; في أيام: شاتو شينو ومرسيليا | مجلة المجتمع

العنوان في أيام: شاتو شينو ومرسيليا

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007

مشاهدات 60

نشر في العدد 1757

نشر في الصفحة 42

السبت 23-يونيو-2007

  • «شاتو» عبارة عن غابة بديعة فيها بحيرة صغيرة، وتصاوير ربانية يعجز القلم عن وصفها.

  • المدينة بها معهد إسلامي لتدريس العلوم الشرعية، أزوره كل سنة لأدرس للطلاب مادة المصادر والمراجع.

     هذه هي الزيارة الثالثة لشاتو شينو، وقد قمت بها في ربيع الآخر ١٤٢٨هـ/ مايو ٢٠٠٧م، وهي بلدة صغيرة و«شاتو» بالفرنسية: القصر، و«شينو» أحد وجهاء البلدة الأقدمين، وسميت البلدة باسم قصره، وهي بلدة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران الذي كان رئيس بلديتها ورئيس الحزب، الذي تسلم السلطة في فرنسا، فانتقل من رئاسة البلدية إلى رئاسة الجمهورية.

    وكان من تقادير الله -تعالى- أن هذا الرجل -ميتران- عرض عليه مشروع إقامة معهد إسلامي قريبًا من بلدته وفي مكان يقع تحت سلطانها، وكان رئيسًا للجمهورية، فأعجب بهذه الفكرة وارتضاها، وسهل الإذن بإقامته؛ لأنه كان يحسب أن إقامة مثل هذا المعهد تابعًا لسلطة بلدته سيكون مقويًا للبلدة ومنشطًا لحركتها، فوافق وسمح، ولو عرض طلب إقامة المعهد العرض المعتاد لوضعت العراقيل الكثيرة والعقبات العديدة أمامه، فسبحان مقدر الأقدار، وأنشئ المعهد في غابة بديعة فيها بحيرة صغيرة، وفيها تصاوير إلهية يعجز القلم عن وصفها، لكن يكفي من وصفها تسبيح الطيور وجريان الماء وألوان النبات وجمال الأشجار، وكسوة الأرض.

     وزاد البقعة جمالا وجلالا تلك الوهاد بين هاتيك التلال، وما ينسج السحاب على الأرض من ظلال، وذلك النسيم العليل والمناخ الجميل، فسبحان الباري الجليل، ومما يزيد في الهناء، ويوصل الأرض بالسماء تلك المئذنة لمسجد المعهد، حيث يرفع المؤذن اسم الله، ويصعد خمس مرات في اليوم والليلة، ويشهد بعظمة الواحد الأحد الفرد الصمد، ولقد تذكرت في تلك البقاع قول حازم القرطاجني:

سبحان من سبحته ألسن الأمم         * * *             تسبيح حمد بما أولى من النعم

سبحان من سبحته ألسن عرفت       * * *             بأن تسبيحه من أفضل العصم

سبحان من سبحت حمدًا ملائكة       * * *              له بلا فترة تَغْرو ولا سأم

سبحان من سبحت شمس النهار له   * * *             والبدر بدر الدجى والشهب في الظُّلم
سبحان من سبح الليل البهيم له         * * *             والصبح سبح يبدي ثغر مبتسم

سبحان من جعل الدنيا وصورتها     * * *             مثل الخيال سرى والعيش كالحلم
 سبحان من جعل الدنيا محببة          * * *             ملتذة مع ما فيها من الألم
سبحان من حبب الأخرى لطائفة       * * *             سمت إلى أشرف الدارين بالهمم
سبحان من كل حين في الوجود له     * * *              إعدام موجود أو إيجاد منعدم

سبحان من خلق الإنسان من علق    * * *              ورده بعد أمشاج إلى رمم

سبحان من ينشر الموتى ويبعثهم     * * *                 للفصل ما بين ظلام ومُظلم

سبحان من بينهم بالعدل يحكم في     * * *                يوم به ليس غير الله من حكم
سبحان من جل في سلطانه وعلا      * * *                 عن أن يرى معه حكم لمحتكم
 سبحان من ألهم العبد السعيد لما      * * *                أضحى إليه الشقي غير ملتهم     

سبحان من ضلل الأشقى بمعصية     * * *               فضل عن طرق التوفيق وهو عم

  سبحان من إن يشأ يجز المسيء      * * *               وإن يشأ عفا عن كبير الإثم واللمم     

سبحان من لم يحط خلق به وله        * * *               إحاطة بجميع الخلق كلهم              

     وهو معهد جليل أنشئ ليدرس العلوم الشرعية في أروقته، وعن بعد أيضًا، وأزوره كل سنة لأدرس الطلاب مادة المصادر والمراجع، وفي هذه السنة أضافوا لي مادة الإعجاز في الكتاب والسنة، وأحاول أن ألقي على الطلاب العلم ممزوجًا بالتذكير بالعمل الذي هو ثمرته وخلاصته، وكان لي مع الطلاب لقاءات في المسجد في الفجر خاصة، أحاول فيها أن أرفع هممهم، وأن أعظم العلم والعمل في صدورهم، وأن أذكرهم بواجبهم في أوروبا فهو واجب ثقيل، والمسلمون بأشد الحاجة إلى عالم رباني يقظ ذي همة عامل، فليكونوا هم هذا العالم.

     وقد أدركت أن الطلبة على عربية أصولهم يعجزون عن الفهم السوي للغة، هذا والمعهد يمهد لهم الأمر بدراسة مكثفة للغة، لكن غلبهم ما نشئوا عليه من عجمة ولكنة، وكأنهم ليسوا أولاد العربية ووجدتهم قد غلبهم البرود الأوروبي واستولى عليهم، فلا يكادون يتفاعلون مع ما ألقيه عليهم من العلم على أنهم أخبروني بأنهم مسرورون جدًا بما يسمعون لكن لا يظهر أثر هذا السرور عليهم للبرود المستولي على أكثرهم، وكنت أشجعهم على الخروج من هذا بسؤالي إياهم ومناقشتهم حتى صاروا في اليوم الأخير، وهي أيام أربعة فيها دراسة مكثفة، أكثر تفاعلًا وأعظم انفعالًا بما يسمعون.

     وللمعهد رجل عراقي يقوم عليه لا يألو جهدًا في سبيل الارتقاء به، ألا وهو سعادة الدكتور زهير محمود، فجزاه الله خيرًا، وللمعهد آثار محمودة في تخريج دفعات من طلاب الشريعة واللغة وفيه رجال عاملون فجزاهم الله خيرًا، وهم الآن يقومون على توسعته، فجزى الله من يساعدهم خيرًا، والمدرسون في الجملة مختارون بعناية، وفيما ذكرته عن المعهد كفاية، ولكنه لا يفي بحقهم. 

     ثم شددت الرحال إلى كليرمونت ثم إلى «مرسيليا» حيث كان هناك المؤتمر السنوي لمسلمي الجنوب الفرنسي، و«مرسيليا» بلدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط في ضفافه الشمالية بها مائتا ألف مسلم، وكان المؤتمر في قاعة المحاضرات الكبرى في المدينة، وأقدر من حضر بألف وخمسمائة تقريبًا، وهذه علة كامنة في مسلمي تلك الديار؛ حيث إن حضورهم إلى مؤتمراتهم الجامعة ضعيف نسبيًا؛ إذ أين سائر المائتي ألف؟ وتحدثت مع الحاضرين عن الحب في الله تعالى؛ إذ كان هو شعار المؤتمر، وضربت لهم مثالًا بالحب المثالي حب الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وأن الحب هو مزج بين العاطفة الجليلة والاتباع القوي؛ وذلك لأن نفرًا منا قالوا بأن الحب هو الاتباع، وآخرون زعموا حبه وبرهنوا على ذلك بإقامة الحفلات وسكب العبرات، واكتفى أكثرهم بتلك العاطفات والحب لا هذا فقط ولا ذاك فقط، إنما هو مزج بين الاثنين، وحال جامعة بين الأمرين، وأتيت لهم بالأدلة على ذلك، وكيف أحب الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبًا يفوق المعروف من حبهم والمألوف من علاقاتهم فكانوا يقتتلون على وضوئه، وعلى المحلوق من شريف شعره، وهم في الوقت نفسه يبادرون لتنفيذ أمره، ويضحون بأرواحهم وأوقاتهم وأموالهم فداءً له. 

     ثم بينت لهم أهمية الحب في الله في إقامة علاقات اجتماعية صحيحة ومتوازنة، وأن المرء لا يستقيم إيمانه ولا سلوكه إلا إذا أحب الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فوق كل حب، حتى حبه لنفسه، وأن إيمانه لا يكتمل إلا بالحب في الله، والبغض في الله، وأن ذلك أوثق عرى الإيمان.

      وكانت سائر المحاضرات بالفرنسية، وهذه بلية ما بعدها بلية وذلك الآن كثيرًا من الحضور لا يعرفون العربية، وهذا نذير شؤم وعلى القائمين على التربية والإصلاح أن يتداركوا الأمر قبل اتساع الخرق على الراقع.

      هذا وقد التقيت بـ«فرقة اليرموك الأردنية للإنشاد» وهي ذات تاريخ ناصع قوي، واكب بدايات الانتفاضة الجهادية في سنوات ١٤٠٨,١٤٠٩, ١٤١1،١٤١0 هجرية، وكان معهم أبو أحمد، وأبو جهاد منشدا الفرقة المشهوران، وتحدثنا في بعض قضايا الإنشاد، وحثثتهم على عدم قبول الإنشاد بالموسيقى بأي حال من الأحوال، فطمأنوني على أنهم لا يوافقون على الإنشاد المصحوب بالآلآت، وفرحت بهذا لأن عدوى الإنشاد بالآلآت قد انتشرت بين بعض المنشدين الإسلاميين على وجه يُخشى معه على هذا البديل الإسلامي الجيد من التشوه والتميع.

     وقد تحدثت مع المصلين في مسجدين من مساجد مرسيليا، كان أحد الحديثين عن ذكر الله وجدواه، وفضله وأهميته والحديث الآخر عن تحمل الإنسان عدة مسؤوليات عن نفسه وأهله وولده، والمجتمع وأجبت فيه عن أسئلة الحاضرين المتنوعة.

      وقد لفت نظري في مؤتمر مرسيليا أن العائلات تجلس متجاورة، فلفت نظر الأستاذ الفاضل عمدة دعاة مرسيليا والمشرف على المؤتمر «محسن القزو» إلى وجوب الفصل بين الرجال والنساء، فوافق وأيد وأخبرني أن الناس غلبوه على أمره، ورفضوا التوجيهات بالفصل، ووعد بتدارك ذلك في المؤتمر القادم، فارتضيت منه هذا الجواب، فجزاه الله خيرًا.

     وكنت قد فضلت أن أكون خارج قاعة المؤتمر في مكان ظاهر حتى يقصدني الناس بأسئلتهم؛ لأنه ليس هناك وقت محدد في المؤتمر للإجابة على أسئلة الحاضرين، وكل مؤتمر أحضره يحول بيني وبين الناس رجال الأمن، فأغادره وأنا متحسر على صد الناس عني، فأردت هذه المرة أن أتعرض للناس، وأن أبرز لهم حتى أجيب عن أسئلتهم الكثيرة المتنوعة وهم في لهفة لمقابلة أي شيخ والجلوس إليه وعرض مشكلاتهم عليه، وقد فعلت ووجدت الفائدة الكبيرة في هذا الأمر الذي سأحرص عليه -إن شاء الله- في المستقبل فكم من مشكلة حلت، وكم من سؤال أجيب عليه، وكم من أمر معروف ونهي عن المنكر جرى ولله الحمد والمنة، وقد أثلج صدري إحضار أحد الإخوة لفرنسية مسلمة من يومين فقط، وقد حضرت المؤتمر بحجابها؛ فحمدت الله -تعالى- على هدايتها ونصحتها بنصائح تليق بالمقام.

      هذا، وقد أزعجني شيء في هذا المؤتمر وفي غيره من المؤتمرات والندوات الأوربية، وأصابني حرج كبير بسببه، ألا وهو هذا الحجاب الذي ظهر مؤخرًا، ويسمى «حجاب القنوات» والمقصود به الحجاب المماثل لما يأتي في بعض القنوات الإسلامية من طرائق للحجاب هي الفتنة بعينها، وقد سار على ذلك الحجاب -حجاب القنوات- نساء وفتيات كثيرات، وصارت الواحدة تلبس السراويل، البنطلونات الضيقة، والقمصان القصيرة الضيقة أيضًا ذوات الألوان المبهجة، وتضع على رأسها غطاء متعدد الألوان أيضًا، فهل هذا هو الحجاب؟ إن الحجاب شرع لدرء الفتنة، وهذا حجاب يهيج الفتنة، ويساعد على إشعالها، فنسأل الله الهداية لأخواتنا أولئك، والله الموفق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

105

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

حفظ القرآن الكريم في موريتانيا

نشر في العدد 246

118

الثلاثاء 22-أبريل-1975

بريد المجتمع (246)