العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 40
السبت 02-يونيو-2007
شكل الإمام البنا أول لجنة تنفيذية للأخوات من اثنتي عشرة أختًا، برئاسة آمال العشماوي وفاطمة عبد الهادي وكيلة اللجنة.
ذهبت إلى المركز العام للإخوان المسلمين بالناصرية في عام ١٩٤٢ وتعرفت على الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي ومحمود سعيد وأمينة على وزينب عبد المجيد.
نشأت فاطمة عبد الهادي في رحاب الإسلام العظيم، وتميزت بالبذل والعطاء، وحمل الدعوة في كافة الميادين فجمعت التبرعات للمعتقلين واعتنت بأسرهم، وأشرفت على مدرسة التربية الإسلامية للفتيات.
ولعبت دورًا عظيمًا في تعليم المسلمات أمور دينهن، وكانت مثالًا للفداء والتجرد إنها السيدة فاطمة محمد عبد الهادي إبراهيم والتي عملت لدعوتها وما زالت-رغم تجاوز عمرها التسعين عامًا- تعطي من وقتها وجهدها.
فاطمة عبد الهادي
زوجة شهيد
ولدت فاطمة في بلدة التل الكبير التابعة لمحافظة الشرقية «آنذاك» في ٢٧ سبتمبر ١٩١٧م الموافق 10 ذو الحجة ١٣٣٥ هجرية لأسرة كريمة حرصت على تنشئة أبنائها تنشئة إسلامية.
كانت أسرتها تتكون من الأب والأم وأربعة من البنات وأخ وحيد وهو السيد أبو النور محمد عبد الهادي إبراهيم وكان جدها الشيخ إبراهيم زميل الشيخ مصطفي المراغي.
تدرجت في مراحل التعليم المختلفة، حتى تخرجت في مدرسة المعلمات بالزقازيق عام ١٩٣٧م، وتم تعيينها بمدينة السويس «شرق مصر» سنة ١٩٣٩م ثم نقلت إلى الإسماعيلية.
حرص والدها على تعليمها القرآن منذ صغرها، وتربيتها تربية إسلامية على نهج الكتاب والسنة.
الانتقال إلى القاهرة
اضطرت للانتقال للقاهرة بعد أن التحق أخوها بمدرسة ثانوية داخلية بشبرا، ثم كلية الهندسة، ولكن مشكلة السكن وعدم الاستقرار كانتا سببًا في فصله من الكلية وفي نفس الوقت أتاها خطاب من أبيها يخبرها فيه أنه تقدم بطلب للملك أثناء علاجه من جرح أصابه في مستشفى التل الكبير، لقبول أخيها في الجامعة بنصف المصروفات، وبالفعل تقدم أخوها لكلية الفنون قسم عمارة، لتكون إلى جواره، وتقوم على رعايته، وعينت بإحدى مدارس حلمية الزيتون، وأقامت بباب الخلق.
بين الصفوف المؤمنة
انضمت الأخت فاطمة إلى صفوف النساء المؤمنات بجماعة الإخوان المسلمين بعد انتقالها لرعاية أخيها في القاهرة.
وعن بداية التحاقها بصفوف الأخوات المسلمات تقول: «أثناء توجهي العملي في حلمية الزيتون بالقاهرة، قابلتني أخت تسمى فاطمة البدري، ووجدت معها نشرة مكتوبا فيها قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108)، فانشرح صدري فأخذتها منها، ودعتني للحضور إلى مركز الأخوات المسلمات بالناصرية، فعدت وحدثت أخي فيما حصل- وكان قد سبقني بالتعرف على الإخوان رغم صغر سنه عني- فأشرق وجهه وحثها على الحضور، وكنت يومئذ غير محجبة وأرتاد السينما.
فقال لي: ضعي إيشارب «غطاء رأس» فوق رأسك واذهبي واستجبت له وذهبت إلى هناك وتعرفت على الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي، ومحمود سعيد وأمينة علي وزينب عبد المجيد، وكان ذلك عام ١٩٤٢م، ومن يومها وأنا مع الأخوات.
مناشط دعوية
وعندما زاد نشاط قسم الأخوات وزاد عدد شعبه، كون الإمام البنا أول لجنة تنفيذية للأخوات من اثنتي عشرة أختًا، انتخبت السيدة آمال العشماوي رئيسة له، كما انتخبت السيدة فاطمة عبد الهادي وكيلة اللجنة، كما أعيد انتخابها ضمن لجنة الإرشاد العامة للأخوات المسلمات عام ١٩٤٨م.
ولم يقتصر دورها على ذلك فحسب، بل كانت هي والأخت زينب الشعشاعي وأمينة علي ضمن لجنة الزيارات التي كانت مكلفة بزيارة شعب الأخوات في الوجه البحري والإسكندرية والوجه القبلي.
نشاطها التربوي والاجتماعي: وقام قسم الأخوات بافتتاح مدرسة البنات اليتيمات، وهي دار التربية الإسلامية للفتاة بشارع قنطرة السكرة بالمنيرة، واختيرت الأخت فاطمة عبد الهادي لتكون ناظرة لهذه المدرسة، وكانت آمال العشماوي رئيسة مجلس إدارتها، ونشطت هذه المدرسة فقامت بمساعدة أسر الفتيات الفقيرات، وتوزيع الأغطية والملابس على العائلات الفقيرة والقيام بالإصلاح بين السيدات في البيوت، وتنشئة جيل تربى تربية عملية إسلامية صحيحة كما أقامت معرضًا في ١٠ نوفمبر ١٩٤٨م للملابس والتريكو.
بعد حل الجماعة ضمت المدرسة- بعد اقتراح آمال العشماوي- بدار الإصلاح الاجتماعي التابعة لوزارة المعارف.
وكانت السيدة فاطمة ضمن اللجنة القائمة على رعاية شؤون الإخوان المسجونين وأسرهم عام ١٩٤٨م، كما كانت ضمن اللجنة التي رفعت عريضة متضمنة الظلم الواقع على الإخوان للملك والوزراء.
في بيت المرشد
ومن مواقفها الشجاعة في الدعوة كامرأة كما تقول: في يوم جاءني أخي وقال لي: ستقضين الليلة في بيت المرشد، فذهبت دون أن أسأل عن السبب، وعندما دخلت استقبلتني ابنته وفاء برقتها المعهودة، وعند الفجر أيقظنا الإمام وأمنا في صلاة الفجر وأمرني بالاستعداد للخروج معه وكان في هذه الأثناء محدد الإقامة، لا يُسمح له بالخروج من منزله، وبالفعل ركبنا سيارة أجرة، وذهبنا إلى منزل الأستاذ محمود الجوهري، لأجد كل الأسطح على طول الشارع الذي يقطنه الأستاذ الجوهري مليئة بشباب الإخوان المتخفين.
ودخلنا المنزل لأجد الشيخ أمين الحسيني- مفتي فلسطين- في انتظار فضيلة المرشد وعندها أدركت أن الإمام الشهيد أراد أن يخرج برغم تحديد إقامته، وإذا خرج وحده أو مع إحدى بناته سيتعرفون على شخصه، أما عندما أخرج معه فسيعتقدون أننا بعض زواره.
كما كانت فاطمة عبد الهادي إحدى النساء اللاتي استطعن أن يصلن لبيت الأستاذ البنا بعد اغتياله، وحملت النعش مع والده حتى المقابر.
دورها الإعلامي: ولم يقتصر دورها على ذلك، فكانت تكتب بالتوجيهات والمقالات في صحف الإخوان، فكتبت في جريدة الإخوان اليومية مقالًا في صفحة الأسرة تقول فيه: «والنساء أمام دعوتنا أربع:
1- أخت آمنت بنا وصدقت قولنا، فهذه ندعوها للانضمام.
2- وأخت لم يتضح لها وجه الحق فهي مترددة، نوصيها بأن تتصل بنا.
3- وأخت لا تريد أن تنضم إلينا إلا إذا عرفت ما يعود عليها من الفائدة، فهذه نقول لها: ليس عندنا من جزاء إلا ثواب الله.
4- وأخت تسيء بنا الظن فهذه ندعو الله أن يريها الحق حقًا فتتبعه.
زواجها بالشهيد يوسف هواش
طلب الشهيد محمد يوسف هواش من أخيها عام ١٩٥٣م الاقتران بأخته فاطمة- بالرغم من أنها كانت تكبره بخمس سنوات- وكان إذا قابله يقول له: «إننا ما زلنا على عهدنا، حتى طالت مدة الخطوبة، فقالت لأخيها: قل لصاحبك يفك عهدنا، لكن الرجل سارع إلى بيتها وتمم الزواج، وكان محمد هواش يعمل في الشبراويشي، وقد تعرف عليها في بيتيّ الأستاذ سعيد رمضان ومصطفى مؤمن أثناء تهريبهما، كما أنه رآها أثناء رحلتها مع التلاميذ لمصنع الشبراويشي، وكان نتاج هذا الزواج أن رزقها الله منه بسمية وأحمد وجهاد، وقد تزوجوا في نفس المنزل الذي كان يقطنه السادات بعد قيام الثورة عام ١٩٥٣م.
ومع تعرض الإخوان للمحنة عام ١٩٥٤م تعرضت هي أيضًا وبيتها للمضايقات في العمل والمنزل من قبل المباحث العامة، بسبب اختفاء زوجها لمدة عشرة شهور بعد أحداث ١٩٥٤م- وكان مطلوب القبض عليه- ومن هذه المضايقات أن تم نقلها من مدرسة وهي ناظرة إلى معلمة بمدرسة حدائق القبة، غير ذلك كان يسير وراءها مخبر دائمًا، ثم نقلت لمدرسة الأحداث بنين بمصر القديمة، حتى قبض على زوجها وحكم عليه بعشر سنوات.
وزيادة في المضايقات تم نقلها لكفر الشيخ عام ١٩٥٨م، إلا أن محافظ كفر الشيخ أحمد حمدي عبيد، عندما علم بقصتها تعاطف معها ونقلها للقاهرة مرة أخرى بعد أن أعطاها توصية لمحافظ القاهرة الذي استقبلها أحسن استقبال وأكرم وفادتها، وعملت بمدرسة عمرو بن العاص بمصر القديمة، ثم مدرسة الظافر بالمنيل عام ١٩٦٤م.
استمر ضغط المباحث عليها لتطلب الطلاق من زوجها فرفضت فهددوها فأبت، وخرج زوجها عام ١٩٦٥م، لكنهما لم يهنآ بهذا الإفراج، فسرعان ما أعيد اعتقاله في محنة ١٩٦٥م، أثناء تواجدهم في بلده، ولم تسلم هي أيضاً من الاعتقال، فقد اعتقلت وأودعت سجن القناطر لمدة ستة أشهر حتى أفرج عنها في مارس ١٩٦٦م.
وقد حدث لها نزيف ظلت تعاني منه طيلة فترة الاعتقال حتى نقلوها إلى القصر العيني بعد أن ساءت حالتها وأجري لها عملية واستأصلت الرحم.
ليلة التنفيذ
حكم على زوجها محمد يوسف هواش بالإعدام مع الشهيدين سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، وحضرت الجلسة الأخيرة، وسألت الشهيد سيد قطب: هل سينفذون حكم الإعدام؟ فرد عليها: «إن كنا أهلًا للشهادة سينفذون، وإن لم نكن أهلًا لها لن ينفذوا».
وقبل تنفيذ الحكم زارت زوجها في السجن الحربي، وتقدمت بتظلم من الحكم لرئيس الدولة، كما تقدم أيضًا أخوه الحاج أحمد بتظلم، لكنها فوجئت في الصباح وعلى صفحات الجرائد بخبر تنفيذ الحكم في زوجها وأخويه مما زادها إيمانًا واحتسابًا على الله، وعندما استكتبها ضابط قسم مصر القديمة قرارًا يعلمها فيه بتنفيذ الحكم بكت فقال لها: «إن الذي في باطن الأرض أمثال من أعدموا خير ممن على ظهرها»، ولم يسلم زبانية هذا العهد الجثة لها، ولم يكتفوا بذلك، بل صدر قرار بنقلها إلى بنها بمحافظة القليوبية، حتى انقضى عهد عبد الناصر، وعادت الجماعة للعمل مرة أخرى بعد الإفراج عنهم عام ١٩٧٤م، فما كان منها إلا أن أسرعت بتقديم نفسها للعمل لدين الله.
وهكذا عاشت الحاجة فاطمة عبد الهادي أصعب المواقف والمحن التي مرت بها دعوة الإخوان المسلمين، وما زالت تعطي دون بخل لدعوتها رغم وهن جسدها، وكبر سنها، وهي بحق نموذج للمسلمة الصابرة المحتسبة الوفية لربها ولدينها ولزوجها الشهيد.
المراجع
- حوار أجراه معها الأستاذ عبده مصطفى دسوقي يوم ١٥/ ٣/ ٢٠٠٧.
- إخوان أون لاين- ١٦/ ١٢/ ٢٠٠٤.
- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان الكتاب الخامس، دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة، الطبعة الأولى ٢٠٠٥.
- مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (۲۰۸)، السنة ٦ ١٠ رمضان ١٣٦٧، ١٧ يوليو ١٩٤٨.
- محمد عبد الحكيم خيال ومحمود الجوهري: الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية دار الدعوة الإسكندرية ١٩٨٠م.
- فؤاد الهجرسي: الإمام حسن البنا حامل لواء الدعوة في القرن العشرين، دار الطباعة والنشر الإسلامية، ١٩٩٩.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد (٥٠٣)، السنة ٢، ٩ صفر ١٣٦٧، ٢٢ ديسمبر ١٩٤٧.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل