; في المسألة اليسارية: ألف وجه ووجه | مجلة المجتمع

العنوان في المسألة اليسارية: ألف وجه ووجه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 64

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 55

الأربعاء 02-يونيو-1993

مرض أهل اليسار الماركسي: التذبذب الفكري بعد السقوط

بقلم: علي بن موسى- أبها – السعودية.

1. الداء القومي اليساري وتناقض المرحلة

إذا كان ثمة عنوان يستطيع أن يعبر عن مرض أهل اليسار الماركسي في البلاد العربية عمومًا، وأهل التيار القومي بخاصة فإنه العنوان الذي صدرنا به هذه المقالة مستمدين العون من الله، وإذا كان ثمة مرحلة تنشأ فيها الحاجة ملحة إلى استضافة بيت القصيد:

يومًا يمان إذا لاقيت ذا يمن ** وإن لقيت  مَعدِياً فعدناني

فإن مرحلتنا هذه هي تلك المرحلة التي تنبعث فيها الحاجة لا إلى استضافة ذاك البيت البليغ في دلالته على المرحلة اليسارية القومية، وإن كان رديئًا حيث يحمل في ثناياه طعم ولون ورائحة النفاق والصفاقة والتردي، أقول: إن هذه المرحلة قد بلغت شأوًا بعيدًا في التذبذب والتناقض والتفسخ الفكري إلى الدرجة التي يصح أن يكون ذاك البيت الشعري شعارًا ودثارًا لمرحلة اليسار والقومية هذه.

2. الأمس القريب: عداء للإمبريالية وقدسية للشرق

فبالأمس القريب كان اليساريون العرب والقوميون منهم منهمكين كليًا في العداء لكل ما هو ليبرالي رأسمالي، وعلى رأس القائمة أمريكا -طبعًا- رأس الإمبريالية، ورائدة الاستغلال، ومصاصة دماء الشعوب، وكانت رواياتهم وقصائدهم ومقالاتهم ومؤتمراتهم كلها ذلك «المانفستو» الذي يصور الكتلة الإمبريالية الاستعمارية على أنها الشر كله، والرجعية كلها والشيطان كله، بينما تصور تلك الأبواق عفوًا: الأقلام، الألسنة معاقل الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا وآسيا وكوبا وغيرها على أنها جنة الكادحين، وحلم الفلاحين، وملهمة المبدعين، فالعدالة في كل شيء والمساواة قد تحققت للجميع، والكل حاكم لا محكوم، والاكتفاء الذاتي متحقق، وربما يعنون الكفاية من الجوع أو السجون أو دوائر الصعق الكهربائي وكرابيج التعذيب، وأكثر مما ذكرت كان هذا هو الصوت والمنطق اليساري القومي في البلاد العربية. وذلك حتى ساعات وربما دقائق معدودة قبل احتراق كل تلك الأكاذيب والأساطير -الميثولوجيات- المسماة بأنظمة الاشتراكية الديموقراطية الشعبية اللينينية، وربما تضاف إليها الوطنية في بعض المعاقل، وفجأة انقطع الإرسال، وصمت الدجالون، لقد وجدوا أنفسهم فجأة معلقين في الهواء، لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم، خرست الأقلام وتوارت الكلمات: المشانق، والزنازين والمخابرات الكلمات الحبلى بالدجل والدعاية الفاجرة، فجأة علا التشويش، واختفت معالم الصورة النمطية التي كانت تعلن العصمة لذاتها والكمال لجنابها، وكانت تقول كل شيء وتختزن كل الحقائق، لم تعد ثمة صورة، بل ركام هو في الواقع تلك الصورة، ولكن دون أكاذيب ودون كذابين، هكذا كان حال أهل اليسار الماركسي وحال القوميين عربًا كانوا أم عجمًا، بل كان حالهم مع الحالة الماركسية والقومية والحالة الإمبريالية الليبرالية الغربية أعظم وأخطر قبحًا وجهالة وفسادًا في الذوق والفكر من قدرة الكلمات على تصويره، والإفصاح عنه.

3. المشهد الحالي: أيتام الشيوعية وورقة التوت

والآن: وبعد انقضاء مدة الحداد، ترى: كيف حال المشهد اليساري القومي في البلاد العربية على وجه الخصوص؟

في البدء قبل الدخول في تفاصيل الجواب، أقول: إن مشكلة المشاكل في هذه المرحلة حيال أهل اليسار والقومية هي فيما آل إليه حال أيتام الشيوعية بتفريعاتها المختلفة، لقد كان الدافع إلى الكتابة عن هذا المشهد الرديء هو ما بعد السقوط، وليس ما قبله.

كنت أؤمل أن يبقى هؤلاء ولو على ورقة توت واحدة تستر عوراتهم الفكرية كنت أؤمل ذلك بناء على إيمانهم الراسخ -أو ما كنا نظنه راسخًا- بالشيوعية وبقية فراخها، ولكنهم حتى قبل انقضاء مدة الحداد وحين وجدوا أنفسهم في مزبلة التاريخ راحوا يهيلون التراب على جثة أمهم -الماركسية والقومية- بل وأخذوا يلعنون ما خطته أيديهم، ويسفهون ما اقترفته عقولهم طبعًا دون تصريح بالندم أو شعور بقليل من الحياء، خصوصًا وأن المتلقي أيًا كان موقعه وكيفما كان تلقيه وتعامله مع المرحلة السابقة ثم اللاحقة، هذا المتلقي أضحى أكثر وعيًا وإدراكًا لما يدور حوله، ولم يعد ذلك الذي يمكن استغفاله، فلقد أصبح أعداء الأمس هم أصدقاء اليوم لدى اليساريين والقوميين، فبعد أن كان صوتهم مدويًا بالأمس رافعًا شعار: دولة العمال وحزب العمال واللجنة المركزية وثورة أكتوبر «الخالدة».

4. التحول الصارخ إلى الليبرالية والتعددية

أضحى شعار اليوم المرفوع المدوي عند هؤلاء هو: دولة الاقتراع، وتعدد الأحزاب، والبرلمان التعددي و«الماجنا كارتا» الإنجليزية والثورة الفرنسية، وبعد أن كان السوق بالأمس يخضع بصورة مطلقة لسلطان الحزب والدولة، أصبح القوم -أهل اليسار والقومية- ينادون باقتصاد السوق، الاقتصاد الحر، والمبادرة الفردية، والتخصيص.

وبعد أن كانت البرافدا هي «الحقيقة» الوحيدة، أضحت «التايمز» و«الواشنطن بوست» و«الفيجارو» هي الصوت المعبر عن العالم كما هو وكما ينبغي عند هؤلاء أن يكون.

لقد كان حال هؤلاء أكبر وأعظم من الصورة الجزئية التي ساقها القلم في السطور السابقة، بل إن الماركسيين السابقين، قد أصبحوا ليبراليين تعدديين أكثر من الأوروبيين الغربيين أنفسهم، هذا هو المشهد العجيب، والأعجب أن هؤلاء بأكاذيبهم وسوقيتهم الفكرية وصفاقتهم قد استطاعوا أن يصلوا إلى بغيتهم، وتمكنوا من الوصول إلى أعلى المستويات في بعض البلدان العربية في الجانب الثقافي على وجه الخصوص، ولنتأمل قليلًا في الأسماء التي تدير أكثر المجلات أهمية في بعض البلدان، وعلى رأسها مصر، «إبداع» «القاهرة» «فصول» وغيرها كثير.

5. ضراوة جديدة ضد الإسلام

نعم لقد صالح الماركسيون الغرب، وخلعوا هويتهم القديمة ليرتدوا حلة مفصلة في الشانزليزيه أو هارلم أو داوننغ ستريت، صالحوا عدو الأمس، وتخلوا عن عقيدة الأمس التي كانوا يتغنون بها في المقاهي والمحطات والكباريهات، صالح الماركسيون العرب الغرب الليبرالي الإمبريالي، ولكنهم ازدادوا ضراوة على الإسلام وأهله، ازدادوا حربًا للإسلام في كل مكان وعلى كافة المستويات، لقد أشرعوا أقلامهم ومجلاتهم ومنتدياتهم ماركسيين وقوميين للنيل من العدو القديم الجديد عندهم وهو الإسلام، الإسلام الذي يخيفهم؛ لأنه النور الذي يفضح زيفهم ودجلهم وانحرافهم، لأنه المبدأ الثابت الذي لن يقبلهم بفسادهم ونفاقهم، كما قبلتهم الليبرالية الغربية وهي الوجه البشع الآخر لمنظومة الفكر المادي الكفراني الذي تمثل الشيوعية الآفلة وجهه الأول، فالليبرالية الغربية سائرة في طريق أختها دون ريب، وإن غدًا لناظره قريب بإذن الله.




أزمةُ اليسار العربيّ بعدَ انهيارِ الاتّحادِ السوفييتيّ ومنظومتِهِ الاشتراكيّة

 

الرابط المختصر :