; في بلاط «محاكمة» مدريد الأخيرة مذنبون حتى تثبت براءتنا!! | مجلة المجتمع

العنوان في بلاط «محاكمة» مدريد الأخيرة مذنبون حتى تثبت براءتنا!!

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005

مشاهدات 83

نشر في العدد 1672

نشر في الصفحة 24

السبت 08-أكتوبر-2005

المتهمون.. لم يعاملوا قط على أنهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم كما تقضي الأعراف القضائية الدولية وحقوق الإنسان

قبل النطق بالحكم تم تسريب الأحكام وعلمت بها زوجات المتهمين فانخرطن في بكاء صامت جعل بعض المصورين الإسبان يبكون معهن

الأحكام سابقة خطيرة ستنعكس بالسلب على نفوس أبناء الجيل الثاني من المسلمين المقيمين في إسبانيا

سنوات ضوئية تفصل ما بين الرقمين هكذا قالت الصحافة الإسبانية، فبين الـ۲۳۳۰۰۰ مائتين وثلاثة وثلاثين ألف عام من السجن- التي طالب المدعي العام بها كعقوبة للمتهمين بتشكيل خلية من خلايا ما يسمى بـ«القاعدة» في مدريد حتى يكونوا عبرة لمن اعتبر، كما قال- وبين الأحكام التي صدرت يوم النطق بالحكم ولم تتجاوز بمجملها ١٦٧ عاما، بين الرقمين بون شاسع، ومصير أربعة وعشرين رجلا وأسرهم وانهيار مصداقية دولة ديمقراطية عضو في الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك وبعده انكشاف كل الأبعاد الحقيقية لما يسمى الحرب على الإرهاب في هذا العالم الكسيح المجنون الذي نعيش فيه.

سيبقى يوم الإثنين ٩/٢٦ / ٢٠٠٥ يومًا مشهودًا في تاريخ العدالة في عالم القرن الحادي والعشرين اليوم الذي أثبت فيه القضاء الإسباني براءة الرجال الأربعة والعشرين الذين كانوا رهن الاحتجاز منذ أربعة أعوام على أنهم مذنبون، وأنهم أبرياء من تهمة الانتماء إلى ما يسمى بالقاعدة. أبرياء من تهمة الاشتراك في القتل العمد للآلاف الثلاثة الذين سقطوا ضحايا عمليات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن أبرياء من التآمر ضد الدولة الإسبانية للإضرار بالأرض والإنسان أبرياء من كل هذه التهم، ولكن على الرغم من هذه البراءة فإن هؤلاء الرجال قد حكموا بأحكام وصفها القاضي غارثون بأنها مثالية، ووصفتها الصحافة الإسبانية بأنها قاصرة عن معاقبة هؤلاء القوم، ووصفها العرب والمسلمون في إسبانيا وأوروبا بأنها جريمة إنسانية وتعد على حقوق الأبرياء، وسابقة خطيرة جدًا سوف يكون لها ما بعدها في نفوس أبناء هؤلاء الرجال وأبناء الجيل الثاني من المسلمين المقيمين في إسبانيا الذين يعيشون هذا الظلم ويعانونه.

الصحفيون اكتظوا بالمئات على أبواب قاعة المحكمة المراقبون الدوليون- والدكتور هيثم المناع رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان على رأسهم- كانوا هناك في محاولة أخيرة لنصرة الحق، زوجات المعتقلين لم يتجرأ منهن على حضور جلسة النطق بالحكم إلا خمس وبعض أقرباء المتهمين لا مكان لموضع قدم في صالة الانتظار، صمت مهيب كان يلف الصالة المكتظة إلى درجة الاختناق شرطة ورجال مخابرات ومحامون وصحفيون، ومن الجالية العربية المسلمة في مدريد بل في إسبانيا كلها لم يحضر إلا ثلاثة نساء ورجل واحد.

في صالة الانتظار كان الإعلامي والكاتب الكبير أحمد الشيخ، ومعه وفد من قناة الجزيرة استنصحوني فنصحتهم أن يحضروا الجلسة في قاعة المحكمة وليس في صالة الصحافة، لأن ما يمكن أن تلمسه وتراه وأنتفي تلك القاعة لا يمكن لأحد أن يعبر لك عنه لا بالكلمات ولا بالصور قبل لحظات من حلول موعد فتح باب الصالة بدأت الهمهمات وأصوات بكاء خافت واقتربت مني إحداهن وأسرت إلى بأن الأحكام قد سربت وأن زوجات المعتقلين علمن بأن أزواجهن قد حكموا بالسجن فانخرطن في بكاء صامت أليم دعا بعض المصورين الإسبان إلى البكاء معهم.. خاصة الذين كانوا قد حضروا كل جلسات هذه المحاكمة المهزلة من أولها إلى آخرها وهم يعلمون- ككل من حضرها- أن هؤلاء الرجال اعتبروا مذنبين منذ اعتقالهم. ولم يعاملوا قط على أنهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم كما تقضي الأعراف القضائية الدولية وحقوق الإنسان، وأن هذه القضية ملفقة بين بعض أجهزة الشرطة والمخابرات التي هي على صلة ضليعة بوزارة الداخلية والخارجية الإسبانيتين.

النطق بالحكم

جلس الجميع في وجوم وترقب بدأ رئيس الصالة بقراءة الحكم الذي قيل إنه يتجاوز الأربعمائة صفحة، لكن الرجل لم يلبث أن ذكر ثلاثة أمور رئيسة على غاية من الأهمية، أولها أن قوانين مكافحة الإرهاب في إسبانيا هي من أكثر القوانين تطورًا في العالم، وأن المحكمة تعترف بأن أمورًا غير قانونية ارتكبت في أثناء سير التحقيقات في هذه القضية، وأن المحكمة لن تأخذ موضوع التسمع على هواتف هؤلاء الرجال مدة عشرة أعوام قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أنها أدلة قاطعة في تجريمهم لأن ذلك التسمع لم يكن قانونيًا ولكنها- أي المحكمة- وكما قال: لا تستطيع إلا أن تأخذ تلك المكالمات بعين الاعتبار في حال النطق بالحكم.

حتى هنا تنفس الجميع الصعداء، وظن المتهمون وأهلهم بالمحكمة خيرًا، إلا أن القاضية التي كلفت بقراءة الأحكام بددت كل أوهامنا وإيماننا بكل ما يدعى في هذا العالم من دولة الحق والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، راحت القاضية نقرأ على مسامع الحضور وكأن على رؤوسهم الطير- أحكامًا بالسجن تتراوح بين ستة أعوام، وسبعة وعشرين عامًا..

إلا أن الحكم الذي لا يمكن لأحد أن يبتلعه ولا أن يهضمه هو الحكم بالسجن سبعة أعوام مع الغرامة على الأستاذ الصحفي تيسير علوني بتهمة ماذا؟ تهمة التواطؤ مع تنظيم إرهابي!.

ستة من هؤلاء المتهمين اضطرت المحكمة إلى إخلاء سبيلهم وتبرئتهم على الفور أحدهم كان من صغار النشالين وهو لا يدري كيف اعتقل ولماذا زج به في السجن مع هؤلاء المجرمين الإرهابيين العتاة ، والخمسة الباقون جميعهم من رجال الأعمال السوريين المرموقين وعلى رأسهم غصوب الأبرش المتهم بـ«فضيحة» الفيديو الشهير!.

لابد أن نسجل هنا كذلك أن يوسف غالان الوحيد الإسباني الأصل في هذه القضية حكم بتسع سنوات ونصف بتهمة الانتماء إلى تنظيم مسلح والذهاب إلى معسكر للتدريب في إندونيسيا لم يثبت قط وجوده. وتهمة حيازة أسلحة كان قد ثبت قطعًا أنهاملك لعائلته.

بعد قراءة هذه الأحكام في أقل من عشر دقائق صدر الأمر بإخلاء القاعة فورًا من الجمهور، واضطررنا إلى الخروج ونحن لا نعلم هل نحن في حلم ديمقراطي أم في كابوس دكتاتوري هل نحن في أوروبا الاتحادية أم في أدغال إفريقيا الاستوائية هل نحن في القرن الحادي والعشرين أم أن الزمن قد تقهقر وهرب منه هذا اليوم من أيام محاكم التفتيش لنرغم على أن نحيا في ظلاله!

خرجنا من قاعة المحكمة لنجد مئات الصحفيين في انتظارنا ليلتقطوا ردود أفعالناوكل سكنة وحركة ونفس، صوروا سحنات الألم ودموع المظلومين، كما صوروا لحظات الفرحة بالفرج في عيون الذين تمت تبرئتهم، كانت لحظات أليمة قاسية جدًا، تلك اللحظات ما كان الواحد منا يعرف هل يهنئ الناجين أم يعزي المبتلين.

بعد هذه المحكمة صار كل شيء ممكنا في إسبانيا، ارتياد المسجد صار إرهابًا، صلاة الفجر تهمة دامغة بانتمائك إلى الإرهاب العالمي شرب الشاي مع أهل بلدك أو أي بلد عربي آخر وخاصة هذه الأخيرة قد تكون دليلًا قاطعًا على كونك قائدًا محنكًا في فن الإرهاب!!، متابعة قنوات فضائية مخصصة بعينها، مساعدة إخوانك بنقل أمتعتهم نقل شيء من المال من وإلى أهل بلدك وناسك كل شيء صار تهمة تتعلق بالإرهاب، هؤلاء رجال ثبت أنهم ليسوا على علاقة بتنظيم القاعدة- هذا إن ثبت يومًا أن هذا تنظيم له وجود أصلًا في حياة البشرية!! رجال ثبت بنص الحكم أنهم لم يكونوا يخططون لضرب شيء من الأهداف على أرض إسبانيا ولا أوروبا، رجال لا ناقة لهم ولا جمل في شيء مما نسب إليهم من التهم، ولكنهم يحبون الله ورسوله ويغارون على أبناء أمتهم في مشارق الأرض ومغاربها هذه هي تهمتهم الوحيدة: التعاطف مع أهل البوسنة والشيشان ودعمهم ماديًا ومعنويًا بما يملكون وهو جهد المقل الذي يريد نصرة الحق شأنه في ذلك شأن الإسبان وكل الأوروبيين الشرفاء الذين وقفوا وقفات رائعة في وجه الطغيان في كل من فلسطين والبوسنة والشيشان والعراق.

من خلال قراءتي لحيثيات القضية وملابساتها ومتابعتي الدقيقة لكل ما يجري في الصحافة الإسبانية فيما يتعلق بها، جعلني أجزم أنها ليست إلا محاكمة لكل عربي مسلم مقيم في مدريد وفي إسبانيا، محاكمة تحذيرية تأديبية لكل فرد في هذه الجالية تنذر بشر مستطير إن هو تعاطف بالإحساس أو الكلمة أو الرأي أو تقديم صدقة من ماله إلى من يذبحون في هذه الأرض ظلمًا واعتداءً.

تيسير علوني كان لب القضية ونجمها الهدف الوحيد الكامن وراء إدانته ومحاكمته واعتقاله هو اعتقال واغتيال الصحافة القومية الإسلامية بهذا الترتيب، لأن تحالف هاتين الكلمتين اليوم أصبح أمرًا في غاية الخطورة ولا أحد من عرب أو عجم يرغب في صحافة قومية تدافع عن الإسلام ولا في صحافة إسلامية تحترم المشاعر القومية في المنطقة العربية هذا تحالف خطير ولذلك فان تهمة العلوني خطيرة وخطيرة جدًا.

من الآن فصاعدًا أصبح على كل صحفي عربي حر مستقل أن ينتظر شيئًا مشابهًا لما حدث للعلوني الصحفي العربي المسلم المظلوم شأنه في ذلك شأن كل من كان معه في تلك المحكمة، ولكن الحكم على علوني كان أكثر ظلمًا واستبدادًا، لأنه حكم على قناة الجزيرة وأمثالها من منابر إعلامية عربية تحاول أن تشق لنفسها طريقًا في هذا العالم الذي يتهافت علينا يريد أن يمنعنا من أن يكون لنا صوت أو كلمة أو صورة.

محاكمة العلوني كانت في واقع الأمر محاكمة لكل قلم عربي تسول له نفسه أن يعترض أو يفكر أو يشرح أو يبين حقيقة ما يجري في عالمنا اليوم.. وكل قلم عربي حر مستقل اليوم سوف يعتبر مذنبًا حتى تثبت براءته في قوانين الغاب، وقوى الإرهاب العولمي المهيمن على البشرية، نحن مدنيون جميعًا. تهمنا جاهزة، قاعات محاكمتنا أعدت بعناية فائقة هواتفنا مخترقة في بيوتنا ركبت أجهزة للتنصت وكاميرات خفية، تعد لنا يومًا فيومًا ملفات صفحاتها تعد بالآلاف تثبت أننا مذنبون، لأن لنا أمة ننتمي إليها ولا ننساها على الرغم من هذه الغربة التي فرضها أهلنا وأهلها علينا مذنبون لأننا ندافع عن فلسطين وعن كل مظلوم في هذه الأرض.

الرابط المختصر :