العنوان في السياسة الشرعية- حلقة 16.. الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 557
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 19-يناير-1982
ثمة رابط أساسي في تصور الإسلام السياسي بين العدل والظلم والنصر؛ الله -سبحانه وتعالى- يقف مع العدل، وضد الظلم، ومع الدولة العادلة، وضد الدولة الظالمة؛ لأن الهدف الأساسي من وراء إرسال الرسل وإنزال الكتب هو تحقيق العدل بين الناس، وإفناء الظلم والظالمين: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)
العدل والحكم العادل هو برهان الإيمان، أو من أهم صفات الإيمان، والظلم والحكم الظالم هو برهان عملي على الكفر والجحود والعصيان لله؛ ذلك لأنه استحلال لما حرم الله حتى على نفسه، ولا يقاس إيمان الحاكم بكثرة الركوع والسجود وبالمظهر الديني والاحتفال المبالغ فيه في المناسبات الدينية، بل يقاس في حرصه علي العدل، وتطبيق ذلك على نفسه ويومه، قبل تطبيقه على المستضعفين من الناس، (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، هكذا العدل، وهكذا أهل العدل، ودولة الإسلام انهارت تاريخيًا، ليس لأن «القوى الخفية»، تآمرت عليها أو خططت لانهيارها، فتلك القوى كانت ناشطة منذ أول يوم في الدعوة، غير أنها فشلت في صدر الإسلام لحرص المسلمين على العدل، ولحرص خلفائهم الراشدين على تفادي الظلم، انهارت دولة الإسلام في الفترات اللاحقة؛ لأنها صارت دولة ظالمة، تنكبت عن طريق العدل بين الناس، وصار حكامها فوق الشريعة، هذا الظلم والفسق بلغ حدًا جعل عمر بن عبد العزيز يصرخ ذات مرة في زمن الوليد بن عبد الملك، ويقول: (الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بن شرك بمصر، وعثمان بن حيان بالمدينة، وخالد بن عبد الله القسري بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلمًا وجورًا فأرح الناس)، ابن الأثير، ج ٤، ص ١٣٢.
ألا تمثل حرب الحرة ظلمًا ما بعده ظلم؟ عام (٧٣٣هـ)، وفي آخر أيام يزيد قرر أهل المدينة أن يزيدًا فاسق فاجر وظالم، ثم ثاروا عليه، وطردوا عامله على المدينة، وأمروا عليهم عبد الله بن حنظلة، فلما بلغ ذلك يزيدًا جعل مسلم بن عقبة (ويسميه السلف الصالح مسرف بن عقبة) على رأس اثني عشر ألفًا لمهاجمة المدينة، وأمره أن يدعو أهلها إلى الطاعة ثلاثة أيام، فإن رفضوا فليقاتلهم، فإن هزمهم فليبح المدينة لجنده ثلاثة أيام، سار الجيش الأموي على هذه الخطة حسب أوامر يزيد، ووقعت الواقعة، وفتحت المدينة، ثم ترك العسكر حسب أوامر يزيد ليفعلوا فيها ما يشاؤون وعلي مدى الأيام الثلاثة؛ فنهبت كل ضاحية في المدينة، وأعمل العسكر سيوفهم في رقاب أهلها، وأبادوا من فيها حتى هلك بأيديهم -حسب رواية الإمام الزهري- سبعة ألوف من الأشراف، وقرابة عشرة ألوف من بقية الشعب، يقول ابن كثير: (حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج). انظر: البداية والنهاية، ج ٨، ص 203.
ولو فرضنا أن ثورة أهل المدينة كانت ثورة غير شرعية، فهل كان ما فعله يزيد وجيشه مع مواطنين مسلمين من نفس البلد أو حتى متمردين غير مسلمين أو محاربين كافرين- عملًا شرعيًا من وجهة نظر القانون الإسلامي؟
(انظر تفاصيل هذه الحادثة المشينة في: الطبري، ج ٤، ص ٣٧٢، ابن الأثير، ج3، ص 310، البداية والنهاية، ج ٨، ص ٣٧٢، وص 219-221).
العدل محمود لذاته، ولو جاء من كافر، والظلم مذموم لذاته، ولو جاء من مؤمن؛ لذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الحجرات: 9)، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 57)، والنصر للحاكم العادل والدولة العادلة، ولو كانت كافرة، والهزيمة للدولة الظالمة، ولو كانت مؤمنة، كما يقول ابن تيمية: العدل في السياسة الشرعية الإسلامية جزء من العقيدة الإسلامية، ليس فقط جزء من السياسة الحكيمة، لذلك جاءت النصوص القرآنية لتؤكد ذلك:
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (سورة الشورى: 15)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90)، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الأعراف: 29) ﴿إِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (سورة النساء: 58)، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ (الأنعام: 152).
العدل في الدولة الإسلامية وفي العقيدة الإسلامية واجب شرعي، ينبغي التقيد به حتى مع الكافر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة: 8).
فما بالك مع المسلم المؤمن بالله، وملائكته، وكتب ورسله، والمتحاكم أي شرع الله، والراضي به، والمنافح عنه، والمقاتل من أجله؟
يعلن الله في كتابه الكريم أنه لا يحب الظالمين هكذا على الإطلاق، ولو قاموا الليل كله، وصاموا الدهر كله؛ إذ أن الظلم ممارسة تتناقض بشكل قبيح وجارح مع جوهر ومقتضى الدين، ومناصرة الحاكم الظالم جزء من الظلم، يترتب عليه كره الله لأنصار الظالم ووعيده لهم؛ لذلك يذم الظالمين وأعوانهم وقراهم، ويتوعدهم بالنار والجحيم والعذاب الأليم:
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (الأنبياء: 11).
﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (الحج: 45).
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: 229).
﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: 254).
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45).
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 151).
والنصر لا يكون إلا من الله، هكذا تعتقد الدولة الإسلامية الشرعية، لا يكمن النصر- في التصور السياسي الإسلامي- في موازنات الجيوش والأسلحة التدميرية وفي عضلات الإرهاب والقمع، إنما يأتي النصر من الله، ولا نكون مستحقين لنصر الله إلا حين يرفع الظلم، ويسود العدل، ويفنى الظالم، ويسود العادل، ولكي يرفع الظلم، ويسود العدل لا بد من الجهاد، والصبر، والأذى، ولا بد من طائفة مؤمنة تعمل ليل نهار في سبيل ذلك.
أما أنه -أي النصر- من الله:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران :126).
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (آل عمران: 13)
وأما أنه للمؤمنين، لا المستكبرين على شرع الله:
﴿وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).
وأما أنه لمن جاهد، وصبر، وأوذي في سبيل الله:
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُل مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ﴾ (الأنعام: 33-34).
أيها المؤمن كن مع العدل في كل زمان ومكان، وضد الظلم في كل زمان ومكان؛ فهذا هو جوهر الدين القيم.