; في المغرب: لقتل الدعوة يُقتل الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان في المغرب: لقتل الدعوة يُقتل الدعاة

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1985

مشاهدات 62

نشر في العدد 708

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 12-مارس-1985

• قتل الدعاة وسجنهم وجهان لعملة واحدة
• حياة الداعية عبد السلام ياسين في خطر
• استمرار حملة الاعتقال ضد الإسلاميين في المغرب
التناظر في أحوال أمتنا الإسلامية يشاهد ذلًا واستسلامًا قد تحكم في نفوس أبنائها لا تظن أن تاريخها قد مر في حقبة مظلمة مثيلة لها إذا ما قبلنا مقولة أننا نعيش عهود الاستقلال وانتهاء العهد الاستعماري ورغم ما نلاحظه من صحوة إسلامية عارمة تشمل معظم أرجاء عالنا الإسلامي إلا أن مرحلة البلادة وانعدام الحس الإنساني والكرامة الإنسانية والسلبية المطلقة باتت هي المهيمنة على هذا العالم، ولا نقول ذلك تحاملًا وتجنيًا، ولكن الدلائل والشواهد كلها تؤكد على حقيقة هذه المرحلة المظلمة، وإلا فكيف يمكن تفسير السكوت المطبق الذي يلف العالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص عما جرى ويجري هنا وهناك بحيث لا تكاد تخلو رقعة من وطننا الكبير «إلا من رحم ربك» من انتهاك للحرية وهدر للكرامة وطمس للتراث وتشويه للتاريخ واغتيال للدعاة و ومع هذا كله تجد الأمة وكأنها في واد بعيد لا تحس بما يجري حولها أو كأنها استمرأت الذل فألقته وأصبح سلوكًا متأصلًا فيها.
ربما يستغرب القارئ - مع قناعته بحقيقة هذا القول - حدة الألفاظ التي سطرناها في بداية هذه المقالة، ولكنا سنعرض له قضيتين حدثتا في المغرب لتؤكد له أن ما ذكرناه لا يفي إلا بالقليل بالمقارنة مع هول ما جرى، وإن كان الذي جرى قد حدث في دولة علمانية أو يسارية أو ثورية لقلنا إنه ممكن الحدوث أما أن يحدث في دولة مسلمة دستورها القرآن فهنا تكمن الطامة الكبرى.
إنهم يقتلون الدعاة
نقلت وكالة الأنباء الكويتية في اليوم الأول من الشهر الجاري ما نصه: توفي إمام أحد مساجد مدينة مكناس المغربية متأثرًا بجراحه التي أصيب بها عندما اقتحمت مجموعة من الأشخاص المسجد الذي يصلي ويخطب فيه وأوسعوه ضربًا ثم لاذوا بالفرار بعد أن تركوا الأمام في حالة يرثى لها، وظل الإمام في مكانه حتى حضور رجال الشرطة في اليوم التالي ونقلوه إلى المستشفى حيث فارق الحياة متأثرًا بجراحه.
وقصة أخرى من المغرب تقول إن الداعية الإسلامي الشيخ البشيري كان يتحدث في المسجد الكبير بمدينة الدار البيضاء عن غزوة بدر الكبرى ويحاول ربط الأحداث الماضية بالواقع الإسلامي الراهن وبين أوجه الاختلاف بين حالة الجندي المسلم اليوم وحالته بالأمس ودعا إلى تلمس خطى الرعيل الأول من جيل الصحابة، ونبه الشيخ إلى الخطر الداهم الذي ينتظر الأمة نتيجة لتخليها عن تحكيم كتاب الله، وهكذا مضت ساعة الحديث الإيماني للشيخ البشيري ليخرج عائدًا إلى داره وما أن وطئت أقدام الشيخ الشارع المحاذي للمسجد حتى فوجئ بأحد الأشخاص يندفع إليه ويلقيه أرضًا ويستل من جيب معطفه سكينًا يهوي بها فوق صدر الشيخ البشيري إلا أن عناية الله كانت أسرع من يد المجرم فأصابت سكينه الأرض بدل أن تصيب صدر الشيخ، وعلى الفور ولى المجرم هاربًا بعد أن تجمع الناس حول الشيخ وذهب في أثره نفر من المصلين الذين كانوا يستمعون إلى حديث الشيخ وعرفوا عنوان المجرم وأبلغوا الشرطة بالحادث وعنوان المجرم وأوصافه، إلا أن الحادث قيد ضد مجهول ولم تذكره صحيفة ولم يشر إليه أحد وكان الأمر لم يكن. وجدير بالذكر أن الشيخ البشيري يعتبر من الدعاة الذين وهبوا أنفسهم للدعوة وهو مجاز في الحقوق والآداب وكان يعمل مفتشًا بالتعليم الثانوي قبل إيقافه عن العمل بسبب نشاطه في الدعوة إلى الله وتأييده للأستاذ الداعية عبد السلام ياسين، وهو حديث عهد بالحرية حيث كان معتقلًا بتهمة كتابة مقالات دعوية في صحيفة الصبح التي يصدرها الأستاذ ياسين مؤسس الجماعة الإسلامية بالمغرب.
هاتان الحادثتان لو كان مسرحهما خارج الوطن العربي والإسلامي فهل يعتقد أحد منا أن يواجههما بهذه السلبية المطلقة؟ كان يمكن أن نفهم هذا الاتجاه السلبي لو أن الحادث أودى بحياة رجل عادي على يد مجرم عادي كما يحدث في معظم المجتمعات الإنسانية، أما وأن الضحية في الحادث الأول والمعتدى عليه في الحادث الثاني هما من رجال الدعوة الإسلامية فإن الاتجاه السلبي يصبح أمرًا لا يمكن قبوله البتة.
إن حادثًا مشابهًا وقع في بولندا قبل شهرين كان ضحيته قسًا بولنديًا متعاطفًا مع نقابة التضامن المعارضة للنظام الشيوعي جعل بولندا بأسرها تثور وتغلي، رجالها وشبابها ونساؤها في احتجاج جماهيري واسع النطاق أجبر معه الحكومة البولندية الشيوعية على فتح ملف خاص للتحقيق في القضية مع أنها تعلم يقينًا أن المخابرات البولندية كانت وراء الحادث، ولكن ضغط الجمهور البولندي أجبرها على كشف الفاعلين ومعاقبتهم.
ومن المؤكد لو أن مثيلًا لهذه الحوادث قد حدثت في واحدة من الدول الغربية التي تسعى حكومة المغرب للحصول على موافقتها للدخول في سوقها الأوروبية المشتركة لثارت هذه المجتمعات ولسقطة حكومة وتغيرت أنظمة وحتى ولو كان الضحية داعية فكر إلحادي أو انحلالي أو غير ذلك فكيف نقبل أن يحدث هذا في مجتمعاتنا ويكون الضحية داعية فكر رباني ثم لا نجد من يجرؤ حتى على مجرد الإشارة للحادث.
إن اغتيال أحد رموز العمل الشيوعي في المغرب أقام الدنيا وأقعدها داخل المغرب وحتى خارجه وكتبت حول الحادث كتابات شتى ودبجت مقالات لا حصر لها ورغم مرور السنوات فلا زال في هذه الأمة من يتناول الحادث ويحلله ويتعرض لدوافعه، و. أما قتل الدعاة إلى الله واعتقالهم لسنوات وسنوات فإنه أمر لا يحتاج إلى اهتمام الأوساط الرسمية والجماهيرية.
إنه لأمر يدعو للأسف أن تدعي السلطات الأمنية المغربية أن حادث قتل إمام مسجد مدينة مكناس قد تم بغرض السرقة فإننا نعتقد أنه ما من أحد سمع من قبل أو سيسمع من بعد أن لصوصًا يدخلون المسجد ويضربون الإمام حتى الموت بغرض سرقة أمواله، ولا ندري كيف وصلت السذاجة بهذه السلطات إلى حد تفسير الحادث على هذا النحو، وأن الأمر يدعو للأسى أن يهاجم الشيخ الداعية البشيري على باب مسجده لقتله ويتم تعريف الشرطة المغربية بعنوان المعتدي إلا أن الحادث ينتهي عند هذا الحد ولا يسمع به أحد بعد ذلك وكان الأمر لم يكن، وقيدت ضد مجهول.
القتل والسجن وجهان لعملة واحدة
ما كنا لنتهم السلطات الأمنية المغربية لولا سوابقها مع الدعاة إلى الله وإن أراد البعض أن يقول إنه لم يحدث قتل سابق للدعاة فإننا نقول إن سجن الدعاة ما هو إلا القتل البطيء وما القتل والسجن إلا وجهان أو أسلوبان لتنفيذ سياسة واحدة هي السياسة المعادية للدعوة والدعاة إلى الله، فعمليات المطاردة المستمرة للشباب المسلم واعتقاله وسجنه سنوات وسنوات لا يختلف عن التصفية المباشرة، فكلاهما يصبان في المخططات الرامية إلى قتل الدعوة إلى الله.
وإلا فكيف يمكننا تفسير اعتقال الشباب المغربي الملتزم بإسلامه ودعوته كما حدث في العديد من المدن المغربية كان آخرها اعتقال مجموعة من هؤلاء الشباب في مدينة ابن سليمان القريبة من الدار البيضاء حيث تم اعتقال حوالي ٢٥ شابًا مغربيًا بتهمة دراسة القرآن الكريم، وآخرون يعتقلون لأدائهم الصلاة في ملعب عام لكرة القدم، وآخرون لتجمعهم في عطلة نهاية الأسبوع خارج المدينة على حسب عادة الناس، ولكنهم بدل أن يلهوا كانوا يتدارسون القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، أليس أمرًا محزنًا أن يتمكن الشاب المسلم من ممارسة الدعوة إلى الله في أوروبا وأمريكا ولا يتمكن من ذلك في بلده المسلم؟
إن دفع مجموعات متتالية من الشباب المسلم في المغرب إلى الاعتقال ومن ثم الحكم عليهم بالسجن لسنوات وسنوات بحيث يقضون زهرة شبابهم في السجون لا يخرج عن كونه قتلًا بطيئًا.
تدهور صحة عبد السلام ياسين
الداعية المغربي الأستاذ عبد السلام ياسين الذي دخل في العقد السادس من العمر والذي اعتقل قبل أكثر من عام لا زال حتى الآن نزيل أقذر سجون المغرب المسمى سجن باب العلو بالرباط وبالتالي فقد تدهورت صحته بشكل ملموس بحيث يخشى على حياة الداعية الأستاذ ياسين في حال استمرار سجنه، وقد ذكرت بعض المصادر الصحفية في المغرب أن الأستاذ ياسين يمر حاليًا بأزمة صحية حادة بات من الضروري الإسراع في الإفراج عنه، ومن المعروف أن الداعية عبد السلام ياسين اتهم من قبل السلطات الأمنية المغربية بنشر مقالات في مجلة الصبح التي تصدرها الجماعة الإسلامية التي يرأسها الأستاذ ياسين.
وبينما تعمل السلطات الأمنية المغربية على ترك الساحة المغربية مفتوحة أمام دعاة العلمانية والشيوعية وتمنحهم حق ممارسة العمل السياسي العلني، تراها تتعقب الدعاة إلى الله وتحجر على نشاطهم وتعتقلهم وتودعهم السجون ثم بعد ذلك يسمح لليهود أن يعقدوا مؤتمرًا لهم في المغرب، ويسمح لأحد اليهود بأن يكون نائبًا في البرلمان المغربي، ويمنح أرفع الأوسمة لرئيس الطائفة اليهودية المغربية، وأخيرًا يتم منح جين كباتريك مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة وسام الاستحقاق مع أنها المتحدثة باسم الصهاينة الأمريكيين في الأمم المتحدة.
وأخيرًا ألا يحق لنا أن نقول إن كل ما جرى ويجري ما هو إلا محاولة لقتل الدعوة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 185

93

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 1507

45

السبت 29-يونيو-2002

المجتمع التربوي (العدد 1507)

نشر في العدد 1243

48

الثلاثاء 25-مارس-1997

المجتمع التربوي عدد 1243