العنوان المناورة الكتائبية هل تنتهي إلى التقسيم؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985
مشاهدات 92
نشر في العدد 709
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-مارس-1985
- التحرك الانشقاقي مناورة من الجانب المسيحي للقفز فوق مساعي الوفاق
حين تحدثنا في مقالات سابقة عن القضية اللبنانية وتعرضنا لأهداف الغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲ لم يكن ما ذهبنا إليه «من أن الغزو لم يستهدف ضرب المقاومة الفلسطينية فقط وإنما كان يهدف في الأساس إلى تقسيم الدولة اللبنانية إلى كانتونات طائفية تبرر وجود الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة» مجرد تحليلات سياسية إنما كان ينطلق من حقائق عقدية ووقائع تاريخية ووثائق واضحة بيناها خلال مقالاتنا السابقة عن لبنان، وذكرنا في حينها أن معظم القوى الفاعلة على المسرح اللبناني تسعى بأسلوب أو بآخر إلى تحقيق الهدف الصهيوني، ومن الطبيعي أن يكون الطرف المسيحي هو أهم تلك القوى الفاعلة التي ربطت وجودها على الأرض اللبنانية بهدفها الأساسي المتمثل بإقامة ولاية مسيحية مستقلة. ولم تكن شرارة الحرب الأهلية التي اندلعت قبل عشر سنوات إلا نقطة البداية لتحقيق هذا الهدف، وتمثلت المرحلة الثانية بالغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲، وها هي المرحلة الثالثة تطل برأسها من خلال ما سمي بالتحرك الانشقاقي في صفوف القوات الكتائبية بقيادة مسؤول التعبئة سمير جعجع، فهل تنتهي هذه المرحلة إلى إعلان التقسيم؟
الانشقاق الكتائبي!!
وصفت وسائل الإعلام المختلفة التحرك الذي بدأه يوم الأربعاء الماضي عضو مكتب حزب الكتائب ومسؤول التعبئة والحشد في المليشيات الكتائبية سمير جعجع، بالانقلاب على القيادة الشرعية للكتائب وحاولت هذه الأجهزة الإعلامية تصوير هذا التحرك بأنه انشقاق خطير يقع في صفوف القوات الكتائبية بحيث إن هذا الانشقاق سيؤثر في حال نجاحه واستمراره على وحدة الصف المسيحي اللبناني!!
وكانت القوات المؤيدة لسمير جعجع قد تمكنت من الاستيلاء على معظم المراكز العسكرية الكتائبية في ميناء جونيه وجبيل وكسروان وشرق بيروت وضواحيها وذلك بعد أن أعلنت معظم القيادات العسكرية الكتائبية في هذه المناطق عن تأييدها للمسؤول الكتائبي سمير جعجع كما أن إذاعة صوت لبنان الكتائبية وقعت تحت سيطرة القوات المتمردة. وتقول المصادر المطلعة في العاصمة اللبنانية حسب ما ذكرته وكالات الأنباء أن اجتماعات القيادات الروحية والسياسية المسيحية لم تسفر عن وضع حل مناسب لإنهاء التحرك الذي قاده سمير جعجع.
أهداف التحرك الأخير
المراقب لتطورات الأحداث على الساحة اللبنانية يلاحظ عدة مؤشرات سبقت التحرك الكتائبي الأخير الذي قاده سمير جعجع بحيث يمكن ربط هذه المؤشرات بما جرى على الساحة الكتائبية ويمكن أن نحدد بعض هذه المؤشرات بما يلي:
- إعلان الإدارة الأمريكية عن تحريك حاملة الطائرات الأمريكية أيزنهاور باتجاه الشواطئ اللبنانية.
- إعلان الإدارة الأمريكية عن ترحيل معظم الموظفين الأمريكيين العاملين في لبنان إلى قبرص ومن ثم إلى الولايات المتحدة.
- الزيارة التي قام بها وفد حزب الكتائب إلى دمشق قبل أسبوعين وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ الحرب الأهلية اللبنانية.
- الإعلان عن فصل سمير جعجع من حزب الكتائب بحجة رفضه تعليمات الحزب بإزالة حاجز البربارة على طريق طرابلس- بيروت.
- التأخير المتعمد من جانب إسرائيل في مسألة تنفيذ المرحلة التالية من الانسحاب من الجنوب اللبناني.
- تصعيد الحملة الإسرائيلية ضد المدن والقرى الجنوبية لأول مرة رغم مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على الغزو الإسرائيلي للبنان.
- إعلان الفيتو الأمريكي على مشروع إدانة إسرائيل بالأمم المتحدة.
إن المتمعن بهذه المؤشرات يلاحظ الارتباط القوي بينها وبين دوافع التحرك الأخير للقائد الكتائبي سمير جعجع، فمن المعروف أن حزب الكتائب هو من أكثر الأحزاب اللبنانية تماسكًا وانضباطًا وخبرة في العمل التنظيمي ولهذا تمكن سياسيًّا عبر قيادة آل الجميل له وعسكريًّا عبر مليشياته العسكرية المدربة من احتواء الشارع المسيحي اللبناني بكامله، فكيف يمكن لأحد قادة مليشياته أن يخرج عن شرعية الحزب بهذه السهولة بل ويتمكن من الحصول على تأیید معظم قادة هذه المليشيات مثل أيلي حبيقة ونزار نجاريان وجو إده، وحتى فؤاد أبو ناضر ابن شقيقة أمين الجميل، وقائد قوات الكتائب يعلن تأييده لمطالب حركة جعجع ويصبح عضوًا في هيئة الطوارئ التي ستبحث في الأوضاع المسيحية عبر مطالبتها بتشكيل ما أسمته «بالمجلس المسيحي».
نقول أن هذا التحرك لا يمكن أن يتم بهذه السرعة ويحقق هذا النجاح بدون أن تكون أوراق هذا التحرك قد رتبت بمعرفة كافة الأطراف الأمريكية والإسرائيلية والمسيحية.
الهيمنة المسيحية والتحرك الأخير
في مقابلة مع راديو باريس قال المتحدث باسم حركة جعجع أن جماعته هم مسيحيون قبل كل شيء وبعدها فقط هم لبنانيون. وقال أنهم قرروا عدم السماح لأي كان بالتسلط على الحكم في لبنان الموجود حاليًّا بأيدي المسيحيين.
ويقول فؤاد أبو ناضر قائد القوات اللبنانية المسيحية أن قواته قررت استعادة القرار المستقل واتخاذ كل الإجراءات لوضع هذا القرار موضع التنفيذ في جميع المجالات، وأن هذه القوات ستلعب الدور الرئيسي لإنقاذ المجتمع المسيحي.
هذه الأقوال وغيرها تؤكد على حقيقة واحدة تتمثل في السعي إلى إثبات الهيمنة المسيحية وهذه الحقيقة يتفق عليها كافة عناصر الطرف المسيحي سواء تلك التي ذكر أنها تؤيد جانب أمين الجميل أو تلك التي تؤيد جانب جعجع.
ومن هنا يمكن القول أن زيارة وفد الكتائب إلى دمشق ومن ثم الإعلان عن فصل جعجع من الحزب ما هي إلا عبارة عن مناورة من الجانب المسيحي استكملت بما سمي بالحركة الانشقاقية في صفوف الكتائب في محاولة لإعادة تثبيت الهيمنة المسيحية على لبنان والتي اهتزت وترنحت تحت عدة عوامل منها:
- إصرار الأطراف اللبنانية الأخرى أو ما يعرف بالطرف المسلم على تنفيذ القوانين الإصلاحية التي تعرض الهيمنة المسيحية للخطر.
- تصاعد المقاومة الإسلامية اللبنانية على أرض الجنوب وتفاعل الشارع المسلم مع هذه المقاومة بحيث باتت تشكل خطرًا كبيرًا على الاستراتيجية المسيحية والاستراتيجية الصهيونية في لبنان والمنطقة.
- خطة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان باتت تشكل قلقًا متزايدًا للطرف المسيحي نظرًا لما شكله ويشكله التواجد الإسرائيلي من دعم وقوة له.
- محاولة بعض الأطراف اللبنانية دفع الأوضاع باتجاه عقد الاتفاقيات الأمنية وغيرها من أشكال العلاقات مع سوريا وهذا يؤدي بالتالي وعلى المدى البعيد من وقوع الطرف المسيحي داخل نطاق الأغلبية المسلمة في المنطقة.
هل ينتهي التحرك إلى التقسيم؟
التحركات المسيحية على الأرض اللبنانية ومنذ الحرب الأهلية عام ٧٥ ومرورًا بالغزو الإسرائيلي عام ٨٢ كانت تهدف إلى تقسيم الأرض اللبنانية إلى دويلات طائفية تحقق الاستراتيجية الصهيونية التي وضعها زعماء العدو قبل عشرات السنين.. ولكن الظروف الدولية لم تسمح بتحقيق هذا التقسيم الفعلي والرسمي لهذا كان التحول إلى تحقيق هدف مرحلي لا يبتعد كثيرًا عن الاستراتيجية الصهيونية. ومن هنا كان سعي العدو الصهيوني خلال سنوات تواجده في لبنان إلى تحقيق الهيمنة المسيحية على الحكم اللبناني إيمانًا منه بأن حكمًا غير مسيحي في لبنان سيعرض مخططاته واستراتيجيته للخطر، وبالفعل فقد نجحت الخطط الصهيونية بمساعدة أطراف مختلفة دولية وإقليمية على تثبيت الحكم المسيحي في لبنان، وكما قلت فإن تعرض هذا الحكم لعدة عوامل كان أهمها تصاعد المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني وغير ذلك من العوامل أدى إلى تعرض هذه الهيمنة المسيحية للاهتزاز، وبالتالي كان لا بد من إجراء يحول دون سقوط هذه الهيمنة فكان تحرك جعجع الأخير الذي بدأ يطالب بتحقيق نظام الكانتونات الطائفية المرتبطة فيدراليًّا، فهل توافق القوى المؤثرة في الساحة اللبنانية الدولية منها والإقليمية على هذا الطلب المسيحي؟
هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل