.. قال إنها لیست اتفاقية سلام، ولكنها أفضل من حرب الإبادة التي يتعرض لها المسلمون.. وأخيرًا ربطوا البوسنة باتحاد مع كرواتيا سيكون في يوم قادم مشروع صراع جديد...

وإذا كنا نعتبر على عزت هو صاحب مشروع البوسنة المسلمة فقد استفاد منه  الغرب، حتى وصل إلى ما يريد فأقام قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة في توزلا.. وبعد ذلك بدأ يضغط على بيجوفيتش ليبعده.. وفي عام ۲۰۰۰م واجه الرئيس انتقادات أمريكية وأوروبية متلاحقة بسبب توجهه الإسلامي.. كما تعرض حزبه إلى تهم بسوء الأداء والتسلط والمحسوبية وإثراء قيادييه- وبينهم ابنه بكر- بصور غير شرعية، وأدى ذلك إلى إقالة عدد من قادة الحزب بينهم رئيس الاتحاد الفيدرالي البوسنوي أيوب جانيتش.

 وإزاء هذه الضغوط الغربية مني الحزب بخسائر كبيرة في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس ۲۰۰۰م، وفاز فيها تحالف الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بقيادة زلاتكو لاغو مجيا المدعوم أوروبيًّا.. وإثر ذلك انسحب علي عزت بيجوفيتش من الميدان السياسي.

  • وعلى صعيد كوسوفا.. تدخل حلف الأطلسي في الحرب تحت شعار حماية الألبان الذين يضطهدهم نظام بلجراد.. وبقي قرابة الثلاثة أشهر يقصف يوغوسلافيا بكل ما حوته الترسانة الأمريكية من سلاح متطور.. ومع ذلك فقد خسر المسلمون خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وبقيت كوسوفا جزءًا لا يتجزأ من صربيا.. وقامت على الأراضي الكوسوفية قاعدة عسكرية أمريكية في بوندستيل وهي من أكبر القواعد الأمريكية في أوروبا، وتريد الولايات المتحدة أن تبقى فيها ٧٥ سنة، وفاتحت يوغوسلافيا بذلك باعتبار أن للقاعدة أهمية حيوية ضمن مخطط القواعد الأمريكية في المنطقة الممتدة من البوسنة «عند مدينة توزلا الشمالية الشرقية» مرورًا بكوسوفا إلى بلغاريا «فارنا الشمالية الشرقية» فتركيا وصولًا إلى قواعد مقترحة في جورجيا، والجمهوريات المستقلة الأخرى.

  • وعلى صعيد مقدونيا.. يتكرر السيناريو.. ويستخدم المسلمون فيدفعون الثمن من دمائهم وأرضهم ومواقعهم لتثبيت أقدام الغرب على أرضهم!. 

ليس بالضرورة أن يكون المسلمون متواطئين.. ولكنها حيلة الضعيف الذي يقدم له الآخرون السلاح ويغرونه بالأحلام، ثم يتخلون عنه بعد تحقيق أهدافهم.

  • أما صربيا.. فيكفي أن الغرب والطيران الأمريكي حولها إلى أرض محروقة.. وحطم الكبرياء القومي والعنجهية الصربية المعادية لأمريكا.. وأخيرًا أجبر الحكم الصربي الجديد على الموافقة على نقل ميلوسوفيتش مكبلًا إلى محكمة العدل «الأمريكية أو الدولية لا فرق»!.

الرابط المختصر :