; في العالم الثالث: حكام أم مدراء تنفيذيون؟ | مجلة المجتمع

العنوان في العالم الثالث: حكام أم مدراء تنفيذيون؟

الكاتب عبدالرحمن التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

مشاهدات 56

نشر في العدد 895

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

* كلما رفع مواطن رأسه في مصر قطعها عبد الناصر تحت شعار «ارفع رأسك يا أخي!!».

من يحكم في العالم الثالث؟ سؤال يطرح نفسه عشرات المرات كل يوم على صفحات الجرائد والمجلات... سؤال يطرح نفسه مع كل قضية فساد سياسي واقتصادي جديدة.. وسؤال يتجدد مع كل محاولة انقلاب وجريمة اغتيال وانتخابات مزورة أو غير متكافئة الدعم! إنه سؤال يقفز إلى الذهن مع كل حملة اعتقال لكل من يقول «لا»، ولكل من يقول «لا إله لا إلا الله محمد رسول الله»! من يحكم في الفلبين؟ من يحكم في نيجيريا؟ من يحكم هنا ومن يحكم هناك؟

حكم مؤسسات وحكم أفراد

إننا نعلم علم اليقين أن الحكم في الدول الغربية هو «حكم مؤسسات»؛ حيث تتولى المؤسسات الديمقراطية «التي لا ترقى إلى مستوى الشورى الإسلامية»  رسم سياسة الدولة، ووضع أهدافها القومية، وتخطيط سياساتها العامة، وترسم صورة المستقبل فيها لأبناء شعبها اليوم وغدًا، ولحضارتها وتاريخها سواء في الماضي وفي المستقبل.. وسواء جاء كارتر أم فاز ريغان أم نجح بوش فإن سياسة دولة مثل الولايات المتحدة لا تتأثر بسياسة فرد، أو تخضع لنفوذ خارجي من دولة أخرى، إن الحكم فيها ترسمه الدولة بكافة مؤسساتها ومفكريها وعلمائها في كل مجال، ولا يرسمه فرد أو مجلس مصفقين مهمته هز الرؤوس وإطلاق الهتافات لكل ما يقوله رئيس، أو يدعيه وزير.

غير أن الواقع مخالف تمامًا لما يحدث في دول العالم الثالث، فالحكم الفردي المتسلط الذي يمارسه الحكام العسكريون لا يعترف بالرأي الآخر.. ويبدو الشعب في نظر حكامه مجموعة من الجنود، إذا قالوا «لا» فإن مصيرهم هو المحاكمات العسكرية التي تحكم عليهم بالسجن والإعدام، أو الاعتقال بلا محاكمة تحت ستار قانون الطوارئ والقوانين العرفية.

حكومات رجال الأعمال

وفي الوقت الذي يتحكم في جمهوريات العالم الثالث حكام عسكريون بلا رحمة من طراز «بينوشيه» ورفقائه في العالم العربي والإسلامي، يجلس في سدة الحكم في الغرب رجال من طراز رجال الأعمال الذين ينظرون إلى الدولة على أنها شركة كبيرة ينبغي إدارتها بكفاءة، وممارسة العمل الإداري فيها سياسيًا واقتصاديًا بما يحقق الرفاه للبلاد كمؤسسة كبرى؛ حيث ينعم الأفراد فيها كلهم بالرخاء والرفاهية، فالحاكم في بلده كالمدير الإداري في شركته.

فهم في الغرب يحرصون على التخطيط الواقعي الطموح، وعلى التنظيم المنطقي والقيادة الفعالة والضبط الإداري الدقيق دون ظلم أو تساهل. هناك أهداف معقولة إستراتيجيًا ومرحليًا، وخطط معروفة واضحة يعمل الكل من خلالها لبناء وطن واحد للجميع.

هناك يحترمون الإنسان لأنه عنصر بناء الحضارة وصنع التاريخ، وإن كان معارضًا ما دام يسهم في بناء الوطن، فقد تعودوا على احترام الرأي الآخر.

نعم هناك عيوب في نظمهم وتطيبقاتها، فقد وصل القوم إلى هذا المستوى من خلال الاجتهاد العقلي بعد طول عناء، وهو في ديننا جاهز للأخذ به وتطبيقه دون مشقة، وبرغم ما في تطيبقاتهم من أخطاء تبقى سيئات الحاكم العادل خير من حسنات السلطان الظالم!

تراهم تعلموا هذا من المسلمين أيام كان هؤلاء في الأندلس؟

إن المأساة أن الغرب الذي يؤمن بهذه المبادئ السامية على أرضه يمارس عكسها تمامًا على أرض غيره، فالغرب الذي أفرز وجودية سارتر يرى من خلال الفكر السياسي لأمنه القومي أن «الآخرون هم الجحيم»!

لهذا يحاول الغرب القضاء على كل محاولات البروز الحضاري، والتحرر العقائدي والفكري والثقافي من القوالب الغريبة التي تمارسها أي دولة أو حضارة أخرى، لاسيما البلاد الإسلامية، ويتدخل من خلال سفاراته ومخابراته بأمواله ونصائحه الجاهزة، وعملائه المنتشرين في الهيئات والمؤسسات لإفساد البلاد والعباد.

طغاة سادوا ثم بادوا

ومن نمط الطغاة البائدين الذين افتتن بهم الناس حتى عبدهم البعض من دون الله، حاكم مصر السابق جمال عبد الناصر ومثله بورقيبة في تونس!

دعا عبد الناصر المواطن المصري إلى أن يرفع رأسه قائلًا: «ارفع رأسك يا أخي»، وكلما رفع مواطن رأسه قطعها عبد الناصر، ولم ينج من القطع والتعذيب إلا الرؤوس التي رضيت أن تنحني وبقيت منحنية.

وفتح عبد الناصر النار على الإخوان إرضاءً لبريطانيا، وتعاون مع المخابرات الأمريكية، وبرغم علاقاته الظاهرة مع السوفييت؛ فإنها لم تكن أكثر من علاقات مصلحية لخدمة صورته أمام شعبه كبطل قومي يقارع الأمريكان ويغيظهم.

والقضية التي يثيرها «مايلز كوبلاند» العميل السابق لوكالة الاستخبارات المركزية حول عمالة «محمد حسنين هيكل» وزعيمه «جمال عبد الناصر» جاءت في فورة غضب حول ما يكتبه محمد هيكل في كتابه المسلسل «سنوات الغليان»، لتضيف المزيد من الغليان، وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط طرفًا من رسالة كوبلاند إلى صديق مصري منشورة في عدد 13 نوفمبر 1988 في الصفحة الأولى.

عبد الناصر مدير تنفيذي

وكوبلاند صاحب الكتاب المشهور «لعبة الأمم» الذي كشف فيه أسرارًا كثيرة حول علاقة عبد الناصر بالاستخبارات المركزية، يبدو منزعجًا مما ينشره هيكل في كتابه الجديد، فهو يتهمه بأنه لا ينشر الحقائق كاملة، كما يهدده بجره إلى القضاء، وبأن أبناءه في المخابرات الأمريكية لن يتركوا هيكل وشأنه، وأنه سينشر المزيد من الحقائق الصحيحة، وليست الزائفة التي ينشرها هيكل حول عبد الناصر في كتاب له سينشره كوبلاند في أبريل 1989 بعنوان «لاعب اللعبة».

وهنا تثور تساؤلات شتى حول هيكل وعبد الناصر وكوبلاند، لا كأشخاص فحسب، بل وحول أدوارهم السياسية كذلك، والتي من خلالها صاغوا حقبة زمنية هامة في تاريخ مصر والعالم العربي، وحول حقيقة أدوار من بقي منهم حيًا إلى الآن.

كما تبقى القضية الأساسية التي تتفجر في الأذهان حول هؤلاء الزعماء وعلاقاتهم بمخابرات القوى الكبرى.. هل هم حقًا أبطال كما يصورهم الكتاب المحليون من وزن وطراز هيكل؟ هل كانوا حكامًا بمعنى الكلمة أم مجرد «مدراء تنفيذيين» لسياسات جاهزة في وكالات الأمن القومي الغربية وأروقة المخابرات العالمية، ودفعت إليهم على شكل نصائح استشارية أو أوامر، مرفقة بحفنة دولارات لدعم النصيحة النظرية وضمان التنفيذ بتقديم حوافز ومقبلات!

السؤال الحائر يبحث في ملفات التاريخ، ويلقي بظله على الحاضر؛ ليفتش عن آخرين لا زالوا يمارسون نفس الدور الذي مارسه أشخاص مثل ناصر قبل 35 عامًا!

وهذا السؤال يجب أن لا يتلاشى أمام عشرات أمثال عبد الناصر أو أقل حجمًا وأكثر دناءة من الزعيم الأوحد الذي لم يكن أكثر من أداة تنفيذية لسياسات الغرب، وخدمة أهدافه في المنطقة بضرب الإسلام الذي هو سر وجودها ودعامة نهضتها.

عبد الناصر وكل من تلاه هم في واقع الأمر ليسوا حكامًا، بل مدراء تنفيذيين ليساسات جاهزة في السفارات الأمريكية وهيئة الأمن القومي الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية، تأمرهم بضرب الحركة الإسلامية فيطيعون، وإلا فالوعيد أو التهديد بالابتزاز.

تشميع وتلميع

وبالرغم من أن هؤلاء المدراء التنفيذيين الذين أدوا أدوارهم ببراعة فائقة في خدمة أهداف الغرب ومخططاته في المنطقة الإسلامية، فهم لم يحققوا لشعوبهم سوى الهزائم والنكسات، ولم تحصد بلادهم إلا الفاقة والعوز والعجز الاقتصادي، مضافًا إلى الفشل السياسي، ممزوجًا بعفن البطانة المحيطة بالحاكم، والتي لم يكن لها هم إلا النساء وجمع المال؛ حتى وقعت كارثة حزيران 1967.

بالرغم من هذه الحقائق المرة يسعى من تبقى على قيد الحياة من سدنة هؤلاء الطغاة ليحرق البخور في حضرة الصنم الذي تكسر في حياته قبل مماته، ويروي عنه الأساطير، ويلمع الوجه الشمعي القبيح، وهو يظن أن الناس قد نسيت.

وبالرغم من المصير المظلم الذي حاق بهؤلاء الطغاة؛ فإن البعض لا زال يقتفي آثارهم، ناسيًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، وقوله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: 38).

ترى متى تعي الشعوب البائسة التي لا تشبع من رغيف الخبز هذه الحقيقة؟

الرابط المختصر :