العنوان في المحراب.. الله جل جلاله
الكاتب عطية محمد سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1975
مشاهدات 89
نشر في العدد 254
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 17-يونيو-1975
في المحراب..
الله جل جلاله
معرفة الله -سبحانه وتعالى- هي أوجب ما يوجبه الله على عباده، وأول ما يدخل به الناس في دينه، وأكرم ما يتقربون به إلى مرضاته ومحبته -سبحانه-، هي أعز ما يناله المقربون، وأعظم ما يصبو إليه الصالحون، وذكره -عز وجل- هو بلسم القلوب، وشفاء الأرواح والصدور، قال -تعالى- في معرفته وتوحيده: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة آل عمران: 18).
وقال -سبحانه- في حبه لعباده وحبهم له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (سورة مريم: ٩٦).
وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (سورة البقرة: ١٦٥).
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
وفي فضل الذكر وصفات الذاكرين قال -عز وجل-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28).
وسوف نتناول هذه المعاني بشيء من التفصيل من خلال هذا المحراب، وأول ما نبدأ به باب المعرفة الحقيقية لله -سبحانه وتعالى- حسب ما عرفنا بنفسه -عز وجل- في كتابه الكريم، وما أخبرنا به رسوله صلوات الله عليه.
الله وسلامه عليه.
فمن هو الله؟!
وما هي علاقته بخلقه؟
حقيقة الذات الإلهية لا يعلمها أحد غير الله -سبحانه وتعالى- فهو وحده العليم بنفسه المحيط بكماله وجلاله.
وقد زلت في هذا المجال أقدام الرجال وضلت أفهامهم وزاغت عقائدهم عندما ذهبوا يبحثون عن - كيفية- الذات الإلهية- وماهيتها- فشبهوه وجسدوه وصوروه وفق عقولهم المحدودة وأفهامهم القاصرة.
فتصوره بعضهم إنسانًا مثلهم وأعطوه صفات الإنسان الجسمية العقلية والسلوكية.. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وتخيله آخرون نورًا يتجسد في أشخاص الأنبياء والصالحين لإبداء ذاته لعباده في دورات كونية متعاقبة فضلوا بذلك وأضلوا.
وقال آخرون: هو هذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد وملاك وشيطان فهو الخالق والمخلوق والعابد والمعبود، وهو عين الأشياء ذاتها قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقال غيرهم. هو ذات ساذج حرف بسيط غاية البساطة لا يعرف ولا يوصف ولا يسمى فافتروا بذلك على الله افتراء كبيرًا.
انتشرت هذه الآراء والمعتقدات الفاسدة بين كثير من الأمم والشعوب في الماضي والحاضر فأبعدتهم عن رحاب الله.
وقد تسربت بعض هذه الأفكار إلى المسلمين عبر الثقافات اليونانية والهندية فأضلت فريقًا منهم عن الصراط المستقيم.
وأنا هنا لست بصدد الردود التفصيلية على هذه المفتريات فلذلك مجال غير هذا المحراب وإنما قصدت التنبيه إلى هذه المزالق حتى لا ينخدع بها المسلمون.
وعلى هذا أرجو أن يتحسس الناس عقائدهم في أن يطهروها عن كل شائبة تعكر صفاء التوحيد الخالص.
وعلى المسلمين أن يعلموا أن عقيدة الإسلام تؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد صلوات الله عليه إذ إنهما المصدر الذي ارتضاه الله لعباده وأرسل به رسوله ولا تؤخذ من الأوهام والفلسفات.
فالعقيدة الإسلامية تنزه الله -سبحانه وتعالى- عن كل هذه الضلالات التي وردت الإشارة إليها إذ إنها جميعا تخيلات قاصرة عن إدراك الذات الإلهية لأنها فوق إدراك العقول: قال تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 103)
والله -سبحانه وتعالى- تنزه عن المشابهة والمشاكلة لأحد من خلقه من تنزه عن الحلول والاتحاد بشيء من الكائنات فلا يحل في شيء منها.
وهو مباين لخلقه جميعًا لا يشبه أحدًا منهم ولا يشبهه منهم أحد.
قال تعالى:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)
وعلى هذا، فكل ما خطر بالقلب أو سفح في مجال الفكر من صورة متخيلة أو شبح متمثل فالله سبحانه بخلاف ذلك
كل ما ترتقي إليه بوهم
من جلال وقدرة وبهاء
فالذي أبدع الخلائق أعلى
منه سبحان مبدع الأشياء
وبهذا تتضح عقيدة المسلم في الله فيعلم أنه فوق الأشياء وفوق إدراك الأفهام وأنه واحد لا شريك له ولا ند له وأنه لا يتجزأ ولا يتبعض ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يدركه الفناء والموت.
وإن كل من في السموات والأرض خلقه وعبيده ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم:94-95)
فالملائكة المقربون.
والأنبياء والمرسلون.
والأولياء الصالحون.
كلهم عبيده
ذلت لعظمته رقابهم.
ولهجت بذكره ألسنتهم.
وسالت عند دعوته عبراتهم
كلهم يسأل حاجته ويسمى مقصوده والله غني عنهم جميعًا.
لا تدركه أبصارهم.
ولا يحيطون به علمًا.
وقد أجمل الله سبحانه هذه العقيدة في أعظم آية في القرآن فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ (البقرة: 255) صدق الله العظيم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل