; فوائد الديون الدولية.. سرطان يفتك باقتصاد الشعوب الضعيفة | مجلة المجتمع

العنوان فوائد الديون الدولية.. سرطان يفتك باقتصاد الشعوب الضعيفة

الكاتب عبد اللطيف محمد برزق

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

مشاهدات 54

نشر في العدد 933

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

 كثير من دول العالم الثالث فقدت القدرة على سداد الأقساط المستحقة من أصل مديونيتها

 حجم الاستثمارات اليهودية يتنامى بشكل مطرد في إفريقيا

 حجم الديون المستحقة على دول العالم الثالث بلغت في عام (1988م) 1245 بليون دولار!

تحدث سمو الأمير أمام القمة التاسعة لحركة عدم الانحياز في بلغراد عن مشكلة الديون التي تتهدد مستقبل العديد من دول العالم الثالث، فأشار سموه إلى أن تلك الديون قيود تكبل الشعوب في حاضرها ومستقبلها، وأن التحرر منها يوازي التحرر من الاستعمار ويمهد الطريق للمجتمع الإنساني الجديد، وأن مشكلة الديون قد زادت من قسوة الحياة في بعض البلدان الفقيرة فاشتد بها الجوع والعري والقحط، وأصبح أطفالها كأنهم أشباح وظلال بشرية، ومازالت الفجوة تتسع بين فقراء العالم وأغنيائه. كما أوضح سموه أن التأثيرات المدمرة لمشكلة المديونية الخارجية للبلدان على الاقتصاد الدولي أصبحت تتطلب حلًّا جذريًّا يتخطى الأساليب المعروفة.

كما سبق لسموه أن دعا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 1988) إلى إلغاء الفوائد وتخفيض المستحق من الديون، ودعوة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى إعادة النظر في شروطهما القاسية.

لقد أصبحت أثقال الديون المتراكمة دون سداد والتي تضاعفت مبالغها بفعل الفوائد الربوية المركبة تلقي بظلالها الكئيبة على مستقبل الشعوب والبلدان الفقيرة التي اقترضت تلك الديون أصلًا لتأمين احتياجاتها لتمويل برامج التنمية ولتسليح نفسها في مواجهة الأخطار المحدقة بها ولتعزيز استقلالها.. إلا أن المتحكمين في مصادر التمويل الدولي جعلوا من تلك الديون بفوائدها الباهظة الملحقة بها وسيلة أكيدة ينفذون منها لإحكام السيطرة على تلك البلدان بحيث وصل العالم إلى مرحلة أضحى فيها مستقبل الأجيال القادمة للعشوب الفقيرة رهينة بأيدي الدول الصناعية والمؤسسات المالية الكبرى، وأصبحت التكتلات الدولية الكبرى تملي إرادتها على البلاد التي تقع ضحية الابتزاز الربوي البشع دونما حاجة لتسيير الجيوش لاحتلال تلك البلاد، ثم إن هيمنة تلك التكتلات والقوى الكبرى امتدت إلى كافة الميادين.. فالأنماط السياسية الوحيدة «المؤهلة» لحكم البلاد المغلوبة على أمرها هي فقط تلك التي ترضى أن تكون أداة طيعة تسهل للقوى العظمى تحقيق «مصالحها» في البلاد وتوفر لها الأجواء الملائمة لذلك.. كذلك الحال بالنسبة للأنماط الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، فهي أيضًا ينبغي أن تكون من الفئات التي لا تثير «قلق» أباطرة الربا والكفر.. ذلك القلق الذي يترتب عليه -على سبيل المثال لا الحصر- توقف صندوق النقد الدولي عن «رعاية» اقتصاد البلاد غير المرضي عن سلوكها وغير المنقادة لشروطه وطلباته مع ما ينشأ عن ذلك من أهوال وفتن وانهيارات.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بلدانًا عدة من «العالم الثالث» اندفعت أنظمة الحكم فيها في تنفيذ «التوجيهات» الصادرة لها وفي تطبيق السياسات المطلوبة منها، فأمعنت -ابتغاء مرضاة «الطالبين»- في قمع أية معارضة محلية خاصة إن كانت صادرة من منطلق إسلامي جهادي لتثبت أنها مؤهلة أكثر من غيرها من البدائل لخدمة مخططات ومصالح القوى العظمى، وإخضاع البلاد والعباد في سبيل الوصول لذلك الهدف.

الديون تدخل نطاق الأرقام الفلكية

إن إحصائيات البنك الدولي تشير إلى أن حجم الديون المستحقة على دول «العالم الثالث» بلغ عام 1988 (1245) بليون دولار وذلك يمثل أصل الديون ومعه الفوائد الربوية المركبة التي تضاعفت قيمتها أضعافًا مضاعفة على مدار الزمن؛ بحيث إن أرصدتها المطلوبة من المدينين تجاوزت في بعض الأحيان قيمة أصل الدين المطلوبة عنه.. ذلك أنه بقدر ما يتأخر المدين في تسديد أساس الدين وفي تسديد الفوائد الربوية، فإن المبالغ التي تبقى بغير سداد تضاعف الرصيد المتراكم للدين -بفعل الربا المركب- مما يزيد في إرهاق المدينين ويثقل كواهلهم.

ولقد بلغ من ضخامة حجم الديون المتراكمة على دول العالم الثالث أن عددًا من تلك الدول -بعد أن فقد القدرة على سداد الأقساط المستحقة من أصل مديونيته- قد أصبح يستدين «من جديد» ليتمكن من سداد فوائد الديون القديمة.. وبذلك تحولت الديون (التي يفترض أنها اقترضت أصلًا لتكون عاملًا من عوامل التنمية وإنعاش اقتصاد البلاد) إلى عبء ثقيل تشقى به الشعوب وتنقله إلى أجيالها القادمة التي يتوجب عليها أن تكدح بكل طاقاتها وأن تعتصر كل خيرات بلادها سدادًا للفوائد الربوية التي تتضاعف ويتفشى أثرها المدمر بسرعة الخلايا السرطانية الفتاكة.. وعلى سبيل المثال فقد استحق على البرازيل فوائد ديون لعام 1986 بما يزيد عن 12 بليون دولار، وقد أوردنا مثال البرازيل هنا لأنها اضطرت إلى الإعلان عن أرقام مديونياتها بعد امتنعت في وقت سابق عن سداد جانب كبير من أقساط وفوائد تلك الديون، ولأنه ليس لدينا إحصائيات موثقة صادرة عن الدول العربية المدينة بهذا الصدد؛ لأن أغلبها تعتبر أن شعوبها لا ينبغي لها أن تطلع على هذه الأرقام.. إذ يكفي أن يطلع عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور رمزي زكي (في حديث نشر في جريدة الوطن 4/ 10/ 1988): إن حجم الفوائد الربوية التي تدفعها الدول المدينة على ديونها الخارجية قد تطور؛ إذ إن تلك الفوائد بلغت عام 1981 «41.7» بليون دولار، ثم واصلت ارتفاعها لتصل إلى «55» بليون دولار عام 1987، دفعت الدول النامية الشطر الأعظم منها، وإذا ما أدخلنا في الصورة الأقساط التي دفعتها هذه الدول فسوف تزداد الصورة قتامة؛ ففي عام 1981 بلغ حجم الأقساط المدفوعة «47.5» بليون دولار، ثم قفزت هذه الأقساط إلى «64» بليون دولار في عام 1987، وهذا يعني أن مجموعة الدول المدينة قد تكبدت مبلغًا يصل إلى «119» بليون دولار في عام 1987، وهنا نجد أن فوائد الديون تمثل حوالي «46.2%» من إجمالي عبء الدين، وهو مبلغ لا يستهان به ويجب أن نعلم أن تلك الأعباء كانت مستحقة فقط على الديون طويلة الأجل، أما الديون قصيرة الأجل ذات الشروط الأكثر إجحافًا فلا تدخل في الأرقام السابقة.

حروب وفتن ومؤامرات

لطالما شهد العالم حروبًا مدمرة أوقد نارها ما ولده الربا من سعار للحصول على المال بكل وسيلة، وفتن سوداء عصفت بحاضر ومستقبل شعوب كثيرة، ومؤامرات حيكت لتدمير أوطان لقاء صفقات هائلة.. ولقد كانت الفوائد الربوية الفاحشة من أهم أدوات الصراع في سبيل السيطرة على مقدرات الشعوب الضعيفة واستغلت القروض وعقود الامتياز لاستغلال الموارد الطبيعية لتكون الأسلوب المفضل للقوى الاستعمارية في سعيها لبسط سيطرتها على البلاد المطموع في نهب خيراتها واستنزاف مواردها بحيث يبدأ ذلك بمنحها قروضًا طويلة الأجل والإغداق عليها «بالتسهيلات» الائتمانية ذات الفوائد الربوية الباهظة التي تتضاعف ويتضاعف معها حجم الديون المطلوب سدادها بصورة تفوق إمكانات الشعوب الفقيرة، وخاصة أن تلك القروض والتسهيلات تقدم لإقامة مشاريع هامشية وليس لمشاريع تسهم في بناء وتعزيز البنية الاقتصادية فتكون النتيجة وقوع تلك الشعوب فريسة يتغذى المرابون على دمائها وأشلائها.

ولعل ما فعلته أوروبا بمصر أيام الخديوي إسماعيل يمثل عينة لما سبق أن بيناه، فلكي يتمكن الخديوي إسماعيل من سداد أقساط الديون المستحقة على البلاد باع نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875 بما يقرب من أربعة ملايين جنيه لم يدخل الخزينة المصرية منها شيئًا، فقد استولى عليها المرابون استيفاء لفوائد ربوية مضاعفة كانوا قد ألحقوها بديونهم.. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن مصر كانت محرومة من أرباح تلك الأسهم حتى عام 1894 بناء على اتفاقية ديليسبس عام 1869 في إحدى التسويات المجحفة التي أجراها على حساب مصر، فلما استقرت الأسهم في أيدي الإنجليز عام 1875 طالبوا بتعويض عن الحرمان من الأرباح! ففرضوا عوضًا عن ذلك فوائد ربوية مقدارها (5%) لمدة عشرين سنة، وألزموا الحكومة المصرية بدفعها.

إن الأمثلة على الربا الفاحش تملأ صفحات التاريخ وتقف شاهدًا على فداحة ما حل ويحل بالشعوب المغلوبة على أمرها من مصاصي الدماء.. وها هم ورثة المستعمرين القدامى يفوقون أجدادهم مهارة وحذقًا في نصب الشباك والمصائد لاستدراج البلاد الضعيفة والإيقاع بها، ويفوقونهم كذلك في معدلات الابتزاز الربوي التي سجلت أرقامًا غير مسبوقة.

دور اليهود في هذا المجال

إن اليهود بحكم عقائدهم التي صاغها أحبارهم وحاخاماتهم والتي تغذيهم بالعنصرية والاستعلاء على بقية الجنس البشري والتي تنمي فيهم عبادة المال والذهب كانوا على مدى التاريخ على رأس قائمة المرابين، ولقد أثبت القرآن الكريم استباحتهم للربا وقد نهوا عنه وأكلهم السحت وأكلهم أموال الناس بالباطل وإيقادهم نيران الحروب وسعيهم في الأرض فسادًا.

ونريد هنا أن نلفت الانتباه إلى حجم الاستثمارات اليهودية المتنامي بشكل مضطرد في إفريقيا، والذي أصبح يشكل جانبًا بالغ الأهمية في إمبراطورية المال اليهودية العالمية الربوية، وبالتالي يسهم بشكل فعال في تعزيز باطلهم، تلك الاستثمارات يمهد لها على الدوام بالقروض و«المساعدات» وبالاستعانة بالنفوذ الأمريكي لتوريط البلاد الفقيرة في إفريقيا لتسقط في هوة الربا الفاحش، ومن ثم اجتذابها لدائرة الولاء للصهيونية.

الإسلام والربا

اعتبر الإسلام الربا من أخطر المفاسد التي تدمر حياة الأفراد والمجتمعات والأمم والدول؛ لأنه يولد الشح ويقضي على نوازع الخير والإحسان والعطف والرحمة بالنسبة للأفراد، ويوقد نار الحروب والفتن بالنسبة للمجتمعات والدول.. لذا فإن الربا يعد من أكبر الكبائر ومن أشد الخبائث؛ قال تعالى في سورة البقرة﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ (البقرة:275) وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (البقرة:276) وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (البقرة:275).

وشرع الله سبحانه وتعالى الزكاة لتكون فريضة على العباد؛ لأن فيها تزكية المال وتطهيرًا له وتزكية لأصحابه من البخل والشح وتجنيبًا للفقراء والمظلومين المحرومين من الوقوع في الحسد والحقد على الأغنياء وإغلاقًا لباب الفتن.

ولقد من الله سبحانه وتعالى على أبناء هذا الجيل من المسلمين بأن قامت بين ظهرانيهم مؤسسات اقتصادية تعمل بنهج الإسلام وتنأى بنفسها عن الربا، وتلك بحمد الله نعمة كبيرة تثبت للجميع إمكان قيام اقتصاد إسلامي يستند في منطلقاته على نهج الإسلام القويم ويطهر ديار الإسلام وأموال المسلمين من دنس الربا والنظام الربوي الذي مكنت له السيطرة الأجنبية.

ذلك هو الحل، وذلك هو طريق الخلاص من الحلقة الجهنمية التي أحاطت بالشعوب المغلوبة على أمرها، وهو السبيل الأمثل لكسر هيمنة الربا والتحرر من تسلط القوى الكبرى على مستقبل الأجيال القادمة، فالأمر جد خطير، ولو ترك الأمر على ما هو عليه من الأوضاع الحالية التي تنذر بأوخم العواقب فلن نحصد سوى الفتن والبوار، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )يوسف:21).

الرابط المختصر :