; في الكونغو الديمقراطية: هل أصبح كابيلا موبوتو جديدًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان في الكونغو الديمقراطية: هل أصبح كابيلا موبوتو جديدًا؟

الكاتب سيد الشامي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1314

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-أغسطس-1998

في الثاني من أغسطس الجاري، اتهم قادة الجيش في منطقة كيفو الشرقية الرئيس كابيلا بالفساد وسوء الإدارة والفشل في رسم برنامج سياسي واضح، وقد جاء هذا الاتهام- في حقيقة الأمر- بعد أسبوع من قرار الرئيس كابيلا في 27 من يوليو الماضي، بترحيل قوات من الجيش الرواندي، كانت ساندته في الوصول إلى السلطة، للعودة إلى رواند، وذلك بزعم ضرورة تكوين قوات مسلحة كونغولية خالصة، وتنقيتها من العناصر الأجنبية، وهو ما جعل القادة الروانديين «حلفاء الأمس» يشعرون بفشل كابيلا في بسط سيطرته على متمردي الهوتو، الذين لم تتوقف هجماتهم على مواقع الجيش الرواندي انطلاقًا من الكونغو.

ويتهم كابيلا رواندا وأوغندا بغزو بلاده لدعم أفراد فبائل التوتسي، وهو اتهام تنفيه البلدان برغم وجود دلائل على هذا التورط، ومثل رواندا وأوغندا دعمت أنجولا كابيلا عسكريًّا في الوصول إلى السلطة، إلا إن الرئيس الأنجولي سانتوس ينتقد حليفه السابق كابيلا منذ أشهر، لأنه يسمح للمتمردين عليه في الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال «يونيتا» بالحصول على أسلحة من الكونغو.

وبعد مرور أكثر من أسبوعين، حقق المتمردون انتصارات واسعة، حيث استولوا على الشرق، وفي الغرب استولوا على ميناء ماتادي الاستراتيجي على ساحل المحيط الأطلنطي، وعلى سد إلجا، حيث محطة توليد الكهرباء، الأمر الذي يجعل المراقبين والمحللين السياسيين يتوقعون سرعة انهيار كابيلا.

وبرغم اتهام كابيلا لأوغندا ورواندا بالتورط في عملية التمرد وتهديده بنقل الحرب إلى رواندا، بدعوة أن التوتسي يسعون لإقامة إمبراطورية في البحيرات العظمى، ومن ثم اشتعال حرب إقليمية بالمنطقة، إلا إنه على الصعيد الدولي والإقليمي أيضًا، هناك دعم ضمني لحركة التمرد بسبب الغضب الأمريكي على كابيلا، وذكرت تقارير أن هناك دعمًا فرنسيًّا لحركة التمرد للانتقام من كابيلا، الذي أسقط رجل فرنسا السابق موبوتو، ورغبة في عودة النفوذ الفرنسي التقليدي في المنطقة.

ويزعم قادة التمرد بقيادة الكومندان جان بيار أونديكان أن مجندي الجيش لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثمانية أشهر، ويعيشون في ظروف غير إنسانية، وهو ما خلق حالة استياء في الجيش ضد كابيلا، وقد تزامن مع استياء رواندا- بعد قرار ترحيل قواتها- من كابيلا، وكذلك من استياء أفراد من قبائل التوتسي من سكان الكونغو، الذين يعتقدون أنهم لم يحصلوا على مكافأة تتماشى مع الدور الذي لعبوه في الإطاحة بموبوتو.

كابيلا يفقد السند الشعبي: ويرى الخبراء أن الصراع في الكونغو الديمقراطية كان متوقعًا له أن يستمر، وذلك لعدة أسباب منها الداخلي، ومنها الإقليمي والدولي، فعلى الصعيد الداخلي- كما يرى د. إبراهيم نصر الدين.. أستاذ العلوم السياسية وخبير الشؤون الإفريقية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة- اعتمد كابيلا في الإطاحة بموبوتو على عدة قوى منها: قبائل التوتسي في شرق زائير، الذين جردهم من الجنسية، وأمر بترحيلهم، وجردهم من ممتلكاتهم لصالح جماعات الهوتو اللاجئين من رواندا، كما ساعدت أنجولا كابيلا في الإطاحة بموبوتو لمساعدته التاريخية لحركة يونيتا المعارضة لها، وهو ما يفسر سرعة انهيار نظام موبوتو، فضلًا عن اشتداد قوى المعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني لنظام موبوتو، يضاف إلى ذلك القوات الرواندية التي ساعدت كابيلا للانتقام من موبوتو نتيجة سياسياته المعادية للتوتسي.

وبوصول كابيلا للسلطة، كان عليه أن يعتمد بصفة أساسية على جماعة التوتسي من مواطني الكونغو، أو من جنود الحكومة الرواندية، وقد دفعه ذلك إلى توجيه ضربات للمعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني بشكل أفقده السند الشعبي بعد أن أصبح محاصرًا بالتوتسي الكونغوليين والروانديين الطامحين في الحصول على نصيب أكبر من السلطة السياسية، والثروة الاقتصادية بحكم كونهم يشكلون قاعدة حكمه، وراح هؤلاء في الوقت نفسه يمارسون أعمال بطش ضد الشعب، وإزاء ذلك لم يجد كابيلا مفرًّا من الاستغناء عنهم، مما دفعهم إلى الهروب شرقًا وتأليب جماعة التوتسي الكونغولية لمواجهة كابيلا.

أوهام الدور الإقليمي: على الصعيد الإقليمي، يبدو أن كابيلا انتابته أوهام سريعة في أن يكون القوة الإقليمية في المنطقة، حيث ذكر أنه يونيتا المعارضة لحكومة أنجولا، وعلى الرغم من أنه يستند إلى بعض المعطيات الواقعية مثل مساحة زائير 2.5 مليون كم2، وثرواتها المعدنية والزراعية، إلا إنه تعجل وأراد أن ينافس الدور الأوغندي والرواندي في وقت لم يكن قد تمكن من تحقيق الاستقرار الداخلي استنادًا إلى قاعدة شعبية، وهو ما دفع دول الجوار إلى التدخل بشكل أو بآخر في دعم حركة التمرد ضده، الأمر الذي يعني فقد السند والدعم الإقليمي إضافة إلى الشعبي.

الأمريكان غاضبون.. والفرنسيون شامتون: وفي رأي د. إبراهيم نصر الدين، سعى كابيلا إلى اتخاذ موقف مستقل إلى حد ما تجاه الولايات المتحدة وفرنسا، حيث رفض الضغوط الأمريكية بالشروع في الأخذ بالديمقراطية والتعدد الحزبي، وهي الأمور التي تسوق بها أمريكا نفسها على الصعيد العالمي، وقد رفض كابيلا ذلك، بدعوى أن البلاد غير مؤهلة للأخذ بهذا النموذج في هذه المرحلة، لكن واقع الحال يشير إلى أن رفضه لذلك كان خوفًا من كسب المعارضة لأي انتخابات برلمانية ورئاسية يمكن أن تجري.

أما فرنسا، فقد تخلت عنه وربما دعمت حركة التمرد ضده لرفضه الانضمام لجماعة الفرانكفون، بالإضافة إلى كونه الرجل الذي أطاح برجل فرنسا السابق موبوتو.

سيناريوهات المستقبل: محصلة ما سبق، تعني أن كابيلا فقد السند الشعبي في الداخل، والسند الإقليمي على مستوى دول الجوار، كما فقد السند الأمريكي والفرنسي، وبات ينتظر مصير موبوتو، وينظر إليه كما كان ينظر إلى موبوتو: دكتاتور لا يقبل المعارضة على أي مستوى محليًّا أو إقليميًّا أو دوليًّا، لذلك فمن المتصور أن كابيلا سينهار في إطار ما يجري على الأرض، ومن المتصور أن تصل الحرب إلى العاصمة كنشاسا، ولكن ذلك لا يعني نهاية الصراع، حيث إن غالبية القوات المعارضة لحكم كابيلا هي قوات أجنبية «رواندية وأوغندية»، بما يعني أن الصراع سيستمر.

الكونغو.. محطات دموية:

* 1960م: أصبح الكونغو مستقلًا في 30 يونيو 1960م، وأعلن جوزيف كازافي بي رئيسًا للجمهورية، وباتريس لوفمبا رئيسًا للوزراء، وجوزيف موبوتو سكرتيرًا للدولة، وبعد ذلك قائدًا للقوات المسلحة.

* كان المستعمر البلجيكي يعي التناقضات القائمة في هذا البلد الشاسع، ذي الأعراق المتعددة ويقوم بإذكاء الصراعات الداخلية بين النخبة السياسية، وفي هذا الظرف أعن انفصال منطقة كاتنغا الغنية بالموارد الطبيعية، ووقفت الأمم المتحدة ضد الانفصال، 16 من سبتمبر 1960م استطاع موبوتو القيام بانقلاب عسكري وإن لم يأخذ السلطة، لكنه أصبح الرجل القوي، وتمت تنحية لوممبا.

* 1961م: في 17/7 اغتيل باتريس لوممبا رئيس الحركة الوطنية الكونغولية في ظروف غامضة.

* 1964م: قام ثوار لهم توجهات يسارية بالسيطرة على نحو ثلثي أراضي الكونغو وكان أنطوان جينزنجا يسيطر على الشمال، في حين بسط بير ميملل سيطرته على الوسط، وسيطر غاستوه سميالو ولوران كابيلا على المنقطة الشرقية بمساعدة من الكوبيين، ولكن المظليين البلجيكيين ومرتزقة بوب دينار، وقوات موبوتو تمكنت من استعادة الأراضي التي فقدت نفوذها عليها، وفي سنة 1965م لم يبق خارج نفوذ قوات موبوتو إلا منطقة كيجي التي ظل يسيطر عليها كابيلا لمدة عشرين سنة.

* 1965م: في 24/11 قام موبوتو بإقالة الرئيس «الشكلي للبلاد» وتولى السلطة بلا منازع.

* 1966م: أعدمت حكومة موبوتو أربعة نواب برلمانيين من بينهم رئيس الوزراء السابق أجاريس كومبا أمام جمهور غفير من الناس.

* 1968م: في 2/10 دخل القائد المنشق بيرميملل مدينة كنشاسا بعد الإعلان عن عفو عام عن المعارضين، وعند وصوله، قامت السلطات بإعدامه.

* 1997م: اندلاع حرب «شابا» الأولى، قامت القوات المغربية وبعض الخبراء الفرنسيين بمساعدة قوات موبوتو لاسترجاع منطقة كاتنجا، التي أعلن الدرك الكانتجي انفصالها عن زائير وهم معارضون مهاجرون من أنجولا.

* 1978م: الحرب الثانية للشابا «كاتنجا» حاصر الدرك الكاتني منطقة تولوزي وتدخلت الفرقة الأجنبية الفرنسية بالتعاون مع المظليين الزائريين لإنقاذ النظام.

* 1982م: قام أتيف تشسكدي الوزير السابق لموبوتو و13 برلمانيًّا من حزب موبوتو بإنشاء حزب معارض، ولكن السلطات منعته من ممارسة أي نشاط سياسي.

* 1990م: أعلن موبوتو- نظريًّا- موافقته على التعددية الحزبية في البلادن وبعد شهر واحد، تدخل الحرس في الحي الجامعي في مدينة لوموباشي وأسفر التدخل عن سقوط الكثير من الضحايا.

* 1991م: في 23 من نوفمبر اندلعت أعمال النهب في مدينة كنشاسا ولم يتراجع المتظاهرون إلا بعد تدخل المظليين البلجيكيين والفرنسيين.

* 1992م: قامت عمليات تطهير عرقي في «شابا» ضد السكان الأصليين لمنطقة «كاساي».

* 1993م: عمليات نهب جديدة في كنشاسا، أسفرت عن مئات القتلى، وعلى المستوى السياسي ساد الغموض مختلف مجالات العمل السياسي، حيث كان هناك رئيسان للوزراء.

* 1994م: لجأ أكثر من مليون رواندي إلى منطقة كيجي، وقامت على الفور أعمال شغب في المنطقة وفي ديسمبر من العام نفسه، أعلنت الحكومة أن بنك الدولة لا يملك من المال إلا ألفي دولار وعددًا قليلًا من الفرنكات السويسرية.

* 1996م: بدأ التمرد في منطقة الشرق «كيجو» ثم انتشر بسرعة في أنحاء كثيرة من زائير، وسقطت في أيدي المتمردين مدن «إيفارا» و«يوكافي» و«جوما» وفي 10 من نوفمبر، أعلن قائد التمرد كابيلا أنهم سيصلون إلى كنشاسا.

* 1997م: سقطت مدينة كسنغاني في مارس ولومباشي في شهر إبريل، وانتهى لقاء موبوتو- 16 من مايو غادر موبوتو إلى توجو، ومنها إلى الرباط، حيث مات يوم 7/9/1997م.

دولة التوتسي:

لم يكن جنود أقلية البنيامولينجي «التوتسي» في حاجة إلى مدة سبعة أشهر ليدخوا كنشاسا- عاصمة الكونغو الديمقراطية «زائير سابقًا» مثلما حدث في السنة الماضية عندما ناصروا لوران كابيلا- الرئيس الحالي- وأوصلوه إلى الحكم في شهر مايو 1997م، بعد نحو سبعة أشهر من الزحف والقتال من قوات الرئيس المخلوع موبوتو سيسي سيكو.

وكان التوتسي الكونغوليون ذوو الأصول الرواندية قد أظهروا تحفظهم على الطريقة التي يحكم بها كابيلا بعد فترة وجيزة من حكمه، بعدما توضحت له الخطة التي يسعى التوتسي لتنفيذها والقائمة على تحقيق هدفهم التاريخي بإقامة دولة لهم في منطقة البحيرات الكبرى، وهي فكرة ظلت تراودهم على مدى العقود الماضية حتى في فترة حكمهم وسيطرتهم على البلدان التي يمثلون فيها أقلية لا تصل إلى 15% مثل بوروندي ورواندا.

ويؤكد المراقبون أن التدخل الفعلي الكثيف لإسرائيل في تلك المناطق الواقعة في النطاق الاستراتيجي للبلدان العربية «السودان ومصر» على سبيل المثال، يتمثل في دعم وتحفيز التوتسي على إقامة دولتهم المزمعة على غرار النموذج الإسرائيلي، وكانت أوامر كابيلا في مطلع الشهر الحالي بضرورة خروج العسكريين الروانديين هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وفكت الارتباط الهش بين كابيلا وحلفائه التوتسي، حيث أعلنوا قيام حملتهم العسكرية لإسقاطه وهي حملة مدعومة بشكل كبير من كل من رواندا وبورندي وأوغندا حملة التوتسي بدأت في الثاني من أغسطس الحالي فحسب، لكنهم حققوا انتصارات ميدانية متتالية عززها الاستياء العام في البلاد والتسبب الأمني وغياب القدرات العسكرية لدى كابيلا الذي ورث بلدًا منهارًا يقطنه 40 مليون نسمة، ويعاني من كوارث اقتصادية وسياسية وعرقية تعمقت على مدى فترة حكم موبوتو، لمدة تصل إلى نحو ثلاثين عامًا.

وفي تصريحات لقائد التمرد الحالي جان بيان أونديكاني قال «بان كنشاسا- العاصمة الكنغولية- ستسقط من غير شك في حلول نهاية الشهر الحالي، وهو أمر لم يستبعده المراقبون خصوصًا مع تصاعد الخطر وتساقط المدن.

وفي انتظار ما سيسفر عنه التقدم المضطرد للمتمردين، فإن دولًا عديدة في المنطقة بدأت تشعر بخطورة الموقف وانعكاساته على منطقة وسط وغرب القاهرة بشكل عام.

محمد سالم الصوفي

[1] - خدمة مركز الإعلام العربي.

الرابط المختصر :