العنوان في السياسة الشرعية الحلقة (٢١)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 116
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 23-فبراير-1982
المضمون السياسي للشورى في التصور السياسي الإسلامي
عالجنا في الحلقة السابقة ثبوت النص على الشورى في القرآن والسنة، واليوم نعالج مدى وجوب الشورى على ولي الأمر والحاكم. وقلنا في الحلقة السابقة إننا نجد أمامنا في هذه القضية رأيين رأي يقول بإن الأمر بالشورى للندب، والثاني يقول بإنه للوجوب.
١- يستند القائلون بأن الشورى مندوبة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمر بها تطييبًا لقلوب من اتبعه من المسلمين وتألفًا لهم على دينهم؛ ليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم، أنظر: تفسير الطبري، ج ۷، ص ٣٤٣ وقد ذهب إلى هذا الرأي من اعتبار الشورى مندوبة لا واجبة الإمام الشافعي رضي الله عنه حيث ورد عنه أن الأمر بالشورى هو للندب تطييبًا للقلوب. أنظر تفسير القرطبي، جـ ٢ ص ١٤٩٣. ( )
٢- الرأي الثاني الذي يقول أصحابه بأن الشورى للوجوب لا للندب -وهو في رأينا الرأي الراجح -يستند إلى الحجج والأدلة التالية:
أولًا- لقد أمر الله تعالى بالشورى في قوله سبحانه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
والأصل في الأمر كما هو مقرر عند الجمهور يكون للوجوب ما دام أمرًا مطلقًا غير مقيد.
ثانيًا- ويؤكد وجوب الشورى أيضًا قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨). بيانًا لأوصاف الجماعة الإسلامية وخصائصها، وفيه تقترن الشورى وهي عماد الدنيا بالصلاة عماد الدين، كما تجيء واسطة العقد في نظام الجماعة الإسلامية القائم على الإيمان بالله والتوكل عليه والاستجابة لأحكامه واجتناب الكبائر وإقامة الشعائر الإسلامية والاعتماد على الشورى والإنفاق في سبيل الله ومصلحة الجماعة ورد اعتداء الباغين بمثله. ونحن إذا نظرنا في كل ذلك لا نجد في الآية إلا واجبات مفروضات وملزمة للمسلمين.
ثالثًا- إذا كان بعض العلماء يذهب في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
إلى أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه إنما كانت تطييبًا لخواطرهم وتأليفًا لقلوبهم، لا للعمل بها نظرًا لعدم حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشورى والوحي يرعاه ويسدد خطاه. فإن هذا ليس معناه تعميم الحكم بالنسبة لغيره من الحكام لوجود الفارق الجوهري بينه عليه السلام كنبي يوحى إليه وبين غيره من الحكام. ولذلك نجد الفقيه الحنفي الجصاص يقول: إنه غير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوس الصحابة ورفع أقدارهم، كما يذكر بعض الفقهاء؛ لأنه لو كان معلومًا المستشارون أنهم إذا استفرغوا جهدهم في استنباط حكم ما شوروا فيه، وصواب الرأي فيما سئلوا عنه، ثم لم يكن ذلك معمولًا به ولا يتلقى بالقبول لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم بل فيه ايحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول بها.
رابعًا- ثم إننا نجد أن جمهور الفقهاء والعلماء الحديثين يقولون: بإن الشورى واجبة وليست مندوبة. وفي مقدمتهم الإمام محمد عبده والسيد محمد رشيد رضا والأستاذ عبد الوهاب خلاف. كما يذهب الشهيد عبد القادر عوده هذا المذهب ويؤكد أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية. انظر كتابه: الإسلام وأوضاعنا السياسية، القاهرة، ١٩٥١ ص ١٤٤
ويذكر السيد محمد رشيد رضا تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
يقول: ودِمْ على المشاورة وواظب عليها كما فعلت قبل الحرب في غزوة أحد وإن أخطأوا الرأي فيها، فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابًا؛ لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم. فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر. انظر: تفسير المنار، ج ٤، ص ٤٥.
لهذا نرى أن الشورى واجبة ومفروضة على ولي الأمر والحاكم، وأنه يأثم بتركها. وإذا كانت الشورى واجبة شرعًا في بلاد المسلمين، وإذا أردنا تطبيق هذا المبدأ على المستوى السياسي فنسأل: كيف تتم المشاورة؟ وكيف بالإمكان تنظيم الشورى الواجبة شرعًا. وهذا ما سنبحثه بإذن الله في الحلقة القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل