العنوان في المستشفى.. شكر ورضا
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2012
مشاهدات 60
نشر في العدد 2016
نشر في الصفحة 60
السبت 18-أغسطس-2012
أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
ذهبت لأزور والد أحد أصدقائي في المستشفى، كان المريض قد تجاوز الستين من عمره، فإذا بي أرى الرجل قد بهت لونه وقل الدم فيه، وكل جسده يؤكد أن بأسه شديد ومرضه مؤلم، موجع فدعوت الله تعالى له بالصبر والثبات والإيمان والعافية والمعافاة والشفاء، ثم سألته كيف حالك يا حاج؟ فرد وقد كست وجهه ابتسامة كلها رضا الحمد لله يا بني، أنا في نعم عظيمة، أسأل الله تعالى أن يعينني على شكرها قلت له منذ متى وأنت على هذه الحال يا حاج؟ فأجابني منذ شهر يا بني، فسألت ابنه - وهو صديقي - بعد أن خرجنا من غرفة والده المريض من يشكو أبوك؟ فظل يعدد لي أمراضًا أتصور أنها إن لو أصابت جملًا ما تحملها!
بعد أن خرجت من عند الرجل شعرت بنعمة ربي علي، وأحسست بتقصير شديد في شكر هذه النعمة بعد أن رأيت الرجل وقد تكالبت عليه الأمراض واشتد به البأس، ومع ذلك يشكر ربه برضا صادق يكسو وجهه هنالك شعرت بحاجتي إلى مزيد من الاعتبار والاتعاظ لزيادة الإيمان، فقررت أن أتجول في المستشفى لزيارة المرضى وأخذ العبرة والعظة وزيادة الإيمان والمواساة.
زرت مريضًا ثانيًا، فإذا به قد ظهر عليه إعياء المرض، فسألت مرافقا له كان موجودًا بعد أن دعوت الله للمريض من يشكو؟ فأجابني: لقد أصيب بسد في أمعائه، وحاول الأطباء أن يتعاملوا معها دون جراحة - لأنه تجاوز السبعين ويشكو من بعض الأمراض التي تحول بينه وبين إجراء الجراحة - ولكنهم اضطروا أخيرًا للتدخل الجراحي، لأن الجراحة هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للعلاج بعد فشل الوسائل الأخرى.
ومررت بمريض ثالث، فإذا به قد بترت يداه وساقاه، وأراد أن يدخل الحمام لقضاء حاجته، فتأثرت بما شاهدت بعد أن دعوت له، فلقد طلب المساعدة من مرافقيه، وتعاونا جميعا في وضعه على كرسيه ثم دخلت معه زوجته الحمام، فبكيت لما رأيت وخجلت من ربي لتقصيري في شكره على نعمه، فقد ظللت أفكر فيما يعانيه هذا الرجل كلما أراد أن يقضي حاجته أو يتوضأ، أو يغتسل ثم تأملت نعمتي اليدين والساقين اللتين ربما لا يشعر بقيمتهما إلا من فقدهما، أو من تدبر فقدانهما.
وحدثني صديق لي بأنه في إحدى زياراته للمرضى شاهد مريضا مشلولا شللا تامًا أقعده عن الحركة، فلا يستطيع أن يحرك إلا رأسه، فلما رآه هكذا أشفق عليه ورفق به وسأله ماذا تتمنى؟ فأجابه: أنا عمري تجاوز الخمسين وعندي خمسة أولاد، وعلى سرير المرض منذ خمس سنين.. لا أتمنى أن أمشي ولا أن أرى أولادي ولا أن أعيش مثل الناس لكنني أتمنى أن أستطيع الركوع والسجود لله تبارك وتعالى.
ويحكي أحد الأطباء أنه دخل غرفة الإنعاش على أحد المرضى - وكان المريض شيخًا كبيرًا - وقد تألق وجه المريض نورًا، وكانت قد أجريت له جراحة في القلب وأصابه نزيف خلالها، مما أدى إلى توقف الدم عن بعض مناطق الدماغ، فأصيب بغيبوبة تامة.. فوضع على فمه جهاز للتنفس الصناعي يدفع إلى رئتيه تسعة أنفاس في الدقيقة، وكان بجانبه أحد أبنائه، فسألته عن وظيفة أبيه وعمله فأجابني: إن أبي يعمل مؤذنا في أحد المساجد.. يقول الطبيب اقتربت من المريض وحاولت أن أحرك يده ورأسه ثم كلمته فلم يستجب لي لقد كانت حالته خطيرة، فاقترب ابنه منه وراح يكلمه فلا يجيبه، فبدأ الابن يلقي على سمع أبيه أخبارا سارة، فكان مما قاله لأبيه يا أبي.. أمي بخير، وإخوتي بخير، وأخي جاء من السفر، وأخي الأكبر نجح في دراسته وحصل على تقدير ممتاز، واستمر الابن في سرد الأخبار السارة على سمع أبيه، ولكن والده لم يتحرك والجهاز يدفع تسعة أنفاس في الدقيقة.. فقال الولد: يا أبي المسجد ينتظرك ومشتاق إليك والناس يسألون عنك يتوقون لسماع صوتك في الأذان للصلوات ولا أحد يؤذن فيه، ففي كل مرة يؤذن أي شخص موجود، ويخطئون في الأذان والمسجد من دونك ينقصه الكثير.. فلما ذكر الابن المسجد والأذان دفع الجهاز ثمانية عشر نفسًا في الدقيقة.. ثم عاد الابن يزف لوالده أخبارًا سارة أخرى تتعلق بأمور الدنيا فانخفضت الأنفاس التي يتنفسها الشيخ إلى تسعة أنفاس في الدقيقة فعاد مرة أخرى يحدثه عن الأذان والمسجد فارتفعت إلى ثمانية عشر نفسا في الدقيقة.. يقول الطبيب: فلما رأيت ذلك اقتربت من أذن الشيخ، ثم أذنت الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.. وأكملت الأذان، فكان الجهاز تزداد عدد دفعاته باستمرار الأذان.
يقول الطبيب: فقلت: ليس هؤلاء بمرضى، إنما نحن المرضى، إنهم رجال قال فيهم رب العزة: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ويذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْعُدْوَ وَالْآصَالِ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَبُ فيه القلوب والأبصار. لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَن ما عملوا وَيَزِيدَهُم مَن فَضْلِه وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بغير حساب﴾ (النور: 38,37,36).
نعم نحن المرضى برغم سلامة أجسادنا فقلوبنا تحتاج إلى مشفى تعالج فيه سلمنا من الأسقام والأمراض نعم، وعوفينا من الداء وتقلبنا في نعم ربنا وخالقنا ورازقنا ولم نشعر بهذه النعمة ولم نشكر ربنا حق شكره عليها.. بل قابلنا هذه النعم الوفيرة بعصيان المنعم المتفضل علينا بها.. ألا تخشى أن توقف بين يدي ربك غدا، فيسألك عن هذه النعم وعن سبب معصيتك وإسرافك في الذنوب واغضابه؟ ألا تخشى يا من تتمرغ في نعم الله أن تهلكك ذنوبك؟ أو ما فكرت في نهاية قوم نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، وكذلك عاقبة فرعون وقومه وغيرهم من الهالكين؟ اعرض عليك ذنوبك وفكر، ثم احسم أمرك وخذ قرارك بحزم وقوة أن تقلع عن الذنوب والمعاصي، وتقبل على ربك بالطاعة والشكر على فيض نعمه، وتأس في ذلك بأنبياء الله وهم أشد الناس بلاء، ومع ذلك كانوا جميعًا شاكرين.
نماذج من الشاكرين على درب الأنبياء:
أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام هو من أبرز الأنبياء الشاكرين الذين شهد لهم ربهم بهذه الفضيلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَةً فَانتَا لَلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾(النحل: 120,121).
ولقد حرص سليمان عليه السلام على أن يكون شاكرًا، وأن ينصح غيره بالشكر، وذلك في قول الله عز وجل حكاية عن سليمان عندما جيء له بعرش بلقيس ملكة سبأ: ﴿فلما رآه مُسْتَقِرًا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لَنَفْسِهِ وَمَن كفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غني كريم﴾ (النمل: 40).
وحكى القرآن عن نوح عليه السلام مثبتا له صفة الشكر، ومثنيًا عليه في هذه السمة فيقول سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شكورا﴾ (الإسراء: 3).
تشريف الله للشكر لقد شرف الله صفة الشكر بنسبها إليه قال تعالى: ﴿ومن تطوعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عليم﴾ (البقرة: 158)، وقال أيضًا، ﴿وكان الله شاكرًا عَلِيمًا﴾(النساء: 147).
ولقد ربط الله عز وجل بين الشكر وبقاء النعم وزيادتها، قال تعالى: ﴿نعْمَةَ مَنْ عندنا كذلك نجزي من شكر﴾ (القمر: 35).
وقال أيضًا، ﴿وَإِذْ تَاذَنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم:۷).
توجيهات ربانية لالتزام الشكر:
لقد أعلى الله تعالى من صفة الشكر ولذلك دعا الله تعالى إلى التحلي به، وذلك ما نلحظه في مواضع كثيرة في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: ۷).
وقوله سبحانه لبني إسرائيل بعلنَاكُم مَنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 56).
وقوله عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْتُمْ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ (المائدة: 6).
وقوله عز وجل، ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾ (الأنفال: 26).
الشاكرون قليلون
بين الله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم أن الشاكرين من عباده قليلون، وهذا يدفعنا إلى أن نحذر أن نكون ضمن هذه الكثرة، ويسعى كل منا إلى إكساب ذاته هذه الفضيلة، ومن الآيات القرآنية التي تؤكد قلة الشاكرين قول الله تعالى ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكرًا وَقَلِيلٌ مَنْ عبادي الشكور﴾ (سبأ: 13).
ما أعظم نعمة الشكر والرضا عند المرض، فإنها تحيط صاحبها بطمأنينة وراحة نفسية لا تدانيها نعمة، وذلك الجو يقوي مناعة الجسم، ومن ثم يساعد على شفاء المريض، والثمرة الأعظم هي رضوان الله تعالى، فيحيا الإنسان حياته مطمئنا ويلقى في آخرته ثواب ربه وأجره على شکره ورضاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل