; الافتتاحية.. فوز التيار الإسلامي في الجزائر الدلالات والمسؤوليات | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية.. فوز التيار الإسلامي في الجزائر الدلالات والمسؤوليات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990

مشاهدات 65

نشر في العدد 971

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 19-يونيو-1990

 

 

في أول انتخابات حرة بعد الانفتاح السياسي في الجزائر، حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتصارًا كبيرًا في الانتخابات البلدية والولائية التي جرت في الأسبوع الماضي، فقد حصلت الجبهة الإسلامية على أكثر من 50% بينما كان نصيب الحزب الحاكم 32% تقريبًا، ولم ينل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أكثر من 6%، وذلك طبقًا لما أعلنه وزير الداخلية الجزائري محمد صالح محمدي مساء الخميس 1990/6/14.

وقد جاءت هذه النتيجة التي تُعد أبلغ رد عملي على تلك الحرب الشرسة التي شنتها أجهزة الإعلام العلماني العربي والفرنسي، لتعلن لهؤلاء جميعًا أن الأمة لم تفقد أصالتها، وأنها على الرغم مما تعرضت- وتتعرض- له من غزو واستعمار فكري، إلا أنها لا يزال لديها القدرة على التمييز بين الخبيث والطيب.. بين الأصيل والدخيل.. بين هؤلاء الذين يصلون الأمة بعقيدتها ويحفظون لها أصالتها وتميزها، وبين أولئك الذين يريدون لها أن تفقد هويتها، وتتنكر لعقيدتها وتراثها ثم لا تقبض إلا الهواء، ولا تملك إلا الفراغ، ولا تحيا إلا مع الأتباع.

 

لقد تعرض التيار الإسلامي لحرب إعلامية ضارية قادها الإعلام العلماني، حاول فيها تشويه صورته فرماه بكل نقيصة، ولاحقه بكل اتهام، واختلق حوله الأكاذيب، وصنع له الأخبار، وأطلق عليه جيوش الشائعات، وأجّر المرتزقة الذين باعوا أقلامهم لكل من يدفع الثمن، مما يشهد بنجاح التربية الاستعمارية، فلقد نجح صبيان المنصرين والمستشرقين فيما فشلت فيه جحافل الجيوش العسكرية.

 

نقول: تأتي هذه النتيجة لتصفع الذين يغتالون حرية الشعوب، سواء كانوا في سدة الحكم أو على منابر الإعلام المرزوء بهم، ولتدل دلالة واضحة على أن التيار الإسلامي في سائر أرجاء أمتنا الإسلامية والعربية هو روح هذه الأمة وضميرها.. هو صوتها الداوي وساعدها القوي.. هو الترجمة العملية لكلمتها عندما يتاح لها أن تقول هذه الكلمة بحرية كما قالتها في الجزائر.. وكما سبق أن قالتها في الأردن، وكما تقولها في انتخابات النقابات المهنية في مصر، وكما سوف تقولها في كل مكان يتاح لها فيه أن تقولها.. عندما تتهاوى القلاع الظالمة المظلمة، وعندما يصدق الرجال كما صدقوا في الجزائر، ويفوا بعهدهم كما وفى الشاذلي بن جديد.

 

لقد كان لنجاح الجبهة الإسلامية بهذه النسبة العالية ردود فعل كبيرة داخلية وخارجية.. فقد أعرب الرئيس الشاذلي بن جديد عن سعادته؛ لأنه تم التعبير عن الإرادة الشعبية في هدوء وديمقراطية من خلال احترام النظم الدستورية.. كما صرح عضو المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الحاكمة أن الجبهة والحكم قد وفرا كل الضمانات الدستورية والقانونية والعملية؛ ليمارس الشعب حريته بديمقراطية كاملة. وقال: إن تجربة الانتخابات البلدية والولائية قد نجحت، وإن هذا النجاح يمثل مكسبًا للشعب الجزائري.. كما جاء على لسان عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير.

 

إن تسليم الحكم للجبهة الإسلامية لن يؤدي إلى حدوث انقلاب عسكري؛ لأن الجيش للوطن والشعب كافة، ولا يتدخل في السياسة منذ بدء تطبيق الإصلاحات الديمقراطية.

 

وعلى الصعيد الخارجي، فقد اعترف الرئيس الفرنسي بالواقع وأنه يحترم اختيار الشعب الجزائري.. ولكن هذا النجاح قد أثار عاصفة من السخط لدى جهات كثيرة تكره الإسلام ومن يمثلونه، وتراوح موقفهم بين الدس ومحاولة الوقيعة أو التشكيك وبين إعلان العداء السافر.. فوزير الشباب والرياضة الفرنسي يصرح بأن الحرية في خطر.. وهذا التخوف على الحرية لم يظهر عندما كان يمارس الاستبداد على أبشع صوره على أيدي أصدقاء فرنسا أو عندما يمارس على أيدي محبي أمريكا أو المقبلين لأعتاب الكرملين!! هذا الخوف على الحرية لم يظهر وطلقات الرصاص تغتال الشباب وجلاوزة السلطة يفتكون بالحرائر في أقبية السجون ومجاهل المعتقلات.. الخوف على الحرية لم يظهر وحقوق الإنسان تهدر في ظل أنظمة القمع والقهر التي تجثم على أنفاس الشعوب في سائر أرجاء أمتنا المبتلاة، لكنه يتجلى مع شحنة من الألم والهم وغلالة من الحزن ودموع التماسيح عندما يكون الفوز إلى جانب التيار الإسلامي!! وإلا فإن هؤلاء الحزانى التعساء عندما كانت توأد حرية الشعوب، وتزور إرادة الأمة وتعلن النتائج الكالحة فإذا هي تتراوح بين 95% - 100%، لقد كانت الحرية آنئذ بخير وعافية!! ولك الله يا حرية! فكم من الجرائم ارتكبت وترتكب باسمك!!

 

وَكُلٌّ يدَّعِي وَصلا بِلَيلَى *** وَلَيلَى لا تُقِرُّ لَه بِذَاكَا

 

أما المناضلون الحقيقيون من أجل الحرية والمجاهدون في سبيلها، فقد أعلنوا سعادتهم بتلك النتيجة الطبيعية التي أعادت الحق إلى نصابه.. فقد وجه زعيم حركة النهضة التونسية رسالة إلى الشعب الجزائري مهنئًا له انتصاره لقيم الحق والعدل والخير والحرية.. لمبادئ الإسلام العظيم وهدي الرسول الكريم.

 

مذكرًا بأن حركة النهضة لم تفاجأ بنتائج الانتخابات التي أعطت الجبهة الإسلامية الأغلبية؛ لأن التعبئة التي سبقت هذه الانتخابات أظهرت بوضوح وزن كل فريق.

 

ونحن في المجتمع صوت الحق والقوة والحرية، إذ نهنئ الجزائر بنجاح اختيار الحرية فيها، لنذكر الإخوة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ونذكر أنصار الحق والحرية- أنصار الإسلام- في كل مكان بأن يعملوا من أجل الحرية ويجاهدوا لتثبيت دعائمها، لأن الحرية هي البوابة التي يمكن أن يدخل منها التيار الإسلامي ليحتل موقعه الطبيعي في المجتمع، وما حال بينه وبين أن يتبوأ مكانه في القلب من هذه الأمة إلا يوم أن ساد الظلام ونعقت فيها البوم والغربان وانطلقت الجرذان تعبث وتخرب، سعيدة بما ساد من ظلام داعية: اللهم أدمها من نعمة واحفظها من الزوال!!

 

إن الحرية أصبحت هاجسًا مخيفًا مفزعًا ومرعبًا قاتلًا عند أصحاب الاتجاهات المعارضة للخط الإسلامي؛ لأنه ترسخ في أذهانهم من خلال ما شاهدوه في مختلف البلدان أن وجود الحرية يعني سقوطهم المريع وانتصار المد الإسلامي، وأن غياب الحرية وتربع القهر والطغيان وعبادة الشيطان ونفاذ شريعة الغاب يعني إقصاء الحركة الإسلامية عن مواقع التأثير. أما كلمتنا لإخواننا في الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر فهي: لقد خطوتم خطوة على بداية الطريق والصعاب جمة والعقبات كثيرة والمتربصون على جانبي الطريق وما أكثرهم!! فلا تفجعوا الجماهير في آمالها وعاملوا غيركم بما أنتم أهله لا بما هم أهله، والوطن للجميع.. واعلموا أن الحرية مسؤولية وأنه بمقدار الشعور بالمسؤولية وممارستها بصورة حقيقية تتسع دائرة الحرية وينال الشعب حقوقه ويسود العدل وتتحقق المساواة.. ولسنا أوصياء ولكنها نصيحة محب والدين النصيحة..

 

فإلى البناء والعمل، وضعوا أيديكم في يد كل مخلص لهذه الأمة ساعٍ إلى خيرها محب لشعوبها.. ولا يشغلكم تهريج الفاشلين وحسد الحاسدين ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:35) ﴿إِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد:38) والمسلمون من ورائكم يشدون أزركم ويرقبون إنجازاتكم، وشعب الجزائر العظيم الذي أعطى الإسلام ولاءه ثم رضي بكم بديلًا صالحًا ينتظر منكم تحقيق آماله وتلبية طموحاته، والله يحفظكم ويسدد على طريق الحق والعدل والخير خطاكم.

الرابط المختصر :