العنوان في بيروت الخطة الأمنية بين الشك والأمل
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 778
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 05-أغسطس-1986
- الحالة الأمنية الرهيبة التي عاشها سكان بيروت الغربية دفعتهم لقبول أي مشروع يحقق لهم الأمن أيًّا كان مصدره.
- ميليشيات حركة أمل تنشر في بيروت الغربية الرعب والخوف اللذين عجزت قذائف الكتائب وصواريخ اليهود عن تحقيقه.
- الخطة الأمنية الجديدة تتزامن مع ظهور مشروع جديد للسلام في لبنان ترعاه أمريكا وأوروبا والفاتيكان.
يقول أحد سفراء دول أوروبا الغربية في لبنان وهو يهم بمغادرة الأراضي اللبنانية عائدًا إلى بلاده «إنني لا أرى نهاية قريبة لمأساتكم التي أخشى أن تكون قد دخلت في حرب المئة عام».
ورغم أن معظمنا بات يتفق على المنحَى الذي ذهب إليه الدبلوماسي الغربي في تعليقه على الأوضاع اللبنانية.. إلا أن الإعلان الذي صدر من العاصمة السوريَّة وأيدته مصادر الحكومة اللبنانية والخاص بالاتفاق على تنفيذ الخطة الأمنية وإنهاء العنف الدموي المستعر في بيروت الغربية على وجه الخصوص ألقى ظلالًا من الشك حول تفسير الدبلوماسي الغربي وأوجد بعض الأمل لدى سكان بيروت الغربية في وضع حد للعنف الذي تمارسه المليشيات المسلحة، ولكن حتى هذا الأمل عاد من جديد إلى بؤرة الشك بعد أن أصيبت الخطة الأمنية بضربة موجعة أثر الحادث الأليم الذي وقع في منطقة البربير في بيروت الغربية.. وذهب ضحيته ما يقرب من ٢٥٠ شخصًا ما بين قتيل وجريح.. وهكذا أصبحت قضية الأمن في بيروت الغربية تدور بين أمل المواطن في تنفيذ الخطة الأمنية وبين شكه في إمكانية التنفيذ.
الخطة الأمنية.. لماذا؟
في بداية شهر يوليو الماضي بدأت طلائع قوة سورية رمزية بالانتشار في بعض المناطق الإستراتيجية في بيروت الغربية إضافة إلى انتشار أعداد غير قليلة من عناصر الأمن السورية التابعة للعميد غازي كنعان في شوارع المدينة، وذلك نتيجة اتفاق مع القيادات السياسية في المدينة وعلى رأسها رئيس وزراء لبنان رشيد كرامي، لتنفيذ خطة أمنية تستهدف وضع حد لسيطرة المليشيات المسلحة على بيروت الغربية، والظاهر في هذه الإجراءات أن القيادات البيروتية هي التي سعت لدى سوريا بطلب التدخل لفرض الأمن في الشارع البيروتي ..
- ما يتعلق بمواطني بيروت:
رغم أن بيروت الغربية التي تعتبر المعقل الرئيسي للمسلمين السنَّة في لبنان كانت تعيش مأساة الحرب الأهلية اللبنانية منذ أكثر من عشر سنوات ورغم أن هذه المعاناة ازدادت حدتها مع الغزو الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ حيث فرضت قوات الغزو حصارًا عسكريًّا شديدًا عليها أتبعته بقصف مدفعي وصاروخي وجوي، استمر لمدة تزيد على ٨٠ يومًا، دمرت خلاله معظم مباني المدينة ووقع مئات بل وآلاف الضحايا.. نقول رغم كل تلك المعاناة إلا أن أبناء بيروت الغربية تمكنوا من الصمود والخروج من هذه المحنة التي أهلكت الحرث والنسل.. وظن أبناء المدينة أن فك الحصار وانسحاب القوات الصهيونية سيكون بداية انتهاء المعاناة التي عاشوها خلال تلك الفترة السوداء من عمر مدينتهم..
إلا أن ما أصابهم بعد انسحاب القوات الصهيونية أنساهم المعاناة التي عاشوها نتيجة الحصار والقصف الإسرائيلي وأنساهم حرب السنوات العشر وآلامها وكان أشد ما يؤلمهم في المعاناة الجديدة أنها كانت بفعل جماعة لبنانية فتح لها سكان بيروت الغربية قلوبهم وبيوتهم واحتضنوهم بعد أن دفعهم الغزو الصهيوني للنزوح من جنوب لبنان نحو بيروت.. ولكن بعد انسحاب العدو لم يعد معظم النازحين إلى ديارهم في الجنوب بل استقروا في بيروت الغربية وبنوا لمليشياتهم قواعد ومكاتب في كل حي وشارع وجعلوا من الضاحية الجنوبية لبيروت الغربية قلعة لهم ينطلقون منها كل يوم ليشيعوا الخوف والرعب والقتل و... بين أبناء المدينة التي سحب من أبنائها كل سلاح خلال مسرحية الخطة الأمنية التي أعقبت الخروج الفلسطيني منها.. وتحول نبيه برِّي إلى هولاكو يقود ميلشياته الطائفية لتعيث في بيروت الغربية ما عجزت عن تحقيقه قذائف الكتائب وصواريخ اليهود لأكثر من عشر سنوات ..
لقد حولت حركة أمل بيروت الغربية منذ عام ۱۹۸۲ إلى جحيم لا يطاق وأصبحت الحياة بالنسبة لأبناء بيروت رهيبة إلى الحد الذي جعلهم مستعدين لقبول أي مشروع يحقق لهم الأمن أيًّا كان مصدره ومنفذه ..
ب- ما يتعلق بالرغبة السورية:
يعتبر الدخول العسكري السوري إلى بيروت الغربية هو الأول من نوعه منذ عام ۱۹۸۲.. وهذا الدخول في حقيقته يعبر عن رغبة سورية متأصلة في إعادة نفوذها إلى لبنان.. وتواجدها في البقاع وفي الشمال لا يحقق لها مثل تلك الرغبة طالما بقيت بيروت بعيدًا عنها، ومن هنا يمكننا فهم الدعم الذي كانت تمنحه سوريا لنبيه بري وميليشياته.. ورغم أن ما يقال عن الضوء الأخضر الذي فتح لسوريا باب الدخول إلى بيروت الغربية يتفق إلى حد كبير مع الحقيقة.
إلا أن ذلك يؤكد على وجود دوافع سوريَّة تسبق ظهور الضوء الأخضر.. وهذه الدوافع ترتبط إلى حد كبير بطبيعة العلاقة المميزة التي تربط بين سوريا ولبنان إضافة إلى تلك التي تتعلق بنظرة النظام السوري نفسه للبنان.. ولذلك فإن الوضع الأمني الرهيب الذي كانت تعيشه بيروت هيَّأ لسوريا عودة كانت تنتظرها لتحقق من خلالها ضغطًا على القوى الدولية وبالأخص الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والفاتيكان لإقناعهم أنها القوة الوحيدة التي يمكنها احتواء الأزمة اللبنانية بما يتفق مع إستراتيجية هذه القوى ولتحقيق ذلك سوف تسعى سوريا إلى تخليص الرهائن الأمريكيين وغيرهم وفرض هيمنتها على الجماعات التي تتهم بالتطرف ..
هل تنجح الخطة الأمنية؟
بعد فشل العشرات من الخطط الأمنية التي جرى محاولة تنفيذها في بيروت خلال السنوات الأربع الماضية، أصبح شك المواطن في إمكانية نجاح الخطة الجديدة في محله، وبخاصة أن الخطط السابقة كان يشارك بإعدادها كافة الفرقاء، ورغم ذلك تتعرض للفشل فور البدء بالتنفيذ .
ولكن الملاحظ في الخطة الجديدة أنها اعتمدت لأول مرة على القوة العسكرية السوريَّة التي دفعتها الرغبة السوريَّة في إعادة نفوذها والإصرار السوري على تنفيذ هذه الخطة، لدفع القوى الدولية المعنية نحو منح سوريا التفويض اللازم كما حصل عام ١٩٧٦، إضافة إلى أن قبول سكان بيروت الغربية للوجود السوري بل وحماسهم له بسبب أوضاعهم الأمنية الرهيبة يعطِي الخطة السوريَّة إمكانيات أقوى للنجاح رغم العوامل السلبية التي يدفعها هذا الجانب أو ذاك..
ويبقى العامل الرئيسي الأهم في توفير إمكانية النجاح لهذه الخطة هو ذلك الوضع الإقليمي والدولي المناسبين ويدل على ذلك الموقف الإيجابي للولايات المتحدة تجاه دخول القوة السوريَّة إلى بيروت الغربية والموقف الفرنسي الذي لا يبتعد كثيرًا عن الموقف الأمريكي إن لم يكن أكثر إيجابية، وهذا ما نعتقد أن عبد الحليم خدَّام قد سمعه خلال زيارته الأخيرة لباريس.. وحتى الفاتيكان المعني ببيروت الشرقية أكثر، أبدى موافقة مسبقة أو بالأحرى عدم ممانعة على قيام سوريا بدور خاص في لبنان.. والفاتيكان هنا لا ينسَى تلك الورود التي تناثرت على المدرعات السوريَّة التي دخلت المناطق المسيحية عام ١٩٧٦.. وفي هذا المجال تتحدث الأوساط القريبة من بكركي مركز البطريركية المارونية عن مشروع جديد للسلام في لبنان وأن بطريرك الموارنة موجود الآن بالقرب من مدينة اللاذقية السوريَّة حيث القصر الصيفي لحافظ الأسد!!
وهذا بالطبع يخدم الخطة الأمنية ويخدم مستقبل الوجود السوري في لبنان.. ومن الطبيعي أن مثل هذا المشروع لن يكون بعيدًا عن إستراتيجية الولايات المتحدة التي ستنظر إلى نجاح سوريا في الإفراج عن المختطفين واحتواء جماعات التطرف بعين الرضا وبالتالي التوجُّه نحو دعم التحرك السوري لتحقيق السلام في لبنان.. وخاصة أن المصادر الدبلوماسية الغربية تتحدث عن اتصالات سريَّة تجري بين سوريا والولايات المتحدة كان آخرها زيارة مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليم كاسي إلى دمشق في الأسبوع الماضي.
وتعد إشادة الولايات المتحدة بسوريا لدورها في الإفراج عن أحد الرهائن الأمريكيين المحتجزين في لبنان وهو القس لورنس جينكو إشارة إلى العلاقات الإيجابية بين الحكومتين الأمريكية والسوريَّة.. كما يؤكد على وجود هذه العلاقة رفض الحكومة الأمريكية المتكرر لقيام الرئيس اللبناني أمين الجميل بزيارة واشنطن وتعزو المصادر الأمريكية هذا الرفض إلى وجود قناعة أمريكية بتقليص مدة رئاسة الجميل من ٦ إلى ٤ سنوات تنتهي في شهر سبتمبر المُقبل على أن يكون هذا التخفيض متفقًا مع مشروع السلام الجديد أو بالأحرى متزامنًا معه.
عوائق الخطة الأمنية
رغم مرور شهر على تنفيذ الخطة الأمنية في بيروت الغربية إلا أن الخوف من فشلها مازال مستقرًا في نفوس أبناء المدينة لعدة أسباب أهمها:
أ- معارضة كوادر حركة أمل لتطبيق الخطة الأمنية في الضاحية الجنوبية، معقل أبناء الطائفة التي تنتسب إليها هذه الكوادر.. ورغم إعلان قيادة أمل عن موافقتها على الخطة الأمنية السوريَّة إلا أن الكوادر العسكرية للحركة تبدي اعتراضها وتخوفها من الخطوات المستقبلية للخطة الأمنية.
ب- معارضة حزب الله تأتي متفقة مع معارضة كوادر أمل حيث يخشى الحزب من أن الهيمنة السوريَّة سوف تؤدي إلى تقييد حركته على الساحة اللبنانية.
جـ- معارضة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يحاول التهرب ما أمكنه من إجراء أي لقاء مع السوريين وجنبلاط يخشى أن تؤثر الخطة الأمنية وخطواتها المستقبلية على الإدارة المدنية المستقلة التي أوجدها في المناطق الدرزية منذ عدة سنوات ..
د- الفلسطينيون الذين يبدون تخوفهم من أن تتوجه الخطة الأمنية نحوهم تحت ستار تحقيق الأمن وخاصة أن صراعهم مع حركة أمل فيما عرف باسم حرب المخيمات كشف عن المساندة السوريَّة الكبيرة لمليشيات أمل..
ورغم أهمية هذه العوائق وخطورتها على نجاح الخطة الأمنية إلا أن العوامل المحيطة بهذه العوائق تدفعنا إلى الاعتقاد بأن السوريين سوف يتمكنون من تخطيها.
- فبالنسبة إلى كوادر أمل وحزب الله فإن المعتقد أن الجانب الإيراني سوف يضغط تجاه دفع هذه الكوادر الشيعية إلى قبول تطبيق الخطة الأمنية من خلال نشر جنود من اللواء السادس اللبناني داخل الضاحية الجنوبية والذي يتكون في معظمه من أبناء الطائفة الشيعية.. والحكومة الإيرانية تسعى في ذلك إلى ضمان واستمرار التواجد المسلح لحزب الله وكوادر أمل.. وضمان استمرار العلاقة الجيدة بينها وبين الحكومة السوريَّة..
- وبالنسبة لوليد جنبلاط فإن ارتباطاته ببعض القُوى الدولية كمنظمة الاشتراكية الدولية مثلًا، والتي تضم في عضويتها حزب جنبلاط كما تضم في عضويتها حزب العمل الإسرائيلي الحاكم ستدفعه بالنهاية إلى قبول الخطة السوريَّة وربما يكون ذلك مقابل الحفاظ على بعض الاستقلالية لمناطقه.
- أما بالنسبة للفلسطينيين فرغم التخوف الذي يبدونه من الوجود السوري إلا أن القيادات الفلسطينية التي تسيطر على المخيمات تنتمي في معظمها إلى جبهة الإنقاذ المنشقة على ياسر عرفات.. ولما كانت جبهة الإنقاذ في وضع تحالفي مع سوريا فمن المستبعد أن يكون هناك تصادم بين السوريين والفلسطينيين في بيروت الغربية وإن كان ذلك لا يعني عدم وجود احتمال في وقوع مصادمات في محيط التواجد الفلسطيني في الجنوب مستقبلًا.
ورغم كل هذا وذاك فإننا نعتقد أن من حق أبناء بيروت الغربية أن يضعوا الخطة الأمنية الجديدة بين الشك والأمل فقضيتهم ترتبط بحقيقة الأزمة اللبنانية كلها وحقيقة الأزمة اللبنانية ترتبط بحقيقة القضية الفلسطينية..
ومن هنا نفهم تخوُّف الدبلوماسي الغربي من أن تكون القضية قد دخلت في حرب المائة عام.